الخميس، 18 نوفمبر 2010

ان يكون المرء - ادوارد سعيد

أن يكون المرء ( ادوارد سعيد ) وجب ان يكون انساناً الى ابعد الحدود ، متحلياً بكل رهافة الحس الانساني وتوتره ، متسماً بكل اناقة السمت والفكر ولياقة الاداء وسلوكيات المعاشرة والتعامل .

ان يكون المرء ( ادوارد سعيد ) وجب ان يكون مفعماً باخلاق المبارز ، متشبعاً بنبالة الفرسان ، خائضاً ميادين النزال الحجاجي ، والجاً حلبات المبارزات الفكرية وهو عالم بالتقاليد ، واقفاً على المتواضعات في اصول النزال وقواعد المبارزة .

أن يكون المرء ( ادوارد سعيد ) وجب ان يكون هاضماً لكل تراث الغرب ، بمل متمثلاً لأهم سرديات الفكر الانساني قاطبة ، غايته . ليست استعراض في بلاغة الخطاب ، او تقديم مشاهد من مهاراته في استدعاء الادلة وسوق البراهين ، بقدر ما كان كل همه ، البحث عن الحقيقة ، وازاحة كل ما دونها من حجب العماء ، واقنعة التضليل ، وتأكيد انسانية الانسان وحقه في العيش وممارسة دوره الابداعي في الحياة ومساهمته في صنع الحضارة بندية وكفاءة أينما حل وأينما كان .

أن يكون المرء ( ادوارد سعيد ) فحري به ان يحتفظ لنفسه بقدر كبير من استقلالية الفكر ، واحترام وافر لقدرة العقل ، ومخزون عظيم من الثقة بالنفس والايمان بالحقيقة وهي امور تجنبه الوقوع في اسار سطوة ( النظرية ) ، وسحر مقولاتها الآخاذة ، وتبعد به عن فخاخ ( لذة النص ومزالق استلاب الوعي ، تحت تأثير حيل من قوانين ( البنية ) ، والعاب ( الانحراف ) ، وافانين مهارات ( الحضور والغيب ) .

أن يكون المرء ( ادوارد سعيد ) ، لزم ان يزاول يقظة الشارح ، ويمارس براعة التشريع ، ويتقن توظيف مباضع النقد وتفعيل ادواته في فحص كل النظريات ، ووضع كل الدوجماطقيات والمقولات مواضع المساءلة والنقاش مسترداً بذلك للنظرية وعيها ، وللنص حضوره الفعلي الحي في قلب حركة التاريخ ، وجدلية الوجود الانساني .


أن يكون المرء ( ادوارد سعيد ) ، وجب ان يحظى بدور رئيسي في تعديل ، اوضاع الفكر الانساني ، وخلخلة المشهد النقدي العالمي ، واعادة توزيع ادوار انتاج الثقافة والنظرية من مركز واحد مهيمن يقع بين ضفتي الاطلنطي – الى مراكز متعددة عبر قارات العالم حتى صار هنالك اكثر من مركز ، يساهم في انتاج الثقافة ، ويشارك في صنع المعرفة .

أن يكون المرء ( ادوارد سعيد ) لابد له من نفس قوية ، وروح متأصلة الشجاعة ، وشخصية ذات قناعة اكيدة ، ومواقف ثابتة غير قابلة للابتزاز او المساومة او التهديد ، ليس فقط ازاء حاكم او سلطة او منتفع صاحب رأي فاسد ، وانتهازي ذي ادعاء باطل ، بل في مواجهة مؤسسة هائلة متوحشة ذات قدرات لا محدودة ، وامكانات تفوق الخيال سياسياً واقتصادياً واكاديمياً واعلامياً .

أن يكون المرء ( ادوارد سعيد ) ، فعليه ان يطرح رهبته ، ويستجمع شجاعته ويشد عضده كي يلقي في حلق الصهيونية الحجر تلو الحجر ، بل ويمطرها بأطنان الاحجار .. وهكذا فعل سعيد طوال معارك الانسانية والحق التي خاضها في تنفيذ مزاعم الامبريالية المستحوذة ، واراجيف اليمين الاستعلائي ، واباطيل الصهيونية العرقية ذات السيوف المسلطة على رقاب العالمين .


