الخميس، 2 أغسطس 2012

أنوار للمعرفة ومعراج للوعي في ديوان سبع سنابل للبهجة لمصطفى العايدي



سبع سنابل للبهجة ديوان الشاعر الدمياطي مصطفى العايدي هذا الديوان الذي يضم عشرة قصائد من شعر التفعيلة هي :
 فصل المحيا والممات – فصل الوصل – فصل العظات المهلكات – للماء وطن .. وللطير فضاء – تحولات الضحى وقيامة الليل – البلاد – في أبدية الغرام – زهرة  المعراج – الواكواك – رأس نفرتيتي .

ويبدأ الشاعر ديوانه بمقدمة شعرية يقول فيها :

ها أنذا أقصص بعضاً مما أهواه
أستـــــاف عبـــيراً ممـــا أخـشاه
وأمد يدي .. نحو الظل الآخــر !

وفي هذه المقدمة يؤكد الشاعر على أنه لا يقص إلا ما يرغبه ولا ينشد إلا ما يهواه ولا يطرح من قضايا إلا ما يعتقد أنها تعبر عن موقفه ورؤياه بالرغم من أن هذه القضايا وتلك الأجواء التي يفصح فيها محاطة بالأشوك ملبدة بالغيوم ودروبها مليئة بالمخاطر الجسام . إن الشاعر ليخوض في مناطق وعرة ودروب خطرة ، ماداً رؤيته وطرحه الشعر نحو ظل آخر لا يعلم هو نفسه ما يخفيه هذا الظل وراءه من أخطار ومهالك ولكنه الطريق الذي اختاره والموقف الذي تبناه .

وتبدأ قصائد الديوان بفصل "  المحيا والممات " وتمثل قصيدة " هي لؤلؤتي " أولى قصائد هذا الفصل وسنقف عليها وعلى ما بعدها لنتعرف من خلال ذلك على الملامح الفنية العامة للديوان وأهم الرؤى والقضايا التي يطرحها .
وفي البداية نلاحظ أن عنوان القصيدة " هي لؤلؤتي " مصاغ بجملة اسمية تقريرية خبرية مضافة لياء المتكلم معبرة بذلك عن الحب والإعتزاز البالغ لرمزية الضمير " هي " والرمز هنا قد يكون مفتوح الدلالة حيث الحقيقة التي ينشدها الشاعر أو يبحث عنها أو تكون الرمزية / هي لؤلؤتي تعني بلده مصر وفي كل الأحوال فإن الشاعر يتعامل مع الرموز بحساسية شديدة وقدر عالٍ من الشفافية والسمو إلى الدرجة التي يرصد فيها حركاتها وسكناتها أو بالمصطلح الصوفي الذي يوظفه الشاعر فإنها تمثل له معانٍ ودلالات عميقة تؤكد على روحانية العلاقة وشفافية العروة الوثقى التي تصل الشاعر بمصر . 


إن اللؤلؤة / مصر حين تختبئ وتنكفئ على نفسها تعزف لحنها الحزين فإنها رغم ما يحيط بها من مشاهد الموت وعلاماته إلا أنها تظل حية بروحها وهي حين تتضرب أو تتحرك فإن مجرد حركتها إنما هي نداء للحياة وسريان للماء خلال الطين ، وهي حين صبرت طويلاً وانتظرت مطلع النور والفجر القادم فهو انتظار الواثقين وصبر الآملين – أما شدوها فهو النهار وصفاء الروح وبهاء الفراديس وحين تظهر مفاتنها فهي تستدعي كل المباهج .
إن أحوال الشعر ومقاماته لتتغير وتتبدل وفقاً لأحوال المعشوقة ومقاماتها ، وإن الشاعر ليراها في آخر أحوالها ومقاماتها قد سعت نحو النور والنهار وهي إذ تسعى يخرج من مرقدها مواكباً لها كل الخير والأماني العذاب ، فها هي سنابل الخير تسعى معها وها هي تخطو نحو القوة والتعافي وقد برأت من كيد السحرة ومحت بالنور القادم بريق الزيف وسلمت من فرعون وجنده .
إنها لا تخطو وتسعى فحسب بل تنتفض وتنطلق من إسارها بعد أن عانت وعانى أبناؤها سنوات طوال عجاف نضبت فيها أودية الخير واحترفت معها سنابل البر واختل الميزان ولا غرو فإن إختلال الميزان إنما هو مصدر كل المظالم وأس كل معاناه وبلاء . يقول الشاعر :

قلت : انتظري .. حتى يذهب عني ظمأي
قالت : هيهات
قلت : احترقت سنبلتي مذ نضبت أوديتي
واختل الميزان !

