الجمعة، 8 يونيو، 2012

المسرح الشعبي ودوره في إثارة الوعي قراءة في مسرحيتي "جحا في المزاد" و "دعبل"

حاول الفنان الشعبي وبخاصة المصري وهو صاحب تراث فلكلوري زاخم وممتد – أن يجد لنفسه دوراً في صنع مسرحه وهو المسرح الشعبي المصري والذي تحلق حوله الناس قديماً في الساحات الشعبية وفي الأسواق وفي أماكن التجمعات السكانية للزارع والصناع والتجار. وقد تأثر المسرح الشعبي مثل غيره من أشكال الفنون الأدائية بظواهر تطور المجتمع وبالتالي تطور الفنون عامة.

ولإن أدى المسرح الشعبي في بداياته أدواراً كانت اجتماعية وتميل في كثير من الأحيان إلى تحقيق التسلية والمتعة أو وظائف أو اشباعات أخرى دينية أو أخلاقية أو تربوية إلا أنه تحول في جزء كبير من هذه الأشكال والمضامين إلى أداء أدوار سياسية واضحة سواء أكان مدحاً أو قدحاً ، إشادة أو نقداً للحكام من الظالمين والطغاة. لقد رأينا في تراثنا الشعبي خيالات الظل والبابات وفن الأراجوز وغيرها من الأشكال والوسائل الشعبية البسيطة.

رأينا فيها أدوات توجه بها الفنان الشعبي لنقد كافة الأوضاع خاصة ظواهر التآمر والاستيلاء على السلطة وظلم بعض القضاة وتجاوزات العسس ومكائد البصاصين وقمع جند السلطان وقسوة الجباة وجامعي الضرائب والمكوث ، ولم يقتصر التعبير عن هذا كله في شكل واحد من أشكال الفنون الشعبية سواء الأدائية منها أو القولية وإنما يكاد الفن الشعبي بكل أشكاله وألوانه وفنونه مصدراً ثراً وغنياً بغموم الشعب وأتراحه ، أفراحه واحتفالاته ، أحلامه وتطلعاته.

وبين أيدينا مسرحيتان تنتميان للمسرح الشعبي المستلهم من التراث وهما مسرحيتا : جحا في المزاد ودعبل لشاعر العامية البورسعيدي الأستاذ عبد الفتاح البيه ، وإذا كانت شخصية جحا الشهيرة في التراث الشعبي العربي والمصري معروفة للأجيال فإن شخصية دعبل تعتبر شخصية محلية استوحاها الكاتب أيضاً وألبسها زياً تراثياً ليطرح من خلال الشخصيتين هموماً ويجسد أوضاعاً ويحلم من خلالهما بمستقبل أكثر عدالة وأجدر بالحياة الحرة الكريمة .. وهكذا يوظف الشاعر الشعبي المسرح ليطرح من خلال هذا الشكل التراثي أسألة كثيرة مهموم بها الشعب خاصة بين طبقاته الفقيرة ..




أسألة تلفت الانتباه وتثير الفكر وتحرك الوجدان ليضع بها المهمومين والمظلومين والمحرومين على درجة من الوعي ومستوى من الإدراك ليصنع حالة من النقاش والجدال الفاعل الذي يمكن أن يؤدي لحراك ويعمق صراعات ويساهم بدور في حسم معركة الحرية والعيش الكريم والعدالة الاجتماعية لصالح المقهورين والأغلبية المحرومة من أبناء الوطن الواحد .. الأغلبية التي لم تضم الطبقات المعدومة فقط بل نالت شرائح واسعة من الطبقة الوسطى ما أدى إلى انهيار المجتمع بكامله فلم يعد هناك خيار سوى الثورة .. الثورة العظيمة التي دعا لها وحرك موجاتها وأشعل جذوتها شباب مصر ذلك الشباب الذي كان أكثر عناصر المجتمع المصري تضرراً وانسحاقاً من أساليب وممارسات نظام بائد تغول وتوحش تحت حماية دكتاتورية عسكرية قامعة ليس طوال ثلاثة عقود من الزمان فحسب وإنما هي أعوام عجاف حالكة قاسية قاربت الستين عاماً كانت من أسوأ ما مرت به مصر في عصرها الحديث.

لقد كان الابداع الأدبي والفني المصري يقدم على فترات وبين الآونة والأخرى الكثير من الأعمال الابداعية سواء على مستوى الكتابة أو الآداء المسرحي والسينمائي أو الفنون الأخرى سمعية وبصرية ما يرصد ويسجل أو يهجو وينقد أو يعترض أو يعلن رفضه أو يدعو إلى التمرد والثورة حتى جاء فتية من شباب مصر آمنوا بربهم كرهوا الظلم وخلعوا ثياب الخوف واتسموا بروح المغامرة وعمق الوطنية والانتماء ، شباب أتوا يدافعون عن الدم المصري الغالي الذي راح بكل عسف وقهر واستعلاء من السلطة الظالمة القامعة متمثلاً في شابين وطنيين طاهرين هما : خالد سعيد وسيد بلال ..

ويتجاوز الشباب الثائر القابع خلف شاشات الانترنت وسائر مواقع التواصل الاجتماعي – يتجاوز الاحتجاج والصراخ وينزل تاركاً منازله ومقاهيه ليقود ثورة شعبية عارمة تجتاح كل شوارع وميادين مصر المحروسة ويقف صلباً ثابتاً مصراً على اسقاط حكم الظلم والاستعباد ويسجل العالم المنبهر لمصر وشبابها أنها الثورة العظيمة والشباب المعلم ويصير ميدان التحرير في قلب القاهرة من أشهر ميادين العالم وأكثرها جاذبية والهاماً.

