الأحد، 23 مارس 2008

قراءة "هادئة" فى رواية "الحرير المخملي" لأميمة عز الدين

"الحرير المخملي" ذلك هو عنوان رواية الكاتبة أميمه عز الدين التى أصدرتها عن دار الحضارة للنشر فى طبعتها الأولى فى ديسمبر من عام 2007 م . وفيها تحكى "رٌقية" راوية الأحداث عن مأساتها و مآس لنساء أخر من قريباتها وذلك من خلال علاقاتها بأسرتها الكبيرة التى كان يضمها بيت العائلة الكبير فى قرية من قرى إحدى محافظات دلتا مصر.

"الحرير المخملي" ذلك هو عنوان رواية الكاتبة أميمه عز الدين التى أصدرتها عن دار الحضارة للنشر فى طبعتها الأولى فى ديسمبر من عام 2007 م .

وفيها تحكى "رٌقية" راوية الأحداث عن مأساتها و مآس لنساء أخر من قريباتها وذلك من خلال علاقاتها بأسرتها الكبيرة التى كان يضمها بيت العائلة الكبير فى قرية من قرى إحدى محافظات دلتا مصر.
وتتلخص مأساة "رقية" فى رفض تطلعها للخروج والعمل بعد التخرج من الجامعة وخوضها تجربة زواج فاشلة من "مدحت" أودت بها إلى العزلة منقطعة للبكاء والصلاة عازفة عن الدنيا زاهدة فيها ولم يخرجها من عزلتها إلا عمتها "زينة" وتدخلات أخيها فارس وزوجته الأمريكية "إيمى" مما ساعدها على الخروج من هذه الشرنقة واستقبال نسائم الحرية مع حياة أخرى جديدة تدرس فيها "الأدب المقارن" بالجامعة الأمريكية فى القاهرة.

أما مآسى قريباتها الأخريات فهي تبدأ من جدتها لأبيها "عطيات" وتمتد إلى الحفيدة الراوية "رقية" مرورا بأم الراوية وعمتيها "زينة" و "مهرة".
وقد نسج السرد خيوط المآسي حول هؤلاء النسوة داخل بيت العائلة الكبير الواقع وسط الحقول والمزارع ، وكما هو الغالب فى "البيوت الكبيرة" فقد كانت عادة تجمع أكثر من جيلين من الأبناء والأحفاد .

وتتخذ الرواية من القرية فضاء مكانياً جوهرياً لأحداث روايتها بكل ما تعنيه المنتجات الثقافية لهذا الفضاء ، فى حين يبدو الفضاء الزمانى رمادياً غير محدد الملامح اللهم إلا القليل النادر من الإشارات لبعض فصول السنة وهى على قلتها تأتى فى سياق تذكري حالم.
وربما أثرت الرواية صياغة سردها بضمير الحكى المتكلم الغالب علية نزعة البوح والاعتراف ليتيح لها ذلك عدة أمور.


1-الرغبة فى الإفصاح عن تواجدها وحضورها تعويضاً عن التهميش والإزاحة |أى نوع من "الحضور" النصي مضاد "للغياب" الواقعي.
2- أن هذه التقنية هيأت بطبيعتها مجالاً واسعاً للبوح والانطلاق خارج كل القيود لتعرية الأنساق الثقافية والتقاليد المجتمعية والأسرية من خلال تعرية النماذج الأبوية والذكورية فى الأسرة وبالتالي جاءت هذه النماذج فى صورة شائهة بعد أن وقع عليها قدر كبير من التحامل والقسوة والتهكم السردي باعتبارهم "جلادين" فى مقابل "الضحايا" المجلودين من نساء الأسرة.
3- إن البوح يستدعى فتح الذاكرة والتوغل فيها ربطاً للصور والمواقف والمشاهد ، وتفعيلاً للاسترجاع التقابلي للحظات البراءة والبهجة فى مواجهة قسوة الحاضر المحاصر بوقائع الرفض والقسوة التى واكبت حياتها فى البيت الكبير بعد التخرج ، أو فى تجربة الزواج الفاشلة التى تركت فيها جرحا غائراً وندوبا كانت عصية على الطمس والزوال.


