الاثنين، 2 أغسطس، 2010

قراءات في الرواية والقصة القصيرة - نماذج من الرواية البورسعيدية الحديثة


'الغزالة' تؤسس للأصالة وتستوعب المعاصرة
دفقات رواية قاسم مسعد عليوة السردية وحيويتها الحوارية، تعد مصدرا للتأويل الخصب والرؤى المتفاوتة.

أما قبل:

عن سلسلة "روايات الهلال" عدد مارس/آذار 2010، أصدر الكاتب قاسم مسعد عليوة، روايته الأولى "الغزالة"، وصدر للكاتب من قبل، اثنتا عشرة مجموعة قصصية ومؤلفات أخرى موجهة للأطفال ودراسة في هويات المدن، كما أن له العشرات من الدراسات والأبحاث والمقالات النقدية والثقافية.

وهذه هي المرة الأولى التي يقتحم فيها الكاتب عالم الرواية، وقد صدَّرها بالإهداء: "إلى من يبحثون عما لا يجدون"، وكتب بعد الإهداء: "ولكم في المجاز حياة"، ووجه حديثه للقارئ ناهياً: "لا تخف من العويص.. ولا تفر من الرمز". (1)

وقفة مع النصوص الملحقة

- أما بالنسبة للإهداء "إلى من يبحثون عما لا يجدون" فقد وجدناه يطرح عدة استفسارات عما يبحث عنه هؤلاء، وما إذا كان بحثهم مجرد سعي وراء سراب، أو هو بحث من يحاول أن يقبض على الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه. وربما هو يشير إلى أن البحث الحقيقي لن يكون إلا إهتداءً بـ "الغزالة". أو يومئ إلى أنهم سيجدون مع "الغزالة" سلوى وعزاء يعوضان عما لا يجدون؟ وإذا ما كانوا من الخاملين المستكينين، الراكنين لكسل الراحة ودعة الخمول والتراخي، فلعل إهداء كهذا يستحثهم حثاً على نبذ ما هم فيه. 



صورة لشروق الشمس من مدينة بورسعيد بواسطة علاء الديب


- "ولكم في المجاز حياة" قول فيه تناص مع المأثور القرآني، يفيد من قوله تعالى: "ولكم في الحياة قصاص". والتخييل هنا بما فيه من رمز ليس استغلاقاً، أو استعراضاً للإبهامات، أو ضرباً من الترف الإيمائي، أو الإبهار البياني، إنه فقط محض ستار شفيف أو غلالة رقيقة لو انجلت بقليل من الجهد، لكشفت عن أنوار الحقيقة وإشراقات المعرفة.

ولعل تصدير الرواية بهذه الجملة يعني أن في المجاز حياة لمن يتعاطى المجاز نفسه (ونعني الكاتب أو السارد الضمني)، إذ إنه بذلك ينأى عن المساءلة ويطلب النجاة بالمجاز، وربما يهمس بينه وبين نفسه: "انج سعد فقد هلك سعيد"!

- أما نهي المؤلف الطلبي "لا تخف من العويص.. ولا تفر من الرمز"، المنقول من بين الأقوال الواردة في الرواية إلى الصدر، فهو نهي غرضه الحث والحفز على القراءة، كأنه يقول للقارئ: إن اللجة التي تبصرها وتتوهم أنها