الأربعاء، 1 أغسطس، 2007

الاتساع والتنوع التسعينى السردي في بورسعيد

يطل علينا المشهد القصصي التسعيني حافلا متنوعا ، فمازالت بعض أصوات الأجيال السابقة مستمرة ، إلا أن شباب الكتاب يتواجدون بقوة وسط هذا المشهد وكادوا يقتحمونه ، وتنبىء معطيات الواقع بطاقات قادرة على هز الثوابت والإرهاص باقتراب زمن التغير وإعادة ترتيب الأولويات وكذلك الأدوار .

يطل علينا المشهد القصصي التسعيني حافلا متنوعا ، فمازالت بعض أصوات الأجيال السابقة مستمرة ، إلا أن شباب الكتاب يتواجدون بقوة وسط هذا المشهد وكادوا يقتحمونه ، وتنبىء معطيات الواقع بطاقات قادرة على هز الثوابت والإرهاص باقتراب زمن التغير وإعادة ترتيب الأولويات وكذلك الأدوار .

وكثير من هؤلاء الشباب يبذلون محاولات جادة لتجديد شباب القصة وإزخامها بدماء جديدة نذكر منهم :

مازن صفوت ، أسامة كمال ، محمد الأقطش ، وإبراهيم عبد الكريم ومن شباب القص الذين صدرت لهم مجموعة أو أكثر إبراهيم صالح وسعيد صالح وجمال قاسم ومنهم من يكتفي بالنشر في الدوريات ونجح بالفعل أن يحرز شيئا من الحضور والتواجد مثل : محب فهيم ، عادل ضمرانى ، منى الديب ، سوسن عبد الملك ، وتبرز من الأصوات النسائية بصفة مميزة كل من عزة رشاد وأصغرهن سنا ريهام عفيفى ، أما منى أبو الخير فتوجه كتاباتها للأطفال وبدأت نور إبراهيم راجح تنشر وتترجم قصصا قصيرة منذ أواخر التسعينيات ، ويكتفى طارق حلمي بإصدار بعض أعماله في مجموعة مشتركة أشرنا إليها وهى " بمحاذاة الشاطئ " مع حامد موسى وصلاح عنتر ومازن صفوت ، ويتوقف محمود كسبة أما وليد منتصر فيبزغ حينا ويختفى حينا آخر.








وعلى ضوء ما سبق فإن الصفحات التالية سوف تتناول من هؤلاء جميعا من صدرت لهم بالفعل أعمال كاملة ، أو من نشر منهم أعمالا تكون مجموعة قصصية ، لأنه لم يعرف حتى الآن إذا ما كانت هذه الكثرة في سبيلها إلى التواصل أم سيحدث معهم مثلما حدث مع سابقيهم ممن توقفوا ، وإن كنا نتطلع إلى استمرارهم ونأمل أن تزدهر القصة القصيرة على أيديهم .

أولا الحكائون الخمسة :

ويأتى خمسة من الكبار وينشرون أعمالهم فى الفترة ما بين بداية التسعينيات وبدايات العقد الأول من الألفية الثالثة وهم : د. أحمد عبد العال ، عادل القنصل ، ابراهيم راجح ، محمد العباسى ، والمهندس محمد توفيق .

وهؤلاء يمثلون شريحة من الحكائين يترواح فنهم السردى ما بين الحكاية الشعبية والقص التقليدى من ناحية ، وتطويع إمكانات القص المعاصر من ناحية أخرى .

ويعتبر الأكاديمى الدكتور أحمد عبد العال أبرزهم تطويعا وإفادة من تقنيات القاص الحديث ، واما عادل القنصل فهو فى مجموعته القصصية أكثر إخلاصا وانتماءاً وتعبيراً عن الروح الشعبى الأصيل سواء فى القرية أو المدينة ، ويقف كل من ابراهيم راجح ومحمد العباسى فى المنطقة الوسط بين الاتجاهين ، وسنتعرف على ملامح كل منهم الفنية أولا ، قبل تناولنا لشباب القص التسعينى وأفاقه الواعدة .

الساخر الكبير، د أحمد عبد العال ومجموعاته القصصية الأربع :

هو أحد أعلام الكتابة الساخرة ، أطلق عليه بعض النقاد لقب "الولد الشقي الثاني" ، على اعتبار أن الأول هو كاتبنا الكبير "محمود السعدني" ، وأحمد عبد العال من مواليد بورسعيد عام 1948،م وهو أكاديمي بارز يشغل الآن منصب وكيل كلية الأداب جامعة الفيوم وعضو أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ونادي القصة واتحاد الكتاب ، وهو أحد أبطال أكتوبر وعضو جمعية المحاربين القدماء ، وعلى جسده وسام شرف وفخار من إعاقة بساقه جراء إصابة شديدة أثناء معركة العبور كان هو الوحيد من أثنى عشر مقاتلاً الذي كُتبت له الحياة ، رشحته جامعة الفيوم لنيل جائزة الدولة في الأداب بالرغم أن مصتفاته الأكاديمية في مجال تخصصه (الجغرافيا والتنمية البشرية) ، ترشحة بجدارة لجائزة العلوم الإنسانية .

