السبت، 28 يونيو 2008

قراءة في مجموعة "صيد المطر" لإبراهيم عطية

يؤلف مجموعة "صيد المطر" اثنتا عشرة قصة قصيرة وعنوانان داخليان أحدهما يضم أربع أقاصيص وهو "حكايات قديمة" ، والآخر يحتوى سبع أقاصيص وهو "عاتب عليك يا زمن" ، وبذا تضم المجموعة ثلاثة وعشرين نصاً ما بين قصة قصيرة وأقصوصة تقع تقريباً في حوالي مائة وتسعٍ وعشرين صفحة من القطع المتوسط . في أولى قصص المجموعة وهى بعنوان "خمسة أمتار بالتمام ... تعيد الثقة" يرصد الكاتب لحظة من اللحظات الصعبة والفارقة في حياة كل إنسان وهى لحظة الضعف الإنساني الواقع تحت سطوة التردد والخوف في اتخاذ قرار مصيري .

عن سلسلة إشراقات جديدة بالهيئة العامة للكتاب ، صدرت مجموعة "صيد المطر" للقاص إبراهيم عطية ، في طبعتها الثانية عام 1998م ، وقد صدر له في نفس العام مجموعة "طعم الوجع" عن سلسلة إبداعات بالهيئة العامة لقصور الثقافة وفي عام2006م ، صدرت مجموعته الثالثة "حوريات الضوء" عن سلسلة "خيول أدبيه" التي يصدرها فرع الشرقية الثقافي بالتعاون مع محافظة الشرقية .

يؤلف مجموعة "صيد المطر" اثنتا عشرة قصة قصيرة وعنوانان داخليان أحدهما يضم أربع أقاصيص وهو "حكايات قديمة" ، والآخر يحتوى سبع أقاصيص وهو "عاتب عليك يا زمن" ، وبذا تضم المجموعة ثلاثة وعشرين نصاً ما بين قصة قصيرة وأقصوصة تقع تقريباً في حوالي مائة وتسعٍ وعشرين صفحة من القطع المتوسط .

في أولى قصص المجموعة وهى بعنوان "خمسة أمتار بالتمام ... تعيد الثقة" يرصد الكاتب لحظة من اللحظات الصعبة والفارقة في حياة كل إنسان وهى لحظة الضعف الإنساني الواقع تحت سطوة التردد والخوف في اتخاذ قرار مصيري .

ويجسد الكاتب هذه اللحظة المنعطف من خلال الراوي المتكلم وهو بطل من أبطال رياضة الغوص ، يسرد البطل وقائع اللحظة ويدخل في تفصيلاتها من خلال مونولوج داخلي يعكس صراعاً يعتمل في نفسه بلا هوادة ، إنه الصراع بين وحش الخوف وإرادة الثبات والتحدي يبدو الخوف أمام عيني البطل وهو على حافة خشبة المقفز ، وحشاً مرعباً فاتحاً شدقيه مبتلعاً السماء وقد اتقدت عيناه الجاحظتان بشرر هائل كالنيازك الحارقة .
يحاول الخوف اللعين أن يشل حركة البطل فيذهل عن نفسه وتتجمد أطرافه فزعاً ورعباً حتى أنه صار أقرب إلى الموت منه للحياة، فيستجمع البطل بعض التماسك وشيئاً من رباطة الجأش. يؤنب نفسه التي طار بها الخوف بددا ، ويقُرعها تقريعاً عنيفاً ، مذكراً إياها بضعفها وترددها الكريه الذي سبق وأن راح ضحيته أخت صغيرة له غرقا أمام عينيه ، وحبيبة فقدها بعد إحجامه عن التقدم لخطبتها .

