السبت، 31 ديسمبر، 2005

مُقاربة لرؤية "نورس وحيد بجناحين من ورق" للقاص : محمد إسماعيل الأقطش

قد يشى عنوان هذه المجموعة القصصية - للوهلة الأولى - بوضوحه ، وسهولة استنتاج كوانه دلالاته ، فما أيسر على عين المرء أن تُبصر ذلك الطائر الأبيض وهو يطير "وحيداً" مُحلقاً بلا سرب ولا رفقة ، بل إنه يزداد وضوحاً وتميزاً بجناحيه هذين غير المألوفين ، بل غير الطبيعيين ، المصنوعين من ورق !

إنه دال قريب التناول ، سواء في دلالته البصرية ، أو في مُعطى بنيته اللغُوية ، المتوخية تنكير مبتدئه “نورس” وخبره “بجناحين” ، وتوابع كلٍ منهما ، تنكيراً يكاد ينطقُ بالعزلة والإنكسار... إن هذا العنوان القريب التناول ، قد يغرى إنسانا ما بمحاولة الإمساك بالمجموعة القصصية ليستفسر عن : لماذا كان الدال نورساً ؟ وكيف صار وحيداً ؟ وما سر جناحيه الغريبين ؟

مثل هذه التساؤلات تحتاج إلى الاقتراب والمزيد من المعايشة مع الدال / المجموعة ، ولكى تكون الرؤية قريبة فاحصة ، فإن الأمر يلزمه نوع من القراءة اللصيقة لنصوص المجموعة ... ومع قناعتنا باختلاف مستويات القراءة ، وتعدد مداخل التأويل وإنتاج الدلالة ، على الأقل - على مستوى القارئ المحترف أو الناقد المتخصص - فإنا نرى أن أسلم هذه الطرق جميعاً ، هى ما اقترب من النصوص نفسها في محاولة الولوج إليها عبر عتاباتها ومفاتيحها ، والتعامل معها بأدوات تنبع من ذواتها ، بمعنى ؛ أن نتعامل معها بما فيها من خواص ، لابما نختزنه نحن في الذاكرة من مقولات جاهزة أو إجراءات محفوظة قد تتسع رؤاها أو تطبيقاتها ، فتضيقُ تارةً وتحار معها العبارة ، أو تحاول تارةً أخرى أن تتعسف فتستنطقُ النصوص بما ليس فيها ، وعليه ... فبمجرد إدارة مفتاح النص والولوج من عتبته (عنوانه) ، وعلى طريقة أستاذنا الناقد الكبير د. محمد عبد المطلب ، سنجد أنفسنا أمام “نافذة” ، وفضلاً عن كونها أولى قصص المجموعة .

· وأن وضعيتها الأولى ليست محض مصادفة .

· وأن دال " النافذة" تردد حوالى ~أربع عشرة مرة تقريباً على مدار ثلاث عشرة قصة هى مجموعة قصص المجموعة .

· ومن ضمنها استخدامه في عنوان القصة التاسعة "رأس صغير يطلُ من نافذة ضيقة" .

· وأن هذا العنوان نفسه تكرر بألفاظه في ثنايا السرد بالقصة الأخيرة "نورس وحيد بجناحين من ورق" وهى القصة عنوان المجموعة وأكبرها حجماً .

لكل هذه الاعتبارات مجتمعة يصبح في الإمكان - أن ننشد الرية القريبة الفاحصة التى نتوخاها - من خلال تلك "النافذة" الدالة ، وهى وإن كانت متبوعة في قصص المجموعة بنعوتٍ من مثل : نافذة ضيقة ، ... صغيرة ... وحيدة ، إلا أنها أطلت دائماً في القصص - على ميدان فسيح ، أو مشهد بانورامى يستطيع القارئ كما استطاع المؤلف نفسه - أن يحدد كثيرا من ملامحه وتفاصيله .
وقصة "نافذة" التى تشغل ثلاثة عشر سطراً فقط من الصفحة ذات القطع المتوسط والمُعالجة بضمير الراوى الغائب - قامت بتصوير مشهد بعين كاميرا هذا الراوى من ثلاث نقلات ، حرصت فيه عدسة الراوى أن تتحرك في مكان ضيق مفعم بجو من الوحشة والكآبة ، أبرز مافيه نافذة تنعكس من خلالها صور باهتة على بقعة ضوء مُلقاة على بلاط الحجرة ، يُبصر بطل القصة الذى يبدو مأزوماً مرتعداً سيقاناً تملأ لوجة زجاج النافذة وسط ضجيج من أصوات بائعات وسيارات ومارة ، يقترب حتى يلتصق بزجاج النافذة في الوقت الذى تتصاعد فيه الموسيقى التصويرية لسرد القصة المُرعب .... تتكاثف أنفاس البطل على زجاج النافذة ، يختنق ... يسقط جسده مطروحاً أرضاً فوق بلاط الحجرة الأسود ثم يتلاشى ، ومع هذه اللقطة الأخيرة تتحول الكاميرا صوب النافذة للمرة الأخيرة حيث تقتحمها صورة مئذنة سامقة مخترقة النافذة وضجيج الأصوات معاً .