والحقيقة أن الراوية "رقية" اعترفت بجزء من مسئوليتها عما وقع بها تمثل فى الخضوع وفقد القدرة على الرفض والمقاومة.
وقد نجحت الكاتبة فى استثمار تقنية البوح والحكى الاعترافى استثماراً فاعلاً لإزخام نصها الروائي وإثرائه فنياً ، سواء برسم لوحات فنية عميقة لدواخل الشخوص ، أو التعبير بخيال ايحائى منطلق عن رأيها فى الأمور وتوصيفها الشخصي لكل أفراد الأسرة والتى كانت تضم من الرجال :

- الجد : " عبد الرحيم فاضل التهامي" وكان تجسيدا للسلطة الأبوية المهيمنة الممتدة ، فهو الحاضر دائما سواء فى حياته أو بعد مماته، وهو رمز للفحولة أيضا فقد كان مزواجاً يعشق النساء ولكن (فى الحلال) ضم ثلاث منهن معاً فى البيت الكبير (عطيات وحسيبة وحبشية) وتزوج بالرابعة فى الإسكندرية وأنجب منها ابنه رءوف ، ترك الجد لأولاده (محمود و زينة ، ومهرة ورءوف) ثروة طائلة من أموال وأراض وعقارات.

- الأب : "محمود" والد الراوية "رقية" وأخوها "فارس" ، كان موظفا كبيراً تمنى أن تكون حياته من صنعه هو لا من صياغة أبيه وإملاءاته ولكنه عجز حتى فى خيار زواجه وتسمية ابنته التى سماها الجد "رقية" فى حين أراد الأب تسميتها باسم الفتاة التى أحبها فى شبابه "مريم" ، فشل محمود أن يكون شاعراً ، بحث عن التحقق والشهرة فى السياسة رغم عدم تعاطيه لها لكنة باء بالفشل أيضا ، تولى إدارة شؤون الأسرة وعاش " ظلاً باهتاً" لأبيه " عبد الرحيم التهامي"
- مدحت : ابن الحاج " الهوارى عويس" صاحب الثراء والنفوذ الواسع تزوجته "رقية" تحت عوامل من ضغوط الأسرة و عجزها عن الرفض والفعل المضاد ، لفظته منذ البداية ، فقد" كانت ملامحه غليظة مثل طباعه ، يتجشأ إثناء الطعام ويزدرده فى حيوانية ، يسيل المرق على جوانب فمه ، ولا يعشق ضوء القمر ، ولا يحب مثلى أمل دنقل ...."
هكذا وصفته الراوية ، ضف إلى ذلك معاناته العجز الجنسي.

وقد فسرت الراوية رقية ذلك ، برجولة " ضالة ضاعت بين حنايا سطوة أمه – عقدة أوديب – ومرض قديم حل به جعله مثل الجدي الخصى فى مزرعة جدي".

ويكاد يتثنى السرد من هذه النماذج (القامعة المقموعة) من الأسرة ، نموذجين هما العم "رءوف" والعمة "زينة" .
أما رءوف فقد تربى وعاش فى الفيلا التى بناها الجد لأمه الراقصة "دينا" (هام بها الجد عشقاً وذاب شغفاً) لذا فقد كفل لها قدرا من الخصوصية والتميز بكتمان سر زواجه بها طيلة ثلاثين عاماً ، تخرج العم رءوف من كلية الفنون الجميلة وعاش فناناً يغشى المنتديات الثقافية والفنية ، التحق بالأسرة فى البيت الكبير بعد وفاة الجد ، كان محل إعجاب وتقدير كل من أخته غير الشقيقة "زينة" وابنة أخيه "رقية" عاد مرة أخرى إلى الإسكندرية.