إن الراوي يستدعي هذه المشاهد ليثري بها الحالة الرئيسية لقصته تعمقاً للصراع مع توظيفها لدفع الموقف والحدث، حيث لم يعد هنالك فرصة للاختيار، فقفزته هذه مصيرية وعليها يتوقف مستقبله وتتغير حياته، إنها خمسه أمتار فقط. وفكرة القصة ربما كانت مطروقة من قبل ، وقد عالجها الكاتب بالفعل في مجموعته الثالثة "حوريات الضوء" ، إلا إعادة معالجة الفكرة يبدو أمراً لا بأس به ، إذ يدرك المتلقي ويتأكد لديه ، أن مجرد بضع خطوات للأمام ، يكون متسلحاً فيها بالجُرأة والشجاعة ، كافية لتغيير مصيره ومصائر الآخرين .


إنها خطوات قد تبدو هينة، لكنها عظيمة الشأن والخطر فمعها يتصدع حاجز الخوف الوهمي الذي يحول بيننا وبين مستقبل لاشك أنه أفضل وأجمل فليس ثمة أسوأ مما نعشه ونكابده. وعنوان القصة كان في حاجة إلى التكثيف الملائم لتصوير لحظة أو حالة واحدة، فكان يكفى "خمسة أمتار" أما توصيف هذه الأمتار فكان أجدى أن يترك للقارئ.

ــــــــــــــــــــــ

في قصتي "طلل نُحاس" و "سيرة ما جرى" يتضفر الواقعي بالفنتازي في إدانة من القاص وبروح مشبعة بالسخرية المريرة – واقعاً يجهل تاريخه ويتنكر لرموزه ويجحد تضحيات أبطاله وهو انعكاس لإحدى أشكال التردي المتعددة التي هوى فيها هذا الواقع في نفس الوقت الذي نجد ولوعاً بالتفاهات والقشور قد عم الأغلبية فتهافتت عليه بشكل يثير الدهشة فالبطل أحمد عرابي يتحول في نظر طوائف عدة من الناس إلى أمثولة للضحك والتندر ، أو يتحول في نظر بعض أطفال المدارس إلى مهرج حين رأوه يسير في الشارع مرتدياً طربوشه الأحمر وزيه العسكري القديم ، حتى حصان الزعيم الذي كان يمتطي صهوته ، يتركه ويلهث وراء نزواته حين لمح مهرة جميلة تجر عربة كارو !

أما المقاتل "محمد عبد الرحمن" وهو أحد أبطال أكتوبر في قصة "طلل نُحاس" فقد استشهد بعد أن دفع بسخاء ضريبة الحياة والوطن ، يُقام للبطل تمثال من نحاس على ضفة القناة عند مدينة القنطرة يبدو فيه رافعاً العلم بيد وبالأخرى يقبض على سلاحه ، يعاني التمثال الإهمال والنسيان حتى تراكمت عليه طبقات كثيفة من الملح والغبار والصدأ ، يتوق ظل التمثال المتحرك للحياة والناس ودفء الأسرة فيتحرك صوب الضفة الأخرى للقناة ، يتوقع البهجة العارمة بعودته والحرارة الطاغية بأوبته ، لكنه يصاب بهول الصدمة وخيبة الأمل ويتفجع لما يراه من مظاهر الجحود والنكران إذ يُقبض عليه بتهمة سرقة سلاح وارتداء زى عسكري ويشبعه أفراد الشرطة العسكرية ضرباً وركلاً ، أما الأهالي فيتجاهلونه تماماً رغم قرب عهده منهم ، ومما يزيده ألماً وحسرة أن يري أحد رفاق السلاح من أفراد المقاومة الشعبية قد وضُع على كرسي متحرك مبتور الساق وفوق جسده كومة من الهلاهيل المُتسخة وكل ما بحوزته "قرص نحاس وورقة ، قال إيه ... وسام الشجاعة والبطولة ! " .

يعود الظل أدراجه متجرعاً الألم الممض ، يتمدد تحت تمثاله راضياً بالاستلقاء على الساحل في قلب السكون والصمت الممتد بامتداد الصحراء !