ويشتهر أحمد عبد العال على شبكة الإنترنت بلقبين أحدهما "أحمد فنديس" ، والأخر "أبو النون المصري" نسبه لقصة شهيرة له بعنوان "نون" .

ويأتي ترتيب المؤلف على قائمة كتاب موقع "القصة العربية" الثالث عشر بين الكتاب المصريين ، وله سبع قصص مختارة من مجموعاته ترجمت على النت إلى الإنجليزية والفرنسية.

وربما تكون شهرته في أوساط الأدب المكتوب أقل حظاً منها في أوساط النشر الإلكتروني ، إلا أن عدداً من النقاد من ذوى العلم والاعتبار يعرفون قدره الأدبي وقدموا للعديد من أعماله أو أبدوا إعجابهم الشديد بها وشجعوه على المزيد من التواصل والعطاء منهم : د. مجدي توفيق ، د. عبد العاطي كيوان ، د. حامد أمين شعبان ، د. مدحت الجيار ، د. يسري العزب .

وللدكتور الأديب أربع مجموعات قصصية هي :

"العابر والتماثيل" عن مركز الوطن العربي للترجمة ، عام 1999م .

"شواشي" عن الجهة السابقة عام 2001م .

"العجوز" عن دار (أبو المجد) للطباعة بالهرم عام 2003م .

"نــون" عن نفس الدار السابقة في نفس العام 2003م .

وهو بصدد إصدار مجموعته الخامسة ، وفضلاً عن ذلك له عمل مسرحي / روائي بعنوان "الحمير خانه" ، كما أن لديه ديواناً شعرياً من الأزجال وأشعار العامية المصرية والعملان الأخيران لم ينشرا بعد .

وتضم مجموعاته القصصية التى أصدرها حوالي إحدى وسبعين قصة قصيرة بواقع عشرين قصة – لكل من المجموعة الأولى والثانية ، وخمس عشرة قصة للمجموعة الثالثة ، وست عشرة قصة للمجموعة الأخيرة .

وتطوف عوالمه القصصية بصورة عامة – بشجون وشئون شتى من صميم حياتنا المصرية المعاصرة ، وتسرد أحداثها من قلب همومنا ومشاكلنا ، ويعتمد أسلوبه السردي على إيجاد التوازن بين روح الحكى التقليدي ولغة القص الحديث الزاهدة في الزوائد من حشو واستطراد ، وسرده في قصصه يمعن في سخريته وتهكمه حتى تظنه هازلاً ، كما أنه يمعن في الجدية وتعمق الهموم حتى تظنه لا يهزل أبداً .

وقصصه حافلة بمفارقات حياتنا ومآسيها المضحكة المبكية ، ويحفل السرد بعناصر الجذب والتشويق وعوامل التواصل القوي مع القارئ سواء من حيث :

الموضوع القصصي ذو الهم والأرق المشترك .

الصورة النابضة بالحيوية والحركة .

التماهى مع الروح المصرية الأصلية .

اللغة الفصيحة البسيطة المتدفقة في سهولة والممتزجة أحياناً ببعض الألفاظ والتعبيرات العامية التي يقتضيها الحدث أو تنطق بها الشخصية .

الجمع بحرفية ومهارة بين الوصف السردي والحوار ، وحواره ينطوي على ذكاء وخفة ظل وسرعة بديهة .

في قصة "الملك" من مجموعة "العابر والتماثيل" :

يستيقظ بطل القصة "مخلص" على جلبة باعة الصحف وندائهم الترويجي المعروف "اقرا الحادثة" ، "حادثة رمسيس يا جدع .. حادثة رمسيس يا أستاذ" .

أعتقد مخلص "أن بعض قطارات السكك الحديدية قد عادت إلى هوايتها المفضلة ، وهي اقتحام الميادين فقد ملت القاطرات انتظار الناس داخل المحطات ، فقررت أن تخرج هي إليهم بشحمها ولحمها ، لتقابلهم في مساكنهم ومحلاتهم"* 49.

يكتشف مخلص أن الحادثة هي اختفاء تمثال رمسيس من مكانه ، وأن الناس المذهولين وجدوا خطابا في مكان التمثال مكتوباً بالهيروغليفية يخبرهم فيه رمسيس ، أنه قرر أن يعود إلى "ميت رهينة" حيث وجدوه أول مرة … يهرول مخلص نحو مكان عند كوبري المنيب الجديد بعد أن أذاع الراديو عن وجود التمثال هناك ، يجد مخلص تمثال الملك جالساً هناك بعد أن نال منه التعب والإرهاق و "تقطعت أنفاسه الحجرية" ، يقترب منه بحذر ويخبره بأنه صحفي ويستفسر منه بلطف عن سبب هروبه من ميدان المحطة .