وحين قام الراوى بتصوير هذا المشهد الكابى المأساوى ذى اللقطات السريعة الثلاث ، استعان في سرده التصويرى إضافة لتقنية عدسة الكاميرا - بلغة مقتصدة ، مكثفة شديدة الإيحاء ... لغة لم يقصد من إستخدامها مجرد التركيز وعدم التزيد اللغوى ، وإنما قصد بها أيضاً ، إحداث نوع من الإخفاء ، أو ما يمكن أن نسميه بلاغة التعمية وعدم الإفصاح ، وهو ما يلاحظ في قصص المجموعة كلها ، هذه البلاغة التى توسل بها السرد ، تراوحت بين مستويين :

- مستوى " الإضمار" في بناء الحدث وانتقالاته .

- ومستوى "المواربة" في استخدام اللغة ، مواربة تترك فراغاً لتنفجر فيه طاقات الألفاظ الإيحائية والدلالية ، وأما الإخفاء الذى يغلف السرد ، فربما تكون محاولة من القاص لدفع قارئه في أن يبذل نوعاً من الجهد ومشاركته معاناة الإبداع ، وترك مساحة أكبر من التخريجات والعديد من التأويلات ، مثل :

· هل هذا الجسد الذى ينوء بحمل نفس مأزومة ، سقط صريعاً تحت ضغط من كوابيس الهلاوس وأشباح الرعب الذى يمكن أن يقتل صاحبه ؟

· أم أنه تم خنقه وهو مُلتصق بالزجاج ثم أختفى الجسد بفعل فاعلين ؟

· أم أن الأمر ليس هذا ولا ذاك ، وإنما كانت المأساة نوعاً من الموت المعنوى ، مع استبعاد هذه الفرضية الأخيرة ، وذلك لوجود ظواهر مادية واضحة الحدوث بالصوت والصورة معاً ، كطرح الجسد أرضاً مرتطماً بأرضية الحجرة مع ملاحظة استخدام الفعل "طُرحِ" مبنياً للمجهول ، أى أنه تم بفعل فاعل ولكنه غير معلوم ، ثم اختفاء الجسد تماماً من الكادر ..... وأما كيف أختفى الجسد ، فلم يُسفر السرد ولم يُفصح ، وإنما عبر عن الاختفاء "بالتلاشى" وهو يحتمل تفسير واقعى في سحب الجسد بسرعة عقب سقوطه ويحتمل اللفظ أيضاً بمراوغته أن يجرنا إلى مناطق من الأثيرية والأسطورية يمكن أن يذهب معها التصور والخيال مذاهب شتى .

والسرد إذ يتحرك في اقتصاد وحذر ، داخل حيز مكانى محدود كما هو في أغلب قصص المجموعة ، فهو في أثنائها يأتى مترجماً لانفعالات الشخصية النفسية وانتقالاتها الداخلية المعتملة حتى تكاد نسمع فوران هذه الاعتمالات التى تنعكس على سلوك بطل القصص وحركته حيث يبدو أكثر اضطراباً وتوترا .

في قصة "عيد" يصف الراوى حالة البطل بضمير المتكلم قائلاً :

"تشعر أنك كالفأر وأنت تتسلل عبر هذه المبانى للوصول إلى الشاطئ متخطياً الكورنيش الجديد كآخر حاجز بينك وبينه ... تسمع الآن صوته الصاخب ويلفح الهواء البارد وجهك وكفك الوحيدة ، بينما كفك الأخرى تقذف بحُممها في أوردتك كأنما لم تتحرر منك بعد ، فيشتعل جسدك وتتخفف من الأفرول الكاكى لتتعرى تماماً ولا يكون هناك ثم فاصل بينكما ولكتوم ملابسك فوق البيادة " .