وواضح في القصتين الحس الناقد الساخر مع إفادة من خيال محلق لرسم مشاهد موحية متهكمة وبناء حدث متماسك ذي دلالات وربما استلهم الكاتب في القصتين تجربة محمد المويلحى في "حديث عيسى بن هشام" ، ولكن بتوظيف محدود ومكثف مطوعاً لإنجاز قصة قصيرة ينعي فيها الكاتب واقعاً انفصل عن تاريخه ومجتمعاً تنكر لرموزه .

ــــــــــــــــــــــ

أما قصتا "حصان خشب" و "أنكرتني بيوت القرية" ، فتبدوان مكتوبتين بروح الانتماء إلى الجذور ونداء الحنين إلى القرية وذكريات الطفولة والصبا بين ربوعها ، وفي إطار ذلك نستشعر مشاعر رومانسية شفيفة مع لمسات من الحس الشعبي في رسم المشاهد ولغة الحوار ، سواء أكان حواراً خارجياً كما في "حصان خشب" أم داخلياً كما في "أنكرتني بيوت القرية" ففيها يتصاعد الحدث المتجادل بين الراوي وذاته على خلفية التباين بين ما كان يُحلم به وما رآه بالفعل على أرض القرية .

ــــــــــــــــــــــ

وعلى مستوى الهم الوطني والقومي وفي قصص ثلاث ذات حس سياسي هي "المطارد" و "اللعُبة المستمرة" و "فرقع لوز" يرصد الكاتب حالة مناضل عربي في القصة الأولى وقد لفظته العواصم العربية عاصمة بعد أخرى لأنه رفض المساومة ومنطق الضعف المستتر بشعار السلام . في الثانية يتناول الكاتب قضية الصراع العربي الإسرائيلي حيث يؤكد قناعته بأن تدور الدائرة ويعود الصراع سجالاً .

أما القصة الثالثة "فرقع لوز" فيرسم الكاتب مشاهدها بريشة كاريكاتورية لاذعة يسخر فيها من بطانة السوء ويتهكم من شخوص فقدت ماء الحياة بإهدار كرامتها وإنسانيتها على مذبح الحاكم فحملت له المباخر وصاغت له أناشيد الكمال ورضت بدور المهرج تطلعاً للسلطة والمنصب وحين يحقق مآربهم ، لا يلبث آخرون أن يلعبوا نفس الدور ، وهكذا دواليك . .

ــــــــــــــــــــــ

في قصة "متتالية للحزن" يجد القارئ نفسه في قلب هموم الأغلبية المطحونة الحائرة ويلخص الكاتب بؤس حياتها وشقاء حاضرها ومستقبلها في ذلك الميراث المُر من الآلام والهموم التي يُسلمها جيلُُُ ُ بائس لجيل آخر أشد بؤساً ، ومتواليات القصة تأتي على النحو التالي :

1- امرأة في العشرين تتدلل فرحةً بحملها وطفلها المتكور في بطنها والزوج الشاب تنتابه مشاعر الفرحة والرضا .

2- الجدة تهدهد الطفل الوليد ، وتحرص على تلقين الزوجة المتأففة تعاليم الرعاية وخبرة تربية الأبناء ، الزوجة تزداد ضيقاً وشكوى .

3- الأب دائم الهم والوجوم، يضرب كفا بكف تحت وطأة مطالب الأولاد وضآلة الدخل

4- الأولاد الذين ربتهم الجدة ينظرون إلى غرفتها ويتمنون لو كانت خالية.

5- المرأة التي كانت في العشرين وحفت على وجهها التجاعيد وعلى كرسي الجدة الهزاز الذي لم يغادر ركنه، جلست تلتمس شيئاً من الراحة بعد أن أرهقتها مطالب زوجة الابن الأكبر. تنظر إلى زوجها يتصفح جريدة الصباح وهى تتنهد : هذا هو حال الدنيا !

إنها سلسلة من البؤس والشقاء نتوارثها لا بسبب معطيات الظرف السياسي والاجتماعي فحسب بل أيضاً بما كسبت أيدينا من آثام الحرص والذاتية وكراهية الآخر مع الرضا والاستسلام لإيقاع حياة بطيئة مملة تأكل أجمل سنوات العمر وتفنى الآجال بلا جدوى ودون إنجاز باقي الأثر .

