الأحد، 23 سبتمبر 2012

إبراهيم أصلان .. أنشودة للبساطة

منذ أن ظهرت " بحيرة المساء " ، أول مجموعة قصصية لإبراهيم أصلان ، بل منذ أن نشر أولى قصصه في " جاليري 68 " ، وكتابته تحمل بذور التمرد والتجديد ، وهو ما أسهم في تشكيل المشهد الحداثي السردي في كتابات جيل الستينين . لقد صارت القصة مع إبراهيم أصلان - خالية من الوشي والزخارف اللغوية والبنائية ، فضلا عن خلوها من التقريرية والنغمة المباشرة .

و" في قصصه ، يوظف أصلان الدلالات الإيحائية للحدث بالمشهد الموحي والصور الفنية المتراصة المنسابة في شاعرية ، وتأتي حواريات قصصه متسقة مع بنائها الفني والوصف الخارجي ، هذا الوصف الذي عرف بتركيزه على دقائق وجزيئات الأشياء العادية التي يكثف منها أحداثا حياتية ". 1

ويرصد د. صلاح فضل سمة جوهرية لسرد أصلان القصصي والروائي ، ربما كان من أهمها " الأسلوب السينمائي " وبراعته في تكوين سيناريو القص أو القص ذي الطابع السينمائي الغالب . يقول د. صلاح فضل :

" فهو كاتب يمتلك حاسة سينمائية حادة في سرده ويوظفها باقتدار ووعي . يكتب مقاطع تصويرية ، تتوزع على لقطات ، تتراوح في القرب والبعد بانتظام ، وتتميز بحركة تلقائية سلسة دون انتقال مفاجئ أو متعثر . يمسح الأشخاص والأماكن من الخارج ويعزف عن أي ملمح توصيفي لا يستمد مادته من الأشكال والألوان . يختار الأفعال ذات الدلالة المتحركة ، ولا يفضي ببيان تعجز عدسة الكاميرا عن التقاطه ". 2
ويستشهد د. صلاح فضل لهذه الظاهرة الهامة في سرد أصلان بالمشهد الأول في " دورية ليل " ، ومثل هذا المشهد أيضا نجده في مجموعة " يوسف والرداء " وبصفة خاصة في قصصها الثلاثة الأولى " ولد وبنت " ، " الضوء في الخارج " و " بندول نحاس " . كما يرصد له أيضا قدرته على رصد شريط الزمن بوصف بعض التفصيلات والجزيئات البسيطة ، حيث تلعب الأشياء بمظهرها وبريقها دورها في حمل رسالة الزمن والتعبير البصري عن مروره ، فهي ليست مناظر صامتة ، بل تتكلم بلغتها وتمنح أسلوب الرواية خاصية البعد السينمائي المعتمد على السطح في التجسيد وعلى المكان في تقديم الزمان . 3

ويقف الناقد الشاب د. أيمن بكر على المشهد الافتتاحي لرواية أصلان " عصافير النيل " ويقدمه نموذجا للسرد المكتنز ، والذي يلعب فيه القارئ دورا فاعلا في ضوء نظريات التلقي ، سعيا إلى الخروج عن عالم النص المغلق بالمفهوم البنيوي إلى آفاق التحليل الثقافي .

ويتمثل الاكتناز السردي في مشهد الانتخابات والمزاوجة بين هذا المشهد الذي يدور في إحدى ساحات قرية مصرية أمام جدة عجوز وفي المشهد ، يحمل عبد الرحيم إلى عربة الإسعاف ، وبين مشهد حضاري آخر ، ما جعلها ترجع بذاكرتها إلى مشهد الانتخابات النيابية فيما قبل الثورة .. إنه مشهد من مشاهد مشابهة كثيرة في الريف المصري وهو يمثل رجلا من أنصار أحد المرشحين للبرلمان ، محمولا على الأعناق ، يهتف لذلك المرشح . 4

ويأتي دور القراءة الفاعلة وتخييل المتلقي ، في تحديد عناصر المشهد ، من فضاء مكاني وشخصيات ، ثم تبئير ومخطط زمني ، يتصلان بزاوية الرؤية للقارئ ( وجهة النظر ) . وتقود هذه العملية القرائية فيما يحلل الناقد إلى وعي حضاري ناشئ عن " مدى انفصال الجدة عن الواقع وذلك عبر المفارقة التي ستنشأ في ذهن القارئ بين السرد والمكتنز السابق وبين ما يحدث فعلا " لعبد الرحيم " الذي سنكتشف في نهاية الرواية أنه ذهب إلى المستشفى ومات فيها " . 5