وفي قصيدة " فصل الوصل " يطالعنا أيضا الطابع الدرامي لقصائد الديوان هذه القصائد المتشحة بالمصطلح الصوفي حيث يشاهد شيخاً يتحدث مع مريده ويطلب الشيخ الطيب من المريد أن يتبعه على الطريق وأن يحاول جاهداً الثبات على درب المكابدة ولكن المريد يبدي خوفه وخشيته ألا يستطيع ، فالزاد قليل والسفر بعيد والأمر برمته عسير ولكن الشيخ يقوي من عزيمته ويحثه على إنجاز الطريق حتى يتحصل في نهايته على ثمار البرهان .
إن مكابدات الطريق التي ملأت طريق المريد أضاءت له هذا الطريق فأبصر الحقائق كما عرف دواعي الحجب وأسباب المنع ولذا فإن الشيخ المعلم يستبشر ويطمئن إلى أن مريده يسلك الدرب الصحيح فآثر أن يمده بنصحه الأخير حتى تكتمل لديه العدة .. إنه ينصحه بالصبر والتحمل وألا يجزع حين يشتد الألم ويحيق الخطب وتذهب الفتنة والخلاف بالعقول والألباب ، كما أنه يحذره أيضا من الغفلة والنسيان كذلك يحذره من الضعف والوقوع في براثن الغواية . يقول الشاعر :
قلت : وما حالي حين تزيغ الأبصار
ويحيق الخطب الحالك
أو يشتد الكرب
وتفنى مدن وممالك ؟
قال : ستبصر يا ولدي بالصمت
وتسمع نجواك
فالزم بيتك وفؤادك
واحذر من نزغ الغفلة
احذر أن تفتن أو يقهرك القهار

وفي قصيدة " فصل العظات المهلكات " يتحاور الشاعر ورجل متشاعر يمثل كل منهما فريقاً من الشعراء يتواجد على الساحة الأدبية .
أما الشاعر فهو من أخلص لفنه وثبت على مبادئه وقضاياه رغم العنت والشدة والتهميش النقدي والإعلامي وأما المتشاعر وما أكثر نماذجه التي فشت في واقعنا الأدبي بل واحتلت زوراً وبهتاناً صفحات الأدب في الجرائد والمجلات فإنه في القصيدة وللعجب يتوجه إلى الشاعر الحقيقي موجهاً وناصحاً : ألا يتشدد أو يتعنت ، سواء في موقفه الفني أو موقفه الرؤيوي والاجتماعي .. إنه ينهاه عن الخجل أو الأسف ويدعوه للقول والإنشاد في كل محفل هجاء أو مدحاً ، وأن يصدح في كل الطرقات وأن يكون ملعبه الشعري محدداً وذا خطوط حمراء لا يتعداها حتى لا يلقى ما لا يرضاه ، ولا مانع من أن يمرح بشعره وأن يتخذه قربى وقرباناً لأصحاب السطوة والنفوذ من السادة والعسكر أو أصحاب الذهب الأسود والأصفر ولا مانع أيضا أن ينحط بشعره وأن يسفه الشعراء الحقيقيين بل لا مانع أن يسخر من الأخطل والمتنبي فلم يعد هناك بقية من حياء ولم يتبق شئ من حمرة الخجل .. إنه باختصار يدعوه إلى الادعاء والتطاول والحرص على الحياة وأسباب النعيم حتى لو جافى كل حقيقة وتنكر لكل قيمة وأصالة ولكن الشاعر المخلص لفنه وقضاياه يأبى أن يتنكر لذلك كله ويظل ثابتاً على موقفه ورؤيته الفنية والاجتماعية ذلك لأنه اختار الأصالة فناً وموقفاً وسيظل مخلصاً لفنه وموقفه معرضاً عن المتشاعرين والمدعيين وأرباب القصائد التي يزعمون باطلاً أنها شعر وما هي بالشعر . إن شاعرنا يؤكد على هذه الحقائق .

مشاركة