ــــــــــــــــــــ

في قصة "شمس وقمر" وبدأً بعنوانها يدلف الكاتب مباشرة إلى عالم البراءة الجميل عبر الطفل الذي يروي عن معلمة الفصل والبنت الجميلة التي يلعب معها ، نستشعر مع حكاية الطفل خضوعها لمقتضيات أدب الحكي الطفو لي تصويراً وتكراراً فالطفل الراوي يكرر عبارة محورية بين الفقرات وهي "المعلمة التي دخلت الفصل" وعليها تتكئ دفقاته الخيالية معيداً إنتاج ملامح من عوالمه الحميمة من لعب وسحر ألوان وتحريك رسومات وخطوط طباشير ثم الجري خارج حجرة الفصل الدراسي وراء خيوط الشمس التي تضفي على عالم الطفولة مزيداً من البهاء والجمال .

ـــــــــــــــــــ

في ثلاث قصص فضلتُ أن أعنونها "بثلاثية الخصب والنماء" وهي : "صيد المطر" و "التكعيبة" و "ماء وطين" يمتح الكاتب فيهن من منابع ثرةٍ من تراثه المصري القديم والإسلامي الضارب بجذوره في أعماق النفس والأرض معاً ، وهو يواجه فيها زمن الجوع والرمادة بمنطق الخصب والنماء والأمل المتجذر في الوجدان المصري ، وهو يسرد وسط هجير الصحراء ولفيح الجوع عن الأمل ، عن الغيث والمطر ، وكأنه بذلك يتحدى ضرورات تحاصره وظروف موضوعية مميتة تنشب أظافرها بقسوة في جسده وروحه تبغي إزهاقه ومن ثم القضاء على تاريخ ممتد سبعة آلاف سنة من الصمود وتحدى الفناء ففي "صيد المطر" وهى قصة المجموعة الرئيسية ، يمهد الكاتب بمقطوعة من شعر العامية لأحد أصدقائه تقول :

( نزل المطر ، جريت معاه ، وحلمت أكون زى الطيور

وأوصل لأبعد نجمة فوق خد السحاب

كان نفسي ماعرفش الغياب

أخرج م الدايرة الغلط

وأسكن في قلب السوسنه

كان نفسي أعيش فوق الشجر

غنوه حياة

عصفور بيصطاد المطر

وأطلق جناجى لمنتهاه

كان نفسي أتحدى الحياة

ولا انتهيش

كان نفسي أعيش)



يختار الكاتب لقصة "صيد المطر" بطلاً من الأطفال رمزاً للحلم الآتي والأمل القادم ، وتصوره أول لقطة نائماً وقد قبض بكفه على حفنة رمل يبدرها في الهواء مشيعاً إياها بأمنية أشبة بترتيله لدهاء استسقاء قائلاً :

- يا حبات الرمل كوني .......

ونلحظ التركيب وقد تعمد الكاتب حذف المفعول به في صيغة بلاغية من صور الإيجاز ذي الغرضين الدلالي حيث يريد شمول الحيز وعموم البركة ، ونلحظ أيضا انه لا يطلب مجرد الغوث بل يطمع في خير الرب المعطاء الوهاب .

وبالفعل "تهتز الأرض بأشجار النخيل والزيتون ويتساقط خميم البلح فوق الشباك المنصوبة للعصافير واليمام والفراخ السمان القادمة من ناحية البحيرة" صيد المطر ص 34

هكذا ترسم مقدمة القصة رسما أشبة بالأساطير المستلهمة من مزيج من التاريخ الفرعوني والتعبير القرآني.