وهنا يقيم الكاتب حواراً يفيض حسرة وآسي بين الملك والصحفي يتعرضان فيه بالنقد اللاذع لكثير من العشوائيات الفكرية والسلوكية التى حولت حياتنا إلى جحيم ، فالملك يشكو من سجون الكباري وعوادم السيارات وضجيجها التى تحاصره في ميدان رمسيس ، وعن استهانة الناس وإهمالهم الشديد لآثار بلادهم في حين أن الأجانب يقدرونها حق التقدير ، وعن الساحل الشمالي المزروع بالقرى السياحية بعد أن كان مزرعة ضخمة وسلة للقمح على عهد الرومان ، وعن الكوارث التى أصابت نهر النيل بعد إهانته وخنقه بالأبراج الأسمنتية على ضفتيه وتلويثه بالفضلات والقاذورات في حين أنه قديماً كان معبوداً مقدساً وعن تحويل أراضينا الزراعة إلى أبراج سكنية حتى صرنا نشكو النقص الشديد في الغذاء ونلجأ لاستيراد طعمنا من الخارج ، وعن روح الاستغلال للدعايات التلفزيونية والتجارية التى استثمرت اسم وصورة الملكة كليوباترا وعيون توت عنخ آمون للترويج للسجائر والمكرونة والبلاط و"السيراميك" ، ويتطرق الحديث إلى المدن الجديدة الخالية من سكانها واختناق الأحياء العشوائية والفقيرة ، وعودة مصر إلى مجتمع الصفوة ومجتمع الأغلبية أى أنها صارت مصرين ولكن ليست على طريقة الملك مينا موحد القطرين ، وإنما على طريقتنا الحالية مصر سكان القصور ، ومصر سكان القبور ، مصر العليا ومصر السفلي .

وتتبع قصة "نهضة مصر" وقصة "أبو إصبع" هذا المنهج السابق في النقد والسخرية عن طريق الحوار مع التماثيل حيث المقارنة بين مصر الحالية ومصر حين أقيمت تلك التماثيل وفي القصتين نزعة النقد السياسي والحس التاريخي وتصحيح كثير من المغالطات المتعلقة بمزاعم اليهود وأساطيرهم الزائفة خاصة في قصة "نهضة مصر" حيث تقف سفارة إسرائيل لتستفز تمثال الفنان محمود مختار .

وتأتي قصص "العا بر" ، "قرية نائمة" ، "انتحار نمله" ، لتشكل لوحات اجتماعية ساخرة مرسومة بألوان حياتنا المتناقضة ومكتوبة بفلسفة النكتة المصرية اللاذعة .

وفي قصصه تتعمق المفارقات التهكمية واللفظية واللعب بالجناس الذي يجرى على لسان الإنسان الشعبي بذكاء وحضور شديدين ، فمثلاً في مجال نقد الاقتصاد العشوائي تصبح الشركات الوهمية شركات "الاستكراد والتصدير" وفي مجال نقد الإدمان والمخدرات يصير "العمر لحسة" بدلاً من "العمر لحظة" ، وفي مجال تدني حياة الناس وقله الدخول يصير غلاء المعيشة "غباء المعيشة" أما تقليد بعض الشباب والرجال للنساء في التردد على الكوافير، فالكاتب يتعرض لهذه الظاهرة بقوله "رجال يتحولون داخل الكوافير إلى سيدات على أعينهن قطع "خيار" . *50

وفي نفس القصة التى تعقد مقارنة مريرة بين حال القرية المصرية في الماضي والحاضر يشكو المؤلف ما وصلت إليه القرية من بؤس وفقر وبعد أن كانت المدينة تعتمد عليها في طعامها صار العكس "فالحلوة ما عادتش تقوم تعجن في الصبحية " ، وأما شباب القرية فالسهر صباحي في المقاهي وحلت ظاهرة اجتاحت قرانا وهى رفع القش من على سطح المنازل وحل محله الدش.

وهكذا يتصدى الكاتب لعبثية حياتنا ومتناقضاتها بالسخرية المنطوية على مرارة دفينة وهكذا يواجه الكاتب المتاعب والمتناقضات الصارخة وقد رسم على شفيته ابتسامة .

يقول الكاتب في مقدمة مجموعة "العابر والتمثال" :

"وأحيانا تتساقط دموع العابر إذا عجز عن عبور ما أراد عبوره … كما قد تختلط دموع البهلوان بمساحيق وجهه .. فما أقسى أن يعيش الإنسان وهو راسم على وجهه الحزين قناعاً باسماً على الدوام " *51.

عادل القنصل وحكايات "على رصيف سيبس" :

ذكرت في الفصل الأول أن عادل القنصل كاتب دروب وغزير الإنتاج خاصة بعد تفرغه من العمل الشرطي كلواء سابق بشرطة الموانئ ، وقد أتاح له تفرغه الوقت لكتابة أكثر من عشر روايات منها :

البوابة ، سجين زفتى ، الولد رومانسي ، عطر العرافة ، زهرة الفصول ، وأيضا إنجاز أكثر من عشر مجموعات قصصية منها :

رصيف سيبس ، قلعة صقر ، جلابية راشد ، حكايات جدي وجدتي ، حياتنا ، مأمورية زفاف عفاف ، وغيرها … وفي "رصيف سيبس" يرسم الكاتب بالمشهد لوحات اجتماعية ترصد أهم المتغيرات التى طرأت على المدينة منذ فترة الأربعينيات وحتى بداية الألفية الثالثة وبأسلوب لغوي يعتمد البساطة والقرب من الروح الشعبي ، يبرز الكاتب أهم الأحداث والمواقف والتحولات التى عاشتها المدينة وعايشتها أجيال تجد فيها جمال الذكرى وتشتم منها روائح الزمن الجميل ، وتستدعى لحظاتها مواقف البطولة الخالدة والكاتب يقدم حكاياته أيضاً لأجيال الشباب البورسعيدي ، لعله يقف على بعض من تفصيلات جذوره وامتداداته الوطنية ، تعميقاً للانتماء ووعياً لدرس التاريخ ومفارقات المتغيرات .

أما في مجموعة "حكايات جدي وجدتي" وقد صدرت في نفس عام المجموعة السابقة وهو عام 2000م ، فالكاتب يقدمها في صورة مكتوبة للقراءة بعد تقديمها إذاعياً وبنفس طريقته الأسلوبية البسيطة مستخدماً اللغة العامية ومحاولاً تطوير فن المقامة ولكن بصورة شعبية فهو يعتمد طريقة "الحكي" وأسلوب "المحكاواتي" الشعبي لزيادة التواصل بينه وبين المتلقي ابن البلد وهو يكاد يهيئ قبل الحكايات جلسة عائلية دافئة يتصدرها الجد أو الجدة متوجهاً بها إلى وجدان الأحفاد ومسامع الأبناء بإيقاعها الموسيقي الحريص على الجماليات اللفظية للمقامة الشعبية ، ويقول الكاتب في صدارة المجموعة إنها حكايات (تجمعنا وتسلينا وتمتعنا) وفضلاً عن ذلك فإن مضمون الحكايات يهدف إلى التأكيد على مجموعة من الغايات التربوية والقيم الأخلاقية، وهى قيم يري الكاتب أنها جديرة بأن تظل في حياتنا حية ونابضة ، بل تزداد قوة وتواصلاً ، خاصة وأن مجتمعنا يعيش أزمات فترة التحولات والمتغيرات وتعرض فيها لكثير من المؤثرات والعادات السلبية خاصة مع العولمة والفضائيات ، وكثير من هذه التيارات السلبية هزت وبشدة من متواضعاتنا وقيمنا المجتمعية والأسرية، وانعكست آثارها بوضوح على سلوكيات أطفالنا وشبابنا .. إنها حكايات تجمع أفراد الأسرة لأمسيات حميمة افتقدناها بما تحفل به من مشاعر ، وما تبثه من فضائل ، وما تنطوي عليه من فوائد ، وما تجلبه من متعة … حكايات من قلب البيئة المصرية الأصلية صاغ الكاتب مادتها بخفه الروح ولسان الحكمة الفصيح مراعياً عنصر الإثارة والتشويق وإثراء خيال الصغار والكبار .

ابراهيم راجح و"حصاد"من حكايات عن المهمشين:

من قلب حى "العرب"الشعبى بالمدينة, وعن الشارع"التجارى"وشارع"الحميدى"عن البسطاء والمهمشين من الأرزقية والباعة والسريحة الجائلين,وأيضا عن القرية حيث تمتد جذور القاص إبراهيم راجح _يقدم لنا_مجموعته"الحصاد", الصادرة عن مشروع النشر الإقليمى عام 2001م، وعنوان المجموعة يذيله الكاتب بعنوان هامشى بقوله:"من حكايات إبراهيم راجح",ويهديها إلى حفيده الأول فى عيد ميلاده على سبيل البشارة والفرحة.


ومع الكاتب سنكون فى إطار وقائع قصصية ومواقف حية مسرودة ، تتوسل القص التقليدى ذى العلاقة الحكائية الحميمة الواصلة بين كاتب يعيش وسط هموم الناس وبين جمهوره من القراء العاديين,وهؤلاء القراء يتعاطون كتاباته من قصص وأشعار وأزجال_بصورة تكاد تكون يومية,ليجدوا فيها أنفسهم ,ويتجاوزوا بها تهميش المجتمع وإزاحة الواقع لهم,ولو بنوع من التحقق المعنوى الذى تنجزه الكلمة وترسمه الصورة .

فى قصة" أحزان بائع متجول":

و"...بعد أن عم الكساد "المدينة الحرة", وأصبح دخله كبائع سريح للملابس لا يفى بالحد الأدنى للمعيشة..اشترى بطل القصة - "تريسكل"- .ووضع عليه فاترينة وبعض التجهيزات ,وفى شارع الحميدى ,استقبله الباعة بكلمات طيبة مشجعة...وقد حرص على دهان العربة وكتب على مقدمتها"همبورجر" ليجعل نشاطه فى بيع الساندوتشات.. ,شمل نشاطه"حى العرب"حيث يعرفه الجميع,يستوقفونه إذا لم يكن من اجل الشراء, فمن أجل أن يقرأ عليهم آخر أشعاره التى تعبر عن أفراحهم وأحزانهم ، وكم كان سعيدا يوم أن حصل النادى المصرى على كاس مصر والجميع يتخطفون قصيدته"أبطال الكأس_ يصورون نسخاً تخليدا لذكرى هذا الحدث النادر".*52

ويستطرد الراوى ساردا واقفا بنا على أحزان بائعه المتجول وهواجسه، بمطاردات شرطة المرافق ومصادرة عربته مصدر رزقه الوحيد, يحذره"السندوبى بيه" الضابط الذى يقود الحملات ويهم بعمل محضر له,يتوجه إلية ملتمسا:"ياباشا أنا لا أملك قيمة المحضر.. كل ما بعت منذ الصباح ما يجيش بعشرة جنيه..وليس لى عمل آخر.. أين اذهب ؟" * 53.