وإذا كنا قد ذكرنا آنفاً أن كثيراً من الأعمال الفنية والأدبية قد ساهمت بدور في طرح الأسألة ونقد الأوضاع ووضع المتلقين في حالة من الوعي والإدراك ، فإنا نستطيع اعتبار هذين العملين المسرحيين جحا في المزاد ودعبل من تلك الأعمال الناقدة الساخرة خاصة وأنها توظف في الشخصيتين الرئيسيتين أدوراً أخرى سياسية واجتماعية بحيث يتضح أن الدورين يصبان في تيار التهكم والنقد اللاذع للأوضاع المعاصرة ويتأكد لنا بوضوح كيف أسقط المؤلف جحا وعصره على واقعنا المعاصر بكل ما يعج به من آلام وأوجاع لنكتشف في جحا أنه ليس مجرد المضحك المبكي أو الشخصية الهذلية أو تلك الشخصية النمطية التي تحترف إطلاق النكات وصياغة المواقف الفكاهية وإنما ومع كل ما سبق نكتشف في جحا شخصية قارئة جيداً لواقعها ولأطراف الصراع فيه ولجماعات المصالح التي ترتبط بهذه الأطراف خاصة جهاز السلطة الحاكمة القابضة على مقاليد الأمور بالقمع والقهر وفرض الاتاوات.

إن جحا ومساعديه في المسرحية لا يتصدون لقمع الحاكم وظلمه فحسب بل أيضاً لسياساته الخارجية التي عرض فيها البلد للمخاطر والأطماع ، فالسلطان أو الحاكم أو الوالي يتحالف مع التاجر اليهودي ومع القوى الخارجية وهدفه الأوحد إنما هو حماية الكرسي وصيانة العرش .. يتصدى جحا لكل هذه الظواهر ويعمل مع مساعديه جاهداً على كشف الزمرة الفاسدة وفضح سياساتها وممارساتها ويعمل مع مساعديه جاهداً على كشف هذه الزمرة التي أضرت أشد الضرر بالمجتمع وأساءت أشد الاساءة لوجه البلد وسياستها الخارجية ، فبدلاً من أن يتعاون الحاكم مع القوى الخارجية الايجابية التي يصب التعامل معها لصالح أمن البلاد وخيرها ، نراه يمد يديه للقوى المعادية التي تريد اضعاف مصر واعاقتها عن أداء دورها الاقليمي المهيئة له بحكم الموقع والتاريخ والريادة.

ويتعرض كل من جحا ودعبل في المسرحيتين لمطاردات السلطة الحاكمة وأدواتها القمعية المتسلطة من جنود وحرس وبصاصين ويحاول جحا بالفطنة والحيلة الخروج من أزمات الحصار والمطاردة وكذلك يفعل دعبل ويغشى كل منهما الأسواق وتجمعات الناس ليقدما عروضهما والعابهما التي ترتدي أثواباً هزلية ومواقف مضحكة أو ساخرة ولكنها تحمل مضامين سياسية ناقدة ، ومع تعدد هذه العروض وانتقالها من مكان إلى آخر تزداد مساحة الوعي بين الناس وتسقط الأقنعة ودعاوى الزيف عن السلطة الحاكمة المستبدة وتفتضح أمام الجماهير ما يؤدي إلى ازدياد السخط الشعبي واحتدام الصراع وينتقل هذا الصراح المحتدم إلى داخل جنبات القصر الحاكم وأروقة السلطان الظالم وتخفق محاولات السلطة في محاصرة جحا وكذلك دعبل.

وتنجح الجموع بقيادة هذين اللاعبين الثوريين أن تقضى على هذه السلطة لتفتح للجماهير المتعطشة للحرية والكرامة أبواباً لعصر جديد وأفاقاً واسعة لتحقيق الحرية وإنجاز العدالة وإقرار مظاهر العيش الكريم وهي أهداف لابد أن تؤدي تلقائياً إلى استعادة مصر لقوتها وحجمها الحقيقي ودورها الرائد الفعال في المنطقة كقوة اقليمية كانت دائماً لاعباً اساسياً في رسم الخرائط وصياغة شكل المنطقة انطلاقاً من رصيدها الحضاري وموقعها المتميز ودورها الفعال ..

إن مسرحيتي جحا ودعبل لهما مسرحيتان سياسيتان بامتياز وهما تؤكدان على الدور الذي يلعبه الفن الشعبي في تأكيد الأصالة وتنمية الوعي وحشد الجماهير وهو دور قديم وأصيل شاركت فيه كل فنوننا الشعبية بدءً بالاغنية والموال وليس انتهاءً بعروض صندوق الدنيا والبابات والأراجوز ومسرح الساحات الشعبية.

لقد وظف المؤلف تقنيات المسرح الحديث من ديكور وحركة إضاءة وتحريك للشخوص واستعمال الستار وظف كل هذه الأدوات المسرحية الحديثة لازخام مسرحه الشعبي واخراج مضامينه السياسية والاجتماعية وتقديمه للجمهور بصورة حية وفعالة صار الجمهور فيها مساهماً آداءً واخراجاً ما يؤكد على دور المسرح بعامة والمسرح الشعبي بخاصة في التنمية الفكرية والثقافية وإثارة الوعي والفكر بل والحركة الفاعلة بصورة لا تقل وإن كانت تزيد على المسرح الفصيح بصوره المختلفة شعراً كان ام نثراً.

إن المسرح سيظل أبا الفنون ومصدر الإلهام لكثير من الأشكال الفنية خاصة في جانبه الدرامي الذي هو أساس كل فن أصيل ومصدر الحيوية لكل عمل فني متميز.

مشاركة