وسرعان ما يري الولد السماء ملبدة بالغيوم فيجذبه حنين الماء ، يزعق على أولاد عمومته فيخرجون يصيحون بفرح غامر لقطرات المطر المتتالية ، يزيد الماء ويرتفع فيزيد معه الخير ويربو ، تتعالى الضحكات وتغني الأمهات للنهر الخصيب ، يحلمن بأزواجهن وقد عادوا ممتلئة مراكبهم بصفوف الخير ، ينادي الولد فى المركب الواقفة أمام داره المركب تعتدل وتجيئه من تلقاء نفسها – بأمه وأخواته والجدة ، يحمل الولد معه حصيلة شباكه من الصيد السمين وبعدها يخر تعبا لينام تحت زخات الماء على جسده المصبوغ بسمرة الشمس ، الولد مازال نائما قابضا على خفنه الرمل ، الصحراء الممتدة اكتست بالسندس الأخضر فصارت جنة فيحاء .. يغيض الماء ، تستوي الأرض برملها ، يسمع الولد من يناديه :

- يا ابن الناس قم.

يستيقظ ويعدو صوب التبة ، هناك ، حيث الأولاد يحفرون فى كومة من الرمال بحثا عن المياه بينما الشمس تغازل وجهه المبتل بالعرق .

هكذا يختم الكاتب قصته والولد فى حالة بحث محموم عن الماء مدفعا برؤيا الخصب.

أنها رؤية للأمل والتحدي مرسومة بالفن السهل الممتنع ففيها البساطة والعمق فى ان واحد مع توظيف الحلم والأسطورة دون تكلف أو اصطناع وهما مضفرتان فى نسيج السرد كأنهما عنصر عضوي فيه مع أسلوب عذب متدفق يشبه عذوبة الحلم المسرود فى القصة ، المسروق فى الواقع.

ومازال الكاتب ينتصر للخضرة والنماء ويواجه أسباب الافتقار والعدم ، ففي "التكعيبة" يتقاتل الأبناء على ميراث أبيهم ومنه التكعيبة الكبيرة ذات الخضرة والعناقيد.

تؤدي نيتهم بيع التكعيبة إلى إهمالها وإسلامها ليد الإجداب والموت لكن الحفيد "الأمل" حين يبصر التكعيبة وقد صارت كومة من الخشب والأغصان اليابسة ، يقرر ومعه ابن عمه قرارا أخر يتضح مع تنفيذه قدر ما فيه من التطهير والثورية ، فهو يضرم النار التكعيبة القديمة ويبذر مكانها بذورا جديدة ما لبث أن انبعث من بواكير براعمها نور يبشر بأمل جديد ينبلج ليشق دياجير الظلام.

وبذا يدحض منطق الموت وسطوته والمرتبط بغايات أنية ضيقة وينتصر منطق الحياة ومع إدراك قيمة الحياة وتواصلها يؤكد الحفيد على قيم الوفاء وشعور الامتنان لمن سبقونا بالبذر وإرواء الأرض بالعرق ونحن بدورنا لا خيار لنا إلا أن نفعل فعلهم حتي نستحق الحياة ذات الاستمرارية والعطاء :

"فى الصباح سمعت عمي عوض يحمد الله انه استخرج منها ، لكننا قد عزمنا إنا ومحمود على بناء التكعيبة أمام الدار ، جئنا بالشتلات وزرعنا هما ، وبعد أيام انشرح صدري لرؤية الأوراق الصغيرة وترحمت على جدي ، وقرأت على روحه الفاتحة" .

التكعيبة ص 40 أما قصة "ماء وطين فيصدرها الكاتب بالآية القرآنية "وجعلنا من الماء كل شيء حي" ، والقصة ليست تأكيد للحقيقة القرآنية الخالدة بقدر ما هي مشهد يجسد المفارقة بين وقع الغيث على أهل القرية ووقعه على أهل المدينة وهى تحثنا على استيطان الظواهر لا الحكم عليها أحكاما سطحية ، والتنبيه إلى أن النعمة قد تصير بالمعاصي نقمة وقد تزول إذا لم تصان بشكر المنعم وتقواه ، وقد بنى الكاتب قصته فى شكل أربعة مشاهد مرقمة انتقلت فيها عدسته سريعا بينها.