العمة زينة: ابنة الجد من زوجته "حسيبة" ورثت عن أمها نزعتها الشهرزادية وتطلعها للحياة ، كانت المثل الأعلى والنموذج الأروع للراوية "رقية" فقد أرادت أن تكون مثلها فتاة قوية واثقة استطاعت بذكائها أن تفلت من قبضة الجد وإسار البيت الكبير ، حققت نفسها وشخصيتها فى عملها المتميز بالصحافة لدرجة أثارت موجدة من زملائها من الرجال ، إلا أن هذا التميز وطبيعة هذا النموذج المطلوب المرغوب كان سببا كافياً فى نظر الراوية لأن يعرض عنها الرجال "خوفاً وجبناً" وتساوت فى ذلك مع العمة "زينة" والعمة " مهرة" فى مصير واحد انتهى بكليتهما إلى حياة يغلفها إحساس عميق بالمرارة والوحدة والحرمان من دفء الزوج والأسرة بعد أن فارقهما "قطار الزواج إلى محطته البعيدة، الموغلة فى أحراش العنوسة المظلمة" .

وقد يكون مصير العمة "مهرة" مبررا فى مجتمع مازال يعانى بقية من نزعة عنصرية "وثنية جاهلة" على حد تعبير الراوية ، فقد ورثت مهرة عن أمها حبشيه – هكذا أسمتها الراوية لتأكيد دلالة الاسم – ورثت بشرتها السمراء وملامحها النوبية ما جعل الرجال يعزفون عنها ، إلا أن مبررات العمة "زينة" فهي فى حاجة إلى النقاش فى ضوء معطيات واقعنا المعيشي.

وإمعانا فى التوجه "الأنثوى" للسرد ، تعمق الراوية من مأساة عمتها "مهرة" فحتى الرجل الوحيد "إسماعيل جعفر" السوداني الأصل المنتمى لآل الميرغني- الذى أحبها وعشقها وأوشك على الزواج منها – قاده السرد إلى الموت بعد أن وقع صريعا تحت قصف إحدى الغارات الجوية وهو يؤدى دوره "الإنسانى" فى الحروب الاتصالية الشرسة التى تدور رحاها فى بلاده.وبالتالي كانت هذه الصاعقة ضربة مميتة للعمة "مهرة" أصابتها بالذهول والجنون ما جعلها تدفن حلمها ومعه حريرها المخملي فى حفرة مظلمة أهيل عليها تراب القسوة والوأد والحرمان ، ذلك الحرير المخملي الذى مابرحت عليه عاكفة ، تنسج خيوطه الرقيقة موشاة بدموعها وأنوثتها المحرومة ثم ما لبثت أن أضافت إليه خيوطاً من طيف حلمها الوحيد العذب ، ولكنه المصير "الروائي" للسرد الذى تبنى موقفاً ما ومضى فيه إلى غايته.

ومن نواتج هذا الموقف السردي ، أن "فارس" شقيق الراوية كان يدرس الطب ويعيش فى القاهرة "كأحد أمراء الخليج" سرعان ما كثف السرد وتيرة حضوره فى الصفحات الأخيرة من الرواية ، رغم المرور علية مروراً إشاريا سريعا فى متن النص ، رأيناه يحضر بقوة جالباً معه زوجته الأمريكية "ايمى" إلى البيت الكبير وسرعان أيضا ما تنتهي زيجته بالفشل وتعود زوجته إلى بلادها بعد أن تلفظه وتهينه رغم محاولات التودد والتوسل إليها ، والسبب أنها كشفت خداعة لها فهو يريد الزواج منها ليحصل على "الجنسية الأمريكية" فى حين أن الهدايا التى قدمها إرضاء لها كانت كفيلة بإدخاله بلاد العم سام غازيا وليس لمجرد الحصول على الجنسية ، هذا فضلا عن ثراء عائلته الواسع.