هكذا فعل سعيد ذلك المثقف الواعي الفطن الحامل لجينات الهوية ، المنتمي للجذور ، منذ ( بدايات ) ان لم يكن منذ عمله الاول عن ( جوزيف كونراد ) عام 1966 ، و ( الاستشراق ) 78 ، و ( قضية فلسطين ) 79 ، مروراً بـ ( حجب الاسلام ) 81 ، و ( الكلمة والنص والناقد ) 83 ، وحتى ( بعد السماء السابعة ) 86 و ( لوم الضحايا ) في عام 1988 ، هذا غير القاء المحاضرات وكتابة المقالات ، وعقد الندوات واللقاءات الناشطين من مناهضي العولمة او تلك العناصر الوطنية الواعدة من الشباب الفلسطيني والعربي المتبني الدفاع عن القضية بأسلوب علمي مدروس بعيداً عن الممارسات السينمائية ، والاساليب الحنجورية .. وفي كل مناسبة حرص سعيد ان يعلن من خلالها – عن آرائه المستنيرة ومواقفه الشجاعة ازاء قضية الكونيالية والاستلاب والستزراع ويبدي تحديه ومواجعته لغرور تفوق القوة ، واوهام التمايز الحضاري والعرقي .

هكذا فعل سعيد حين رمى اعداء الحياة بحجر من الجنوب العربي اللبناني ، حريصاً الا يحرم نفسه لحظة من الخلود ، فمارس روعة الفعل وشرف المشاركة في صياغة تباشير فجر لابد ان يأتي حتى لو طال انتظار بزوغه .

أن يكون المرء ( ادوارد سعيد ) فلابد له من موهبة ذلك . لاستشراق الكاشف وتوهج تلك البصيرة النافذة حين يستحضر التاريخ وهو يقف طويلاً بكل الهيمنة والجلال امام صفحة ناصعة الاشراق من صفحات النضال الفلسطيني الا وهي الانتفاضة ، وان يكون لديه كل تلك القناعة والايمان بأن الزمان سوف يتحدث كثيراً عن بلاغة الحجر ويحني الرأس اجلالاً امام مشهد الطفل الغاضب .

ان سعيداً لم يكن مجرد يلقي حجراً على مدرعة تحصد الأرواح ، او جرافة تسحق الحياة ، وانما كان سعيد حينئذ يعزف نغمة في لحن الخلود ، ويبدع نصاً مكثفاً في مهام المفكر الانسان ، ويمارس بحق فعلاً واعياً لوظائف المثقف العضوي .. وكم كان ذلك الحجر مؤلماً وكم كان قاسياً حين دوى في أوكار قتلة الاطفال واعداء الانسان ، وهز بعنف قواهم الحمقاء ، مثيراً جام غضبهم وجنون صراخهم وهذيان وتخبطات آرائهم واقلامهم .

إن حجر سعيد كان علامة فريدة وفعلاً ثقافياً من الطراز النادر ، وكان موقفه بل كل مواقفه مفعمة برموز الدرس التاريخي والايحاءات الحضارية والسياسية الدالة .

أن يكون المرء ( ادوارد سعيد ) ، فعليه اذن ان يحل تلك المعادلة الصعبة بين هموم المنافى وآلام الاقتلاع من جهة وان يثير من جهة اخرى دهشتنا واعجابنا وعظيم تقديرنا في تجسيد نموذج الانتماء وضرب المثل البليغ في ديمومة التواصل والحنين الجارف لبقاع الهوية ومواطن التكوين الاولى .

رحمك الله ايها الرمز وجزاك الخير عن جهدك واياديك وصبرك ، صبرك على كل ما يؤلم الروح والجسد رحمك الله وجعل مثواك في الخالدين ..

وبعد .. اليس من الصعب ان يكون المرء ادوارد سعيد ؟!

مشاركة