ويتحرى السرد في الوقت نفسه أن تكون مجازاته وصوره الاستعارية على نفس المستوى من الإيحاء المكثف ، فحين يلتصق وجه البطل بزجاج النافذة في القصة الأولى ، فإن أنفاسه "تتكاثف سحباً لا تمطر" والتعبير عن الاختناق لايكون مباشراُ ، وإنما يعبر عنه بقوله "واختنق الزجاج" وفي قصة "ظل" يصف الراوى أحد البائسين من متشردى الشوارع الذى يبدو معتوهاً :

"تمُددِ الأعمدة ظله بطول الشتاء ... على الأرصفة يطارد ظله طيلة المساء ، ويرقص في صخبٍ على إيقاعات أحذية المارة المتسارعة ، وهو يفحً في نشوة عظيمة " 3

وإذ يجهد الكاتب في تخليق صوره ومجازاته الاستعارية حتى تكون أقرب إلى الجدة والطرافة ، نجد عبارته حريصة على أن تكون هذه الصور والمجازات موظفة توظيفاً عضوياً بحيث تكون ملتصقه بُلحمة السرد ، ومُمارسة لفاعليتها في كشف الملامح الفارة في أعماق الشخصية وإثراء الجو النفسى العام .

والجو النفسى العام للمجموعة رسمت ألوانه القاتمة وظلاله الموحشة - أزمة أبطال قصصها ومصائرهم التراجيدية ، وكأنهم يبدون شخصية ذات ملامح واحدة ، تعانى الوحدة والاغتراب والخوف والإحساس بالفقد على المستوى الذاتى المحبط والعاطفى المحروم والمجتمعى المسلوب المقموع ، فكان من الطبيعى أن تبدو الشخصية وهى في أغلب قصص المجموعة [جندى محارب سابق مصاب بإعاقة] ، شخصية مضطربة ، مشوشة ، ينتابها أحياناً هلاوس وأخيلة مرضية ، تقاسى صعوبة التكيف مع كل المستويات السابقة التى أفُرغت من الشعور بالقيمة الفردية والإشباع العاطفى والتقدير المجتمعى المفترض لمحارب وبطل سابق ... وهكذا يُفضى الأمر بالشخصية إلى الغياب المأساوى على خلفية بحَذر الاستلاب في واقع أشد موضاً وتشوهاً إنها شخصية منهكة تماماً ، فقدت القدرة على المقاومة ، مُبديةً خوراً واستسلاماً ، بل استعذاباً للموت .

في قصة "عيد" نلمح البطل جندياً مبتور الذراع ، يرتدى أفرولاً وبيادة يريد أن يحتفل بعيد مدينته القومى ، والذى يحمل له في نفسه معانٍ وذكريات عزيزة غالية .. تلك المدينة التى يشكو لجمعٍ من أصدقائه وفي احتجاج مرير ، بأنها قد تم استلابها واستلاب أحلام مواطنيها البسطاء ، حتى أنه وأمثاله حُرم منها ومن خيرها وجمالها ، بل إنه حيل بينه وبين أبسط حقوقه كمواطن في أن يتمتع على الأقل ببحرها و "كنالها" اللذين غُرس دونهما أسوار وحواجز ومبانٍ أسمنتية مسلحة أو ممشى سياحى بطول الكنال مُخصص لسير الأجانب محظور على ابن البلد في كثير من الأحيان - أن يسير عليه ، هذا غير مظاهر أخرى من المنع والزجر والترويع التى أجبرت البطل المتشوق لبحره على الوصول للشاطئ عبر طرق بعيدة وحوارى ضيقة يزيل السعى عبرها - ما علق في النفس من بقايا بهجة تنشدها وفرحة تعيشها وإذ يصل البطل إلى الشاطئ بعد عناء وهو في حالة من الغضب المكتوم المثقل بمشاعر الإحباط والمرارة ، يخلع عن نفسه أفروله وبيادته ويتعرى تماماً ، نازلاً البحر بخطوات ثابتة محسوبة ، محتفلاً بعيده غاسلاً عذابات النفس وإرهاقات الجسد والروح للمرة الأخيرة ، ويختفى البطل تحت الماء في طقسٍ احتفالى غرائبى انتحارى يمارسه بطريقته وفلسفته الخاصة .