إن مشهدا عاديا وبسيطا من مشاهد حياتنا في الريف ، وفي ضوء تحليل بعض اتجاهات نظريات التلقي ، ليتحول إلى مشهد سردي مكتنز ، يشير إلى وضع حضاري ما ، وليفتح مدارك الوعي القرائي لإعادة التفكير في متواضعات الواقع وعلاقاته – إن مشهد كهذا لا شك أنه يتضمن في بساطته بل وعفويته ، حسا واستشرافا نافذا ، وهو ما نستشعره أيضا في قصة " العازف " من نفس المجموعة - " بحيرة المساء " - وهي قصة تم صياغتها من مفردات بسيطة وبإيقاع هادئ ، تتناول مأساة شاب عاطل ، يضطر تحت ضغوط الفقر والفاقة إلى تمثيل دور عازف كمان حتى يرتزق . والقصة تبدو آسرة بتركيب بنائها المشهدي الذي يبدأ بسيطا ثم يأخذ متصاعدا بشكل فني آخاذ متوازن ، يصل بالقارئ إلى لحظة تنوير كاشفة لا تكشف فقط عن عمق أزمة فرد عاطل ، بل لتعري مجتمعا بأسره بعد أن تحول هذا المجتمع إلى " ملهى " لا يدري صاحبه عنه شيئا وتحول الآلاف من أفراده إما إلى قوى عاطلة أو عمالة مقنعة .

ويأتي أصلان في " مالك الحزين " وعلى لسان " يوسف النجار " ليخاطب نفسه :

" يا ليتك تكتب عن النهر ومنازل الشاطئ الحجرية ، وتقول أن لكل منزل أبناءه الذين ينزلون فيه . الأولاد يصطادون ، يسبحون ، والبنات يغسلن الحصر وأواني البيوت ، وأنت تخرج من حارة " الأفندي " وتذهب إلى منزل حوّا " .

" وهو بالمناسبة من الأقلية التي لا تحب كثرة الكلام ، ولا تحب أيضاً الأحاديث الصحفية ، وفي مجرى الحديث كانت عودة إلى البدايات . وذكر بمجموعته القصصية الأولى " بحيرة المساء " التي صدرت في نهاية النصف الأول من ستينيات القرن العشرين فأحدثت مع غيرها من الأعمال الأولى للكتاب المصريين الذين يطلق عليهم " جيل الستينيات " ، وقفة . . أو نقلة ، فاصلة في مسار أدب القصة القصيرة السائدة في ذلك الوقت، القصة الإدريسية ( نسبة إلى يوسف إدريس ) .

قبل صدور " بحيرة المساء " لم تكن لي محاولات كثيرة . . نشرت ، ثم توقفت . . بدأت الكتابة سنة 1962 ، قمت بمحاولات عدة ثم شعرت بأنها لا تشبهني .. وإنما تشبه أسماء موجودة . . فتوقفت بعد عام . . وعاودت الكرة عام 1965 وهو العام الذي أعتبر نفسي مسؤولاً بداية منه . وبالنسبة إلى " بحيرة المساء " ، لم يكن في ذهني أن أكتب شيئاً مختلفاً عما هو موجود . . ليس أكثر من أن نتلمس ما يمكن أن نقول أنه رداؤك الخاص . . لم أكن راغباً في إنجاز أي شيء مختلف ، وفوجئت بردود الفعل حينما نشرت المجموعة . . من الممكن القول أن ما يبقى في الذاكرة الآن مما حدث قبل سنوات طويلة ، هو أننا في معظم القصص التقليدية أو السائدة آنذاك أو التي لا تزال سائدة أيضاً ، وبصفة خاصة ، كنا نعيش حالة مد للقصة الواقعية خلال الستينيات .

لم نكن نبدأ من مفهوم فكري بقدر ما كنا نسعى إلى مفهوم فكري . . يقودك في هذه الحالة إحساس فكري تجاه الزمن الذي تعيشه . . إحساس يكشف ملامح أيامك . . وأيام الناس الذين يحيون حولك ، وتسعى إلى إعطاء هذا الإحساس روحه .

ولم يكن الغرض بصراحة . . أن أنجز عملاً مختلفاً ومغايراً بقصدية . . ولكنك تسعى بنبرتك الخاصة الصادرة من القلب ، وما هو مشترك بينك وبين الآخرين " . 6

وتبعا لنصيحة بطله ، يكتب أصلان عن حيه وأنماط العلاقات التي تسود فيه ، متفوقا كما عهدناه في اصطياد اللحظات الإنسانية الدافئة ، باحثا عن الحنو والحميمية في نفس الوقت الذي يعلن فيه عن تمرده .. تمرده على واقع حافل بالعلاقات المختلة وتمرده الفني الهادئ البسيط الذي جعل منه أنشودة للبساطة .

الهوامش :

1- "الظواهر الفنية في القصة القصيرة المعاصرة " د. مراد عبد الرحمن صـ 50 – سلسلة دراسات أدبية – هـ . م . ع للكتاب – القاهرة 1989م.

2- " أساليب السرد في الرواية العربية " د. صلاح فضل صـ 189 – دار سعاد الصباح – الكويت ط . الأولى 1992م.

3- المصدر السابق صـ 196.

4- " السرد المكتنز " د. أيمن بكر صـ 51 – سلسلة كتابات نقدية – هـ . ع لقصور الثقافة – القاهرة أغسطس 2002م.

5- المصدر السابق صـ 52.

6- من حديث إبراهيم أصلان لأحمد الاسكندراني – جريدة الأهرام العربي – القاهرة 1 أغسطس 2003م .

مشاركة