فى المشهد الأول وهو فى المدينة تهطل السماء وعلى اثر ذلك تحدث حركة من الاضطراب والفزع ، يهرول الباعة لجمع بضاعتهم ، ويلوذ السائرون ببواكي العمارات وتغلق أبوب ومنافذ المحلات والمنازل ، ويضم الرجل الوقف أسفل بلكونة عمارة - ابنه الصغير إلى صدره خوفا عليه وعلى حقيبته المدرسية من البلل ، يدعو الرجل : يا رب ارفع غضبك عنا واسترها يا كريم ، تمر فتاة شبة عارية على جانب الطريق ، عيون المارة تلاحقها فيفلت صوت : أغثنا يا مغيث ، يتأوه شاب : الرحمة يا عالم ، نحن بشر.

المشهد الثاني فى الريف حيث تراقصت الحقول بأعواد القمح والبرسيم و تفتحت عيون نوار الفول وبدت الدنيا كلها فرحة بالماء حتى خيال المآتة انفجرت أساريره بالبشر والبهجة ، يخرج احد المزارعين من داره ليرقب الخير النازل ، يحذره ولده ابن المدارس من الخروج فى هذا الجو العصيب يرد الأب بخبرة العمر وحكمة الحياة : يا بني استبشر خيرا ، فى الماء طهارة من الدنس ونجاة من المعاصي وحياة طيبة.

يعود المشهد إلى المدينة وقد سكنت السماء وكشفت الشمس بنورها الدنيا ، فعادت الحياة لسيرتها الأولى ، الرجل يمسك بيد ابنه محذرا : على اقل من مهلك .. هونها يا معين على هذا الوحل ..!

فى المشهد الرابع والأخير ، ينظر المزارع وابنه إلى الخضرة الممتدة على مرمي البصر ، يرتمي الابن فى حضن أبيه وعيناه ترقبان الفراشات البيضاء الخارجة من نوار الفول وتتمتعان بالحسن المفروش على البسيطة.

إنها ثلاثية من المعالجة والتنويعات على الحياة ، جمالها وزهرتها ، ،قيمتها واستمراريتها ، منحتها العظمى التي تهون من اجلها وترخص الأرواح وهى لا تعاش ولا تدرك جدواها إلا إذا استنشق الإنسان فيها نسائم الحرية وشمل نور شمسها الوجود ، إنها الحرية قرينة الحياة ، الحرية التي تنبلج من عيون الليل لتهب الأرض الحياة" .. على حد تعبير الكاتب فى إهدائه لهذه المجموعة ، مجموعة "صيد المطر" وقبل أن اختم قراءتي للمجموعة : أود أن أسجل بعض السمات القصصية التي رصدتها بالقراءة ووجدتها تبلورت فيما بعد فى المجموعة الثالثة للكاتب وأهمها ما يلي :

1- تناول الحدث بآليات قصصية متنوعة : المتتالية القصصية ، القصة الرمز، البوح بتقنية الوعي ، آلية الاسترجاع ، بالإضافة إلى اعتماد التطور الخطي للحدث فى قصص متعددة.

2- تعدد مستويات الأداء اللغوي ما بين الفصيح واللهجى والعامي ، وفقا لمتطلبات الموقف والشخصية.

3- القدرة على التحكم فى الدفقة القصصية المكونة للقصص القصيرة ، أو تلك المشكلة لمشهد واحد "الأقصوصة" كما فى أقاصيص " عاتب عليك يا زمن" .

4- توظيف المثل والأغنية والشعر فى إضاءة الحدث وتعميق الدلالة والإشارة لملامح البيئة القصصية.

5- غلبة الصياغة بالصورة التعبيرية سواء الصورة الخارجية الراسمة للوحة الفنية والتي تغلب عنصر اللون أو تلك الصورة المرسومة فى دواخل الشخوص وأخيرا

6- فالمجموعة فى حاجة ماسة إلى ترتيب موضوعي وتصنيف أكثر دقة تحت العناوين الداخلية الجامعة للقصص.

مشاركة