نحن إذن بإزاء سرد "أنثوى" ولا أقول "نسوى" وهو سرد أنثوى بامتياز ، فالمنتج السردي موضوعه الأساسى الأنثى ، ومنتج السرد كاتبة ، ورواية النص "رقية" ، قدمت لنا فيه مصائر مأساوية لنساء أسرتها مقابل وضعيات حادة ومشوهة لرجال نفس الأسرة ، فى حين تشير الوقائع إلى أن كل الشخصيات سواء أكانت رجالاً أم نساء ، إنما هى (قامعة مقموعة) فى أن واحد وبدرجة من الدرجات.
ومن هنا نفترض أن طبيعة السرد ذات البوح الاعترافى المتدفق فى هدوء على السطح كانت تبطن بين طبقاته العميقة وفى بعض إشاراته وتلميحاته مشاعر من الغضب والاستهجان ، متوجهة بالأساس لنقد وتعرية أنساق ثقافية واجتماعية أنتجت تلك الشخصيات والمصائر وهى أنساق عانى منها الجميع رجالاً ونساءً .. أقول هذا رغم اعترافنا جميعاً بحدوث خلخلة وتغير لكثير من هذه الأنساق والمفاهيم بفعل سنة التطور ونوعية أدواته ذات التأثير الواسع والتى تؤدى وظائفها وخاصة وسائل الاتصال الحديثة بفاعلية وسرعة حين تقوم بحرث بقاع مافهيمية كثيرة وتقليبها حتى فى أشد المجتمعات تخلفاً ورجعية.

نقول هذا ، ونفترضه رغم ملاحظتنا حول طبيعة التوجه وصياغة بعض مصائر الشخصيات صياغة فيها شيء من المبالغة والتكلف وذلك لمجرد حشد أكبر كم من السلبيات فى "ثيمة روائية" يسيل لها لعاب كثير من المتربصين من ذوى القلوب المريضة من تجار سوق كبيرة مفتوحة ورائجة تتحكم فى عالمنا اليوم اسمها سوق "صراع الحضارات وصدام الثقافات"
ونتجاوز هذه النقطة إلى نقطة أهم وهى كيف قال النص أطروحاته ، وهنا تبرز عدة ظواهر فنية تميز السرد وأبرزها :
- تلك الشعرية التى ارتقت بالأسلوب وحلقت به إلى مستوى عال من الأدبية يعكس احتراما للغة من جهة، ومقدرة صياغية وإيحائية من جهة أخرى.
- يشي السرد بكاتبة موهوبة تملك أدواتها الفنية.
- يثبت السرد قدرة على توظيف تلك الأدوات واستثمارها لصنع عالم روائي يطمح للدقة والإحكام الفنى.

فقد وفقت الكاتبة فى اختيار بؤرة الرؤية وموقف الحكى ورمادية الزمن وفضاء المكان ، كما أظهرت براعة فى تطوير الشخصية من خلال المواقف والأحداث وإن ركز تطويرها على دواخل الشخصيات فقط دون ملامحها الخارجية عدا العمة "مهرة" ، كما أن الحوارات القليلة المتخللة للسرد خدمت الموقف والشخصية ولم تقف عليها طويلا حتى لا يعطل ذلك طبيعة البوح التدفقية للسرد.

- اعتمدت الكاتبة تقنيات وأدوات سردية أخرى كالحلم والاسترجاع وتوظيف الرمز المكثف بالدلالة وهو ما برز فى استخدامها العضوي للحرير المخملي الذى كانت تنسجه العمة "مهرة" والذى تردد حضوره فى المتن الروائي أكثر من مرة فضلا عن كونه دالاً للنص ذاته.

وأخيرا ، فهل إذا جاز لنا أن نؤول عنوان النص فهل نقول:
"هذه رواية عن الحرير المخملى " أم نقول على لسان المؤلفة : هذه روايتى عن الحرير المخملى " ؟

مشاركة