الاثنين، 10 يوليو 2006

حكايات - من زمن العولمة والفساد - " تخللي الواحد يموت م الغيظ "


" حكايات تخللي الواحد يموت م الغيظ " هو الديوان الثالث لشاعر العامية نبيل مصلحي بعد ديوانيه " بوح القمر " 1998م و " جرح غائر في صباح القلب " 2004م

غلاف الديوان الخارجي يغلب عليه اللونان الأخضر والأصفر في وسط صفحة الغلاف الأمامي شكل بيضاوي داخلة بورتريه لطفل في الشهر الأول من عمره يضع أصابع كفيه الاثنتين في فمه وهي عادة طفو ليه تلازم هذه السن فيبدو وكأنه يعض أصابعه وأما عيناه فقد انفرجتا متسعتين عن نظرة جانبية مدهوشة دهشة ممزوجة بفزع وكأن الشاعر يقول : إن ما أراه إنما هي أشياء وظواهر يكاد يشيب لهولها الأطفال .

وإما الإهداء فالشاعر يقول فيه:

" إلي والدي ... لعلي أنجزت بعض الذي تمنيت "

والديوان تؤلفه تسع عشرة قصيدة تجسد في مجملها حالة " صدمة " ربما يتهيأ لها القارئ ويستعد لاستقبالها مع عنوان الديوان وصورة غلافه وأيضا ما يوحي به الإهداء من خلال ما يقدمه مما يعتبره الشاعر انجازا يحمل موروثا من حكمة واتزان الآباء .

وإذا كان الديوان – فيما أزعم – مجسدآ لحالة الصدمة ويحاول إدخال المتلقي فيها , بالتالي فان نبرته التي تنطوي عليها بنية قصائده تتضمن خطابا احتجاجيا إزاء ظواهر أخلاقيه وسلوكية رآها الشاعر – بموروث الحكمة والعرف الديني والأخلاقي – ظواهر شديدة الاستهجان بالغة التنفير والغرابة صارت تتولد وتتوالي ظاهرة اثر أخر تنتشر وتسود خاصة بين شرائح الشباب وبصفة أخص الشباب الجامعي ويبدو إن الشريحة الأخيرة كانت محط اهتمام الشاعر ومصدرا رئيسيا لهمه الذاتي / الجمعي , بحكم احتكاكه وعمله الوظيفي في الجامعة , لذلك رأيناه يفرد لهؤلاء مساحة تشغل نحو ثلثي الديوان تقريبا بعدد من القصائد يبلغ اثنتي عشرة قصيدة .

ولقد توسل هذا الجزء من الديوان بآلية مشهديه أقرب إلي الرصد الخارجي لموضوع التجربة وتم بنزعة غنائية أسيانه , وخطاب شعري مفجع كان صوت الشاعر فيه متضامآ مع صوت الجماعة الشعبية ومتبنيا إياه ومن الطبيعي أن يتبني شاعر العامية صوت الجماعة ويعبر عن وجدانها , خاصة إذا كان : متدادا بشكل أو بآخر لفصيل من شعراء العامية من جيل السبعينيات والثمانينيات ممن تعاطوا قصيدة التفعيلة ولكن متمردين علي جيلها الأول الذي كان ينتج قصيدة مفتونة باللغة مشغولة بالحرفية والإيقاع وصناعة المفارقات والثنائيات والأصوات المصطكة , دونما نظر إلي من يعمل خلف القصيدة متناسية الإنسان , ومن هؤلاء مجدي الجابري , شحاتة العريان يسري حسان , مدحت منير , أشرف عديس , حاتم مصطفي ومسعود شومان الذي يعتبره الأولوية عند جيله هذا للإنسان / الشاعر قبل الشاعر / الإنسان .

إن شاعرنا مازال يربطه بهؤلاء بقايا حبل سري من قوالة أو حكاية أو إنشاد وإيقاع تفعيلي غير صاخب كل هذا مع النظر باعتبار إلي خصوصية التجربة الوجودية والوعي الفني بموقع الذات الشاعرة في العالم .

إنها معطيات كل عصر وإفرازات كل جيل وسنن الفطرة في الحياة وفي الفن . 


معطيات وإفرازات ازدادت حدَتها وعمقَت من تأثيراتها الاغترابية , مع عقود الألفية الثالثة ألفية عصر المعلومات والانفجار المعرفي عصر المستنسخات والتكون المتلاحق بزمنه سريع التقلب والتأثير والإيقاع اللاهث زمن العولمة والوسائط المتعددة والقرية الصغيرة والصورة المقتحمة .

أما القسم الثاني من قصائد الديوان فتكاد تكون فيه بإزاء تجارب أكثر خصوصية لكنها تضيف إلي حالة الصدمة حالات من الإحباط كانت نتاجا لوجود هوة عميقة ومسافات واسعة من التنافر وعدم التكيف مع ذوات ونماذج من البشر صارت الحياة اليومية تعج بهم مما يفضي بحالة الصدمة / الإحباط إلي رد فعل تهكمي يواجه به الشاعر هذه الذوات وتلك النماذج التي يثير تعاملها في النفس الضيق والاستفزاز – مما يدفع الشاعر لأن يناوئها بالسخرية والتي تتحول بدورها سخرية من كل شئ حتى من النفس , فيبدو الأمر أشبه بجلد الذات ثم الانسحاب إلي الداخل اكتفاءً بهذه الحالة المرة من التهكم العنيف . 



نحن إذن في الجزء الثاني من الديوان نتعامل مع حالات متعددة ونماذج مختلفة تقترب منها عدسة الشاعر التي انشغلت إلي حد ما في القسم الأول – بمشاهد أكثر عمومية في إطار الممارسة الحياتية للذات الشاعرة وهنا نتعايش مع تجربة ربما تكون أكثر تصادمية وأعلي درامية واستظهارا للطاقة الفنية والعنصر الشعري إذ نغدو في جو من التفاعل أثناء صراع الذات الشاعرة مع نماذج مثيرة للإحباط والإعاقة المعنوية حيث نجابه بالنواتج السلبية لمجتمعات المحسوبية والفساد من مظهرية كاذبة وتعال أجوف , واستحقاق مزيف وتميز مزعوم وأناس مسنودين نتيجة حركة محمومة مسعورة لجماعات المصالح الضيقة ومافيا المنافع المشتركة المتبادلة وهي ظواهر تعني في تجلياتها الثقافية انقلابا عنيفا للقيم وتبدل حدي للمفاهيم وقضاء مبرم علي تكافؤ الفرص وشرعية التواجد للمجد والتحقق للموهوب وتعني نسف الطموحات الصغيرة ووأد التطلعات المشروعة , أي كل ما يعمق الأزمة ويغرب الفرد عن الأخر بل عن نفسه .

إنها حكايات تخللي الواحد يموت م الغيظ

ونكتفي بهذه المقاربة من الاستقراء النظري فقد آن لنا أن ندلف إلي الديوان ومع أول قصائده بعنوان " حواديت عريانة ".

وفيها يضع الشاعر الملتقي معه في قلب لحظة الذروة حين وقف مشدوها متسمرا في مكانه عند رؤيته ل ( ولد وبنت ) جامعيين " لزقين شفا يفهم في عز الظهر " , " زى مشاهد السينما تمام !

لا يكاد الشاعر يصدق عينيه وأما قلبه فقد غاص في رجليه حين رأي المشهد الرئيسي لهذه " الحدوتة العريانة " داخل الحرم الجامعي والذي تستكمل ملامحه جزئيات أخري من : مهرجانات / ومرايات / والبر فان دي باريس / والروج / والبناطيل المش بناطيل – صـ 16

وبعد أن يفيق الشاعر من لحظة الصدمة لا يملك إلا أن يعلن عن اشمئزازه واحتجاجه الشديد:

بصيت... تفيت

مش معقول ...

مليون لعنة / تكنس كل عيال الجامعة / الغاويين لعب / في قلب عيون (إبليس ).صـ19

ويتوقع الشاعر إن يعم الطاعون كل العيال وحينئذ يكون الطوفان , وهو يتخذ هذا الموقف من منطلق شعور بالالتزام وخوف علي الأعراض وتماسك النسيج الاجتماعي والإشفاق علي خلق الحياء الذي كاد يولي فكان من واجبه إن ينبه ويحذر ويدق نواقيس الخطر للناس :

يمكن لما هتسمع / ترجع تأني / تأخذ بالها كويس قوي / وتشد حزام الخوف / ع البت الألفة / قال بيقولوا عليها : شاويش – صـ16

انه موقف ابن البلد الغيور علي أهله وناسه من إن تتخطف أولادهم أنياب تيارات مادية قاسية , وبراثن موجات عارمة من ثقافات عمياء من التحلل والاباحية وإرخاء الأعنة لأحصنة الشهوات الجامحة وهي ثقافات وتيارات تهوي علي رؤوسنا ليل نهار من سماوات مفتوحة تتنافس فضائياتها في ترويج هذه السلع العولمية الرخيصة فضلا عن وسائط اتصال أخري متعددة كشاشات المحمول والسينما والانترنت وأفلام الفيديو والأقراص المدمجة .

وتتعدد الصور العريانة وتطارد عين الشاعر ويتضاعف خوفه وإشفاقه فأينما حل يجد الشباب " في قلب عيون الشهوة النار "



وصار من العادي أن تري:

واد واقف مش علي حيله / وبنت قصاده / كانت مش قاعدة كويس ... بتمد أيديها البت / وتمسك سدر الجاكت قوي / وتشد عليها الواد / بيمد أيديه / وينعكش شعرها تاني / وتانى تكمَل / باقي كلامها معاه ... قصيدة " عادي " صـ 27

أو تشاهد مجموعة من الشباب والشبات التفوا في شقاوة وجموح يلعبون " صلَح" وهم غير قادرين علي إخفاء أشواقهم الجنسية فإذا غادر الشباب حرم الجامعة تتوالي مع حركتهم حكايات أخري عريانة من مثل :

واد وبت أتقابلوا في سطح البيت ألهو / وتحت في ببر السلم جلسة تطول / وازاي / انحشروا في حته كرسي يادوب للواحد / في العربية أم قزاز اسود / بيمارسوا جواز العرف . صـ 20

وإذا استقل الشباب " الميكروباص " فثمة مهازل أخري تحدث ومساخر رخيصة تقع , ضف إلي ذلك إن الميكروباص نفسه صار احد الأسباب الرئيسية لما يسمي فوض الشارع ونزيف الإسفلت في قلب المدينة , وما يقع من حوادث مؤسفة تزهق فيها أرواح ضحايا أبرياء كثيرين :

محطة وفاضي / جامعه محطة / واقف شايف ينفخ غيظي / في وش العيب / ماشبه عقارب الساعة / تنهش لحم اليوم / حته بحته / يااااه / قلب ميدان ( الصاغه ) / مفرهد خالص / لحم في زحمه / وعند البر التأني الرايح لـ ( فاروق ) / ماكنتش محطة / لعجل الدنيا الماشية / تدوس ع البني أدمين ... تصرخ / فرحلة مجنونة / تكسر عضم الروح / وتموت برخيص / تتباع الدستة بني أدمين / بالربع جنية / وتعيش الخسَة في الأبدان الخرسَه / في غياب النجمات المخمورة / فوق الأكتاف النايمة / لحد الضهرية / دفيانه في سرير / الغفلة "إشارات بتموت ... " صـ 56 , 60

نعم كل هذا يحدث في غفلة من الشرطة , وما يفترض فيهم إن يكونوا حراسآ للأمن ذلك أن احد لم يعد يبالي بأحد ولم يعد هنالك شئ يعبأ به أحد حتى لو كان أمرآ حيويا يمس أمن المواطن ويهدد حياته .

هكذا تتآلف حواديت الشاعر المغيظة من حصيلة مشاهداته سلوكيات غريبة ينبو عنها الذوق تقع فتؤذي العين وتجرح المشاعر تنهك الآداب والأعراف , وتخدش الحياء , سواء حدثت في الجامعة أم خارجها .

وهكذا ركنت التجربة إلي اللغة الوصفية تناوله المشاهد بصيغ قريبة المأخذ , سهلة التوصيل , ربما خضوعآ لمقتضيات الخطاب الشعبي الذي ينطلق منه الشاعر ويتوجه إليه , ويسوده انفعال مصدوم للوجدان الفردي والوجدان العام فبدا الشاعر حاميآ لقيم الجماعة الذي هو عضو فيها وواحد منها .

أما في القسم الثاني من قصائد الديوان , وفي قصيدة " لأ ياعبيط " فالشاعر يتناص فيها مع زميله عزت إبراهيم – حيث كلاهما يتغني بألم الذات وحيث الوعي الفني لدي الشاعرين , يتحرك في مساحات مشتركة وبالتالي تصبح القصيدة مجالآ لحوار بين الشاعرين يتبادلان فيها المقاطع مجسدين لشعور عميق بالإحباط يصل إلي حالة غنائية شديدة الآسي أشبه بجلد الذات ورثائها في أن واحد .

وفي هذا الإطار تأتي أيضآ قصيدة " كرباجك ليه عاشق جسمي " مع ملاحظة مدلول كلمة " كرباج " وتجربة القصيدة العاطفية المحبطة والتي تأتي , دالاً بارزاً علي معاناة العجز عن التواصل مع الآخرين نتيجة سيادة المفاهيم المقلوبة , والمظهرية الخادعة .

أما قصيدة " ليه أنا مفزوع قوي " فهي تعبر عن الإحساس الدفين بالخوف وفقد الأمان في عالم صار فيه كل شئ غلط ولا يسود فيه إلا الغلط !

وفي قصيدة " مشهد محزن جدآ " يعرض لنا الشاعر مأساة إنسانية فاجعة يعالجها بتقنية الحكي مكونا نسيج حكايته من تنامي جزيئات تكاد تكون نهايتها متوقعة من كثرة ما اعتادنا سماعه من حوادث وحكايات في هذا الإطار فالمسافر أو المدرس المعار يعود بعد سنوات الكد و الغربة تسبقه أشواقه وأحلامه بالاستقرار ودفء الزوجة وإذ يعود يفاجأ بزوجته في حضن رجل آخر وتكون النتيجة , أنه بعد أن " كان عاقل جدآ " :

بقي يقلع ... / يلبس في الشارع / وعيال الشارع تجري / وراه !! إنها واحدة من عشرات الحكايات التي صارت ظواهر متكررة تعمق عذاباتنا وتزيد من بؤس حياتنا وخلاصة مغزاها , أن علي الإنسان إن يكون مهيئأ لتوقع إي شئ وفقد الثقة في إي شئ حتى لا يفقد عقله .

في قصيدة " مكابر " يواجه الشاعر فيها – بقسوة لاذعة – طبائع الأنانية والتعالي والاستخفاف بالآخرين , يقول مخاطبآ هذا النموذج مش بتقدر خطوة / غيرك / أو حساباته / شايف ... / كل الناس تتف عليك / وأنت بتضحك فاشخ بقك / إيه ... / لساك حاطط / ليه / في جيوبك / إيدك .... صـ 98

وعلي الجانب المقابل فهو ينحاز للمهملين والمهمشين متوجهآ إلي نموذج " الكومبارس " بالحث والتشجيع مانحآ هذا الإنسان المنزوي في الظل دفعات من الثقة والأمل:

أكيد الدور هيصيبك / يكبر بيك / تكبر فيه / تكبروا في عيون الناس / إللي محوطاك ... صـ 102

وتأتي قصيدة الديوان الأخيرة " يحصل ويحصل ...!! " يمارس فيها الشاعر مرة أخري تقنية التناص ولكن هذه المرة مع الدكتور يسري العزب في قصيدة له بنفس العنوان والقصيدة تبدو وكأنها تفسير لكل ما سبق من حكايات أو وقفات تصادمية مع نماذج سلبية من البشر وتعلل عن دواعي الانهيار وأسباب الداءات بالجمود والموات والوصول إلي حالة من البلادة وفقد النخوة حتى غدا الناس أجسادا بلا حس ر تحرك ساكنا أمام سيول الانهيارات والتردي المندفعة من حولهم المتفجرة من تحت أقدامهم .

لقد غدت أغنية الشاعر , ووخزه الضمير وكلمة الحق غريبة مستجنة حين يرفع الفنان بها عقيرته فيبدو كمجنون يستغيث فقط بأصداء صراخه وسط برية مقفرة وفيافي موحشة :

والناس عيونها مدعمه / عقولها بيضه ممششه / وأيديها نايمة مجبسه / والفكرة خرقه مكرمشة / والخطوة عارجه مكسكسه / وعشان كده / " يحصل في كل الدنيا تغيير كل حاجة " / إلا هنا

مشاركة