وإذا كانت ملامح بطل قصص المجموعة تكاد تكون واحدة ، إلا أن الكاتب لجأ إلى تنويع تقنياته التى يبنى بها الحدث ، فهو مثلاً :

· يلجأ إلى تقنية التداخل الزمنى كما في قصتى "الصفير لا ينقطع" و "رأس صغير يطل من نافذة ضيقة" .

· وتقنية "البوح والاعتراف" الخالط بين الوهمى والحقيقى ، الواقعى والكابوسى تحت تأثير الخمر والإرهاق الجسدى والنفسى ، كما في قصتى "إنهم يأتون ليلاً " و "وعى زائف قليلاً" .

· وتقنية "توليد حدث سريالى" من الحدث الرئيسى الواقعى للقصة ، يكون موازياً ومعادلاً موضوعياً له ، يأتى مُعمقاً لدلالته ، كما في قصتى "رقص" و "تحلق في فضاء قاعة بيضاء" .

وأما قصة المجموعة الرئيسية "نورس وحيد بجناحين من ورق" والتى شغلت إحدى وعشرين صفحة ، فقد وزع الكاتب أحداثها على ثمانى حركات تحمل أرقام من 1 إلى 8 ، وواضح أنه عالجها بأسلوب "تقنية الأصوات " حيث يغيب فيها صوت الراوى المباشر وتتوزع الأحداث بين أصوات القصة بصورة متوازنة ، حين يتناول كل صوت جزء من الحدث من زاويته إلى رأى منها وريته الخاصة به ، وتشكل زوايا الرؤية وهى أربع تفاصيل مشاهد الأحداث ، التى لا نستطيع أن نحدد لها شخصية رئيسة معينة :

· فهل هو ذلك الشاب الكاتب المهموم بقضايا البلد ، الذى يخلو بنفسه للكاتب على الشاطئ ، مستغرقاً فيها ، منقطعاً عن العالم وعمن حوله من الناس ؟

· أم ذلك الكهل الذى يعمل "مصوراتى" على الشاطئ ويبدو عاشقاً لكاميرته محتضناً إياها في حميمية وحب ، تتنازعه رغبة عارمة في تصوير ذلك الشاب بعد أن أحس نحو بمشاعر قوية من الأعجاب والألفة ، ويصر على أخذ صورة له ، ذلك الكهل الذى كان مقاتلاً سابقاً تروى عنه ابنته قائلة :

" أبى الذى قاتل واستعاد المدينة كاملة ، ليعيش بساقٍ واحدة ، يراقب من نافذة ضيقة بغرفته ما جرى للبلد ، ويتسول من الحكومة معاشاً لا يكفى سجائره ، بينما أغتنى الآخرون من تجارة الملابس الداخلية ! " 4 .

· أم الفتاة الأبنة نفسها التى التقت وتلاحمت بالشاب في مظاهرة عارمة اندلعت بالمدينة احتجاجاً على تدهور الأوضاع وسوء الأحوال فتصدت لها قوات الأمن ، وكان يقود مجموعة من جنودها والد الشاب "الضابط" الذى حرص على أداء واجب وظيفته رغم ما كان يعتريه من مشاعر التعاطف مع المتظاهرين ويعذبه أن يواجه ابنه الذى هاله أن يصرخ في وجهه شاتماً أياه ولاعناً ، وكأن الابن لا يعرفه !