يأمره "السندوبى بيه"بالانصراف فورا ويشدد عليه ألا يراه ثانية .

يتولى قيادة الحملات ضابط جديد هو"محمود غإلى بيه".

فى اليوم التإلى كان يقف فى شارع الحميدى وفى يده قصيدة تناشد الشرطة أن تخفف عنه وعن زملائه من السريحة قسوة ظروفهم ، فكل واحد منهم لديه جيش من الأولاد يريدون الطعام ,كانت ذراعه معلقة فى رقبته,وعندما سألوه عن السندوتشات قال:"ستأكلون بعد أربعين يوما عندما أفك الجبس"

قالها بأسى وهو يمسح دمعة انحدرت على خده, فقد سقط وكسرت ذراعه بالأمس أثناء هروبه من الحملة فى المرة الأخيرة"*54.

فى قصة "ملك الشباشب", يتعجب باعة الشارع من"ملك الشباشب" العجوز الذى يبيع بضاعته بنصف ثمنها ويقول بعضهم أنه يريد تغيير النشاط لضعف حركة البيع والشراء بالمدينة , يحل يوم الجمعة ويزدحم الشارع بالحركة ,يعلن من ميكروفون معلق على باب دكانه:"الشبشب بجنية..النهارده آخر فرصة ..المشروع الجديد بكره"

مساء السبت يقيم العجوز سرادقا أمام الدكان ، يدعو جيرانه من الباعة لحضور حفل الافتتاح , يتوافد عليه بعضهم ويرسل البعض الأخر باقات الزهور,يفاجآ العجوز الجميع بافتتاح الستار عن "فرقة حسب الله البورسعيدى للأفراح ، وحفلات الطهور,تزداد المفاجأة بالتعرف على الفرقة التى تعزف ."إنهم نفس الباعة الذين كانوا يفترشون الأرض أمام دكان ملك الشباشب"

فى قصة" الحقيبة" يشفق بائع السندوتشات ويرق لحال طفلة صغيرة تشترى منه سندوتشا بنصف جنيه ، تأخذه فى عجالة لتلحق بمدرستها, يلاحظ البائع فقرها ورقة حاله امن ملابسها المدرسية باهتة الألوان , وحذائها القديم الذي حال لونه ,وكيسا بلاستيكا بداخله كتبها وأدواتها .. يقنع البائع ابنته الصغيرة أن تستغنى عن إحدى حقيبتيها الاثنتين ..ينتظر الطفلة الصغيرة أن تأتى كعادتها ..غابت أربعة أيام ، "فى اليوم الخامس رآها قادمة , ناولها السندوتش,ثم أردفه بالحقيبة قائلا لها:"ضعى كتبك بسرعة حتى لا تتأخرى عن المدرسة "قلب البائع يرقص للابتسامة والفرحة التى ارتسمت على وجه الطفلة,حملت الحقيبة على ظهرها..ابتعدت..التفت إليه ..وجدته ينظر تجاهها..رفع كل منهما يده للأخر" * 55.

فى قصة "كيلو لحمة " يتردد أبو سلوى عن الوقوف فى الطابور الطويل المصطف أمام أحد مكاتب رجل الأعمال الشهير الذى رشحه الحزب لانتخابات البرلمان ..يسلم كل مواطن بطاقته الانتخابية و"يقبض"عشرين جنيها ثمنا لصوته... صراع يدور فى نفس"أبو سلوى "ولكنه يقول لنفسه انه يعمل طوال اليوم ولا يحصل على عشرة جنيهات ,جاء الدور عليه يدهش لاستقبال رجل الأعمال له ، وكأنه يعرفه من زمن طويل ، يناوله العشرين جنيها وباليد الأخرى شنطه بلاستيك بها كيلو لحمة يتوجه أبو سلوى إلى السوق ليشترى كيلو من التفاح الأحمر الذى طالما طلبته زوجته وبناته وألححن فى طلبه , حين جلسوا جميعا لتناول الطعام"سألته صغرى بناته وهى ممسكة بتفاحة :بابا..هى الانتخابات دى ..كل يوم؟".

أما فى قصصه الريفية فنستشعر فيها حنين لأجواء القرية وأعراف أهل الريف ، وما يتردد بين القرى من حكايات أرب إلى البدع والخرافات,كما لا نعدم أثناء السرديات الريفية من الإشارة إلى قسوة المدينة وغربة أهلها ويبرز ذلك فى قصص : الثمن الفادح ، الحصاد ، نفق الحمير ، أسباب ..وتتسم لغته القصصية بالسهولة ، والميل إلى المباشرة والوصفية ، تخلل السرد أحيانا بعض الأشعار ذات الروح الزجلية تأتى منشدة على لسان بعض الشخوص ، ويبدوا الكاتب مغرما فى كثير من قصصه بصناعة النهايات المفاجأة ، لأحداث نوع من المفارقة والدهشة أحياناً وتفجير التهكم والسخرية أحيانا أخرى .

- شمال شرقى الوطن" لمحمد العباسى تجليات المكان والبحث عن الزمن المفقود :

في مجموعته القصصية الأولى "شمال شرقى الوطن" ، والصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2000م ، يقدم القاص محمد عبده العباسى نفسه للساحة الأدبية - حكاءً دافئاً وسارداً مُفعماً وجدانه وذاكرته بموروث شعبى وجماليات بيئية : زمانية ومكانية ، يوظفها القاص فنياً ، ليرصد بها تحولات اجتماعية حادة لمدينته بورسعيد وربما تنسحب على الوطن بأكمله .. تحولات اعتملت في بنى المجتمع ومفاهيمه وقيمه : شخوصاً وزماناً ومكانا ففعلت الأفاعيل وأطاحت بالكثير من أعراف الأصالة وتقاليد المحبة ، وأفرزت تقوقعاً وانعزالاً وانسحابا نفسياً مع توجهات فردية لاهثة أزاحت بقسوة دفء الجماعة وروح المشاركة والتكافل الحقيقي في الأفراح والأتراح وهى الروح والقيم التى طالما حفظت لمجتمعنا كيانه وتماسكه بصفةٍ عامة ، وبورسعيد كقرية كبيرة بصفةٍ خاصة ... وربما كانت العتبات الأولى للمجموعة من عنوان وإهداء تعُد مدخلاً ممهداً وبداية ملائمة لما يريد القاص أن يسحبه من الجزء على الكل ، أو ما يستدعيه بروح الحكاء الشعبي - من قيم مجتمعية كانت تسود زمناً جميلاً ولى وأدبر ، فبعد العنوان الدال جزءٍ وكلاً ، يأتى الإهداء كالآتي : " إلى بورسعيد ... الزمن الجميل ... إلى روح أبى الذى علمنى فن الحكى " ... ويعتمد القص الذى يتوسله العباسى على سردية وصفية لمشاهد تتجسد فيها لحُمة المكان بذكريات الإنسان ، العاشق لبيئته بمفرداتها البحرية الساحلية في لوحات غنائية أشبه بالغزليات الشاعرة التى تؤكد عمق الانتماء والاعتزاز بقيم الجماعة وأعرافها البيئية التى توارثتها حين وجدت نفسها في جدلية دائمة مع البحر الذى يحُيطها من كل جانب .

" يمتد البحر طويلاً ، يحتضن مدينته التى خطت سطرا تتدثر بمياهه ... يتواصل هذا الأزرق في أناقة ... تنام مدينته في وداعة الأطفال عند ناصية الوطن جهة الشمال الشرقي مُطلة من نافذة على المتوسط الرائع . " [شمال شرقي الوطن ص 14]

ويبدو الجانب الأخر من الجدلية مع البحر - في قصة "من حكايات النورس العجوز" والتى يكثف فيها البحر حضوره ، ويفرض منطقة وطبيعة علاقاته مع الإنسان .

“البحر يتسع مثل سماء مفتوحة ... عريض يملأ ساحات العين ، مَنْ منا لا يعشقه ؟ ... مَنْ منا لا يخشاه ؟ ... هو يحوى كل الأسرار والأحلام ... يبدو في بعض الأحيان حنوناً مثل صدر أم .. وفي بعضها غادراً يلوك بين أضراسه الأهل والأحبة” . [من حكايات النورس العجوز ص 28]

وحين يعقد القاص تقابلاً زمنياً بين واقعين مختلفين ومرحلتين مغايرتين بفعل معطيات الواقع المتحول اجتماعياً ، فإنه يلجأ إلى تقنيه “الاسترجاع” لصنع هذه المفارقة موظفاً خلال السرد والحوار - الموال والأغنية والمثل الشعبى ، مُلحاً من خلال التصوير التقابلى على إبراز مشاعر “الاغتراب” الزمانى في المكان ... فها هو ذا “الشيخ حميد” بطل قصة “عينان مفتوحتان باتساع المدى” - يضطر إلى ترك كوخه الذى بناه على شاطئ البحر ، ويهيم على وجهه كلاجئ فقد هويته وأرضه بعد أن تم بيع الشاطئ بطوله لمجموعة من المستثمرين ، وقررت المحافظة بصفة عاجلة وحاسمة بناء مجموعة من القرى السياحية عليه .. يصمد "حميد" طويلاً لإنذارات الحكومة وضغوطها ، ولكن مع مجئ البلدوزر لا يستطيع المقاومة ، فيزحف الشيخ حميد بأهله وبقايا شباكه وأخشابه من مكان إلى مكان على طول الشاطئ ، فلا يجد سوى لافتات من نوع : “هنا قرية سياحية” ، “شاطئ خاص” ... “هنا منفذ الجميل الجمركى” ... ممنوع .... ممنوع .... ممنوع :

" شعر أن المدينة تلفظه ، طفرت من عينه دمعه كادت تحرق خده ، كان يتمنى أن يستريح استراحة المحارب ، لكنهم مازالو يطاردونه ، جعل يفكر فيما يفعل ، انطلق صوته يغنى :

يا عين ما تبكى على اللى كان فنجرى ، وهناه

وغلبوا زمانه ما بين الجبال الداوية ، وهناه

صبح حاله شين ، يبكى بدمع العين ، ويقول

يارب أروح فين ... أهى ضاقت بى هناك وهناه

[عينان مفتوحتان باتساع المدى ص 56]

وينساب المشهد السردى المُوشى بمفردات المكان وجمالياته ، المحتشد بلزوميات البحر من : نوارس ، واسماك ، وقواقع وأصداف وصيادين وشباك ، بأسلوب لغوى يزاوج بين الفصحى السهلة والعامية القريبة منها ، والمًحمله بخيرات البحر وحكمة البحار وتجاربه .. يمتزج هذان المستويان من اللغة في نسيج واحد مؤتلف هو نسيج المشهد ، ويتخلل ذلك الحوار المثقلة لهجته بأنواء التغير ، المفعم جرسه حزناً وآسى جراء رياح وأعاصير التبدل الزمانى .... إن "المغازى أبو عثمان" الصياد ، الذى ألِف البحر واعتاده ، يضطر تحت وطأة الإذعان لصوت العمر والزمن ، أن يبيع مركبه وشباكه وأدوات صيده التى لازمته رحلة العمر فتحاوره “صفية” زوجتة وشريكة رحلته الطويلة مشيرةً إلى أدوات رزقه :

- بس دول عمرك يابو عثمان !؟

- خلاص يا صفية ، المركب اتباعت والولاد رافضين "كار" الصياد .

- أحمدك واشكرك يارب على حسن عطيتك .. كلهم اتعلموا واتوظفوا

- بس يا صفية رافضين "كار" أبوهم وجدودهم !؟

- يا سيدى .. مفيش حد بياخذ أكثر من نصيبه .. ربنا يعين كل حى على حاله

- أشمعنى “عثمان” واقف معايا لوحده ؟

- ربنا كبير ... عثمان ابن عمرك ... البكرى ... ربنا يعمر بيته .

- والتانيين ؟

- ربنا يطرح فيهم البركة .

- كان نفسى حد يكون مع عثمان وبلاش أبيع المركب و... ده كان رأس مإلى

- ولادك راس مالك يا حاج [موت نورس عجوز ص 69]

ويعود السرد يسترسل بمشهده التذكرى ، ومع هذا الاسترسال الذى يعكس الحنين إلى زمن مضى ، تغيب الأحداث ، فيفقد المشهد بعضاً من حيويته وفاعليته ، وأبطال "العباسى" في مجموعتة التى تبلغ ثلاث عشرة قصة - تكاد تتقارب في المرحلة العُمرية ، وفي كثير من الرؤى والسلوك يبدو هذا جلياً مع "الربان فاروق" في شمال شرقي الوطن ، والجد "عرابى" والشيخ حميد و المغازى أبو عثمان ، وهذا التشابه في الملامح العامة لشخصياته قد يعود إلى طبيعة الجيل الذى عاصر أحداثاً جساماً شهدتها المدينة من تأميم ، وحرب السويس ، وعدوان 67 ، وعمليات تهجير فطبعت تلك الأحداث أبنائها بطابع الصمود والأصالة والتوحد في الجماعة ، ولا يفوت "العباسى" أن يذكر بشهداء الوطن وتضحيات أولاد البلد ، أو يجسد بعضاً من مشاهد المعاناة أثناء فترة التهجير وبعدها ، وما اعترى الناس من تغيير ، كما في قصص : " مثل زيف لن يتكرر" و "المطر صديقى القديم" .. وأخيراا فإن تقديم المؤلف لنفسه من خلال هذه الإمكانات السردية في مجموعته الأولى - لجدير مع المزيد من التنوع والتطوير للآليات الفنية في السرد أن يجعله يحتل موقعاً وسط مشهدنا السردى المعاصر ، والجدير بالذكر أن لمحمد العباسى مجموعتين قصصيتين أخريين تحت الطبع ، صدرت إحداهما وهى " نوة الفيضة " ، عن دار الإٍٍسلام للطباعة بالمنصورة وستصدر الأخرى قريباً تحت عنوان "صخب البحر" .

محمد توفيق يكتب عن "العلوج الطراطير" :

في عام 2003 يصدر المهندس محمد توفيق مجموعة قصصية في طبعة محدودة على نفقته الخاصة بعنوان "العلوج الطراطير" وهى تعرض لمآساة الشعب العراقي الممتدة منذ ممارسات الديكتاتور الفاشتى صدام وحتى فترة انهيار نظامه البعثى القمعى مروراً بقترة ما قبل الغزو ثم احتلال العراق وقد قام الكاتب عادل القنصل بعمل مقدمة لهذه المجموعة القصصية التى شملت اثنين وثلاثين قصة وذكر في مقدمته أن الكاتب اعتمد فيها على أسلوب الحكى مدعماً إياها بحقائق حصل عليها من وسائل مختلفة ، فكانت نتاجاً لعمل أدبي له شكل خاص وأسلوب سلس بقصد توصيل حقائقه للقراء، وينوه عادل القنصل بأن الكاتب ومع وصوله لأخر قصة من قصص المجموعة وهى "موعدنا في الصيف" – يعطينا أملاً في أن تعود الصفحة بيضاء وقد زال منها لطخها من سواد ومن دماء الأبرياء *56

القصص الأولي ومنها " أم على … وصفة لعلاج الأرق " ، "أصحاب الذانات المبتورة" ، "اللعب فوق صفيح ساخن" ، "عيد الميلاد" تعرض لنا أشياء من فظائع نظام صدام وجرائمه الوحشية ضد الشعب العراقي فأم على تطلق من زوجها لعلاج أرق الزعيم ومجموعة من الشباب المتمردين تسحل وتعذب وتبتر آذانهم ، وسمو الأمير ابن الزعيم يعذب لاعبي فريق الكرة ويشوي أقدامهم بسبب هزيمتهم في مباراة ، ولجنة عليا من المسئولين في الحزب والوزراء وكبار القادة تجتمع يوماً كاملاً للإعداد لاحتفالات البلاد بعيد ميلاد الزعيم المهيب ، في الاجتماع يجلس الجميع أمام نائب الديكتاتور وكأن على رؤوسهم الطير فقط يسجلون تفاهات ومساخر باذخة سيقومون بها وينفقون عليها ملايين الدولارات للاحتفال بعيد ميلاد الطاغية ، ومما يثير السخرية أنهم يحضرون الاجتماع بملابسهم العسكرية وبمظهر انضباطي صارم ، تقام بروفة الاحتفالات ويطلق فيها صواريخ تضئ سماء البلاد ولها قدرة انتشار هائلة … 0 أقمار الأمريكان الصناعية تقوم برصد نشاط هذه الصواريخ ، يسارع جنرال من قادة سلاح الجو الأمريكي ويتصل بقيادته للاستفسار عن هذه النشاطات … أجابت الاستخبارات : أن عيد ميلاد زعيمهم قد اقترب ، وأنهم يضيئون السماء احتفالاً به شهراً كاملاً … هز الجنرال رأسه ساخراً وقال : ستكون إضاءتنا من نوع خاص ، لم ولن يروه من قبل .

وتأتي قصص ما قبل وأثناء الغزو مثل "التمثال" ، "الليزر … كذبة مميتة " ، "يوم الحساب" وتنقل لنا وقائع تبين حقيقة حجم الزعيم الموهوم وهشاشة نظامه ، ففى الوقت الذى كانت تتعإلى فيه بياناته الحنجورية ، ووعيده المتواصل بسحق العلوج الطراطير والقضاء على المرتزقة الجبناء – في نفس الوقت – كان الزعيم في ذروة خوفه وأقصى حالات رعبه ، لذا فقد تبارى قادته المنافقون الذين أذاقوا العراقيين صنوف العذاب وألوان الهوان – تباروا في تطمينه وتنافسوا في حمايته الكاذبة بعدة مقترحات ومنها بناء مخبأ سري ضخم تحت الأرض لحماية الزعيم النادر وتزويده بكل الإمكانات العسكرية والمدينة ويتم العمل بسرعة بواسطة شركات عدة ذات إمكانات فنية وتقنية عالية ، ويقترح منافقون آخرون على الزعيم المرتعد بأن ينقل ذهبه ونفائسه ومقتنياته النادرة إلى أماكن سرية ، وبدأ الزعيم يستعد للهروب والاختباء وتهيأ المغاوير أيضاً للنجاة والإفلات ، وها هم يخلعون ملابسهم العسكرية وينزوى كل بطريقته وهكذا وجد الزعيم نفسه وحيداً في العراء في مشهد تاريخي شديد السخرية لدرجة أنه لم يستطيع ان يلجأ إلى مخبئة السري وها هو يري تمثالة الضخم وسط بغداد يسقط فيسارع آلاف العراقيين بسحقه تحت أقدامهم

وتقف بعض قصص الغزو على جرائم القوات الغازية التى كانت تتم بخطوات منهجية مدروسة خاصة تلك المتعلقة بنهب البنك المركزي والمتاحف والوزارات تحت غطاء عصابات أطلقوها بعملية نهب كبرى في بغداد بعد أن فتحوا أبواب السجون وبعضها يصور فظائع وجرائم وحشية ارتكبها الجنود الأمريكيون خلال زحفهم نحو بغداد وانطلاقهم بعدها شمال البلاد .

ينهي الكاتب مجموعته بست قصص تتناول سقوط النظام البعثى القمعي وانهياره وانجلاء غبار الحرب السريعة التى تم خوضها من جانب واحد عن عمق ما خلفه النظام البائد من جراح وآلام وجماجم ومقابر جماعية وأكثر من مليون عراقي يرقبون مأساة الوطن من المنفي .

مشاركة