وهنا يحفل السرد بتصوير مثل تلك اللحظات المعقدة المتضاربة ويبرز الصراع الكامن في نفس الأب ما بين متطلبات واجب وظيفته وعاطفة الأبوة ومشاعر التعاطف مع الغاضبين ... " ... مذهولاً كنت وعاجزا عن فعل شئ ، كان حراً يفعل ما أراد ، وكنتُ مالم أكنه .. تساءلت : لماذا لا ندعهم يهتفون ؟ لماذا لا نهتف معهم ؟ كيف مضت الأحوال وتبدلت الخنادق وتحولت البنادق لنوجهها إلى صدورنا ؟ ... بالتأكيد لم نكن نحن حينما كنا هكذا "5

وتواجه القوات المظاهرة بكل قوة وعنف وتفرق الجماهير الغاضبة ، ويسرع الشاب صوب الشاطئ للاختباء ، ويري الفتاة تلاحمت به أثناء فوران المظاهرة ، متجهة نفس العَرض ، ويجدا نفسيهما مختبئين في قارب قديم مُلقى على الشاطئ ويصل بينهما حديث دافئ المشاعر مُفعم بعاطفتى الحب والوطنية ، وتحلم الفتاة بوطن لهما من نفسيهما يسكناه معاً ينعمان فيه بالحب والأمان عوضاً عن وطن فقد مثل هذه المعانى ... ولكن الشاب ...

" أتى ومضى ، طارت أوراقه وحلقت بالبعيد ، سقطت حروفه في البحر فذابت " . 6

"أتى ومضى تركها جالسة أمام الماء تحدق في أشرعة المراكب وهى تعبر فوق معاناة كل الحروف ، تسكب دمعتها متشكلة جدولاً من حنين ينساب في رقة حاملاً كل ما تستطيع السطور استعادته واحتمال تذكره " 7

وترتفع لغة السرد خاصة مع ضمير المتكلم الذى تروى به الفتاة - إلى مستوى شعرى إنسانى وشفيف .. ونفس اللغة الشاعرية المشحونة بالعاطفة الإنسانية عشنا معها في قصة "اغتراب" التى تحمل تحت عنوانها الرئيسي عنوانين فرعيين لمشهدين بعنوان "مزهرية" والآخر بعنوان "مارش" .

وهكذا ينتقل بنا عالم هذه المجموعة القصصية بين مستويات من اللغة تتحرك ما بين اللغة التداولية ، ولغة منطقة الحياد التى تقترب من الأدبية ، وتتصاعد في المشاهد الإنسانية المعتملة إلى مستوى الشعرية ، كذلك انتقالات الضمائر الراوية مابين الغائب والمتكلم والمخاطب ، وتبلغ تقنيات الحدث إلى مستوى عالٍ من النضج والحرفية في قصة الأصوات "نورس وحيد بجناحين من ورق" ومع وقوفنا على مصير أو مصائر الشخصيات وعوالمها بعد هذه المقاربة نستطيع الآن أن نقول : بأن النورس هو ابن هذه البيئة الساحلية وتلك المدينة بالذات ، المحب لها العاشق لمفرداتها البحرية الجميلة ، وأنه وحيد لإحساسه بالاغتراب في مجتمع تحول بصورة حادة فلفظ كثيرا من ابنائه المولعين بحبه حب تضفر بعشقهم وتضحياتهم ، وأنه بجناحين من ورق بعد أن فقد القدرة على الحياة والتكيف في مجتمع أصبح غريباً وبالتالى تحتم عليه الانهيار والسقوط ، فكونه بجناحين من ورق تعنى أنه بلا أجنحة أساساً ، وإذا كان من الواجب أن أذكر بعض الملحوظات حول المجموعة بصفةٍ عامة كبعض المواطن التى حدث فيها تكرار لمشاهد أو عبارات أو صور على مستوى أكثر من قصة ، أو غياب الحدث على مستواه الخارجى بنسبة كبيرة ، فلا يمنعنى ذلك أن أعبر عن فرحتى بهذا الكاتب الشاب وتلك المجموعة التى عكست نضجاً فنياً ورؤية واعية مبكرة ، رغم أنها مجموعته الأولى ، لقد أظهر الكاتب مقدرة في تحريك أحداثه وشخصياته بين ثنائيات من الظلال والضوء ، الإنسانى واللإنساننى ، الواقعى والوهمى ، ويفجر أحيانا مواقف يستخرج بها الهازل من المأساوى ، لذا فقد استحقت هذه المجموعة أن تفوز بالمركز الأول في المسابقة الأدبية المركزية لهيئة قصور الثقافة عن هذا العام 2004م وأن تفوز قصتها "نورس وحيد" بالمركز الأول أيضاً لمسابقة نادى القصة بالقاهرة عن عام 2003م ... إنه كاتب شاب واعد ومُبشر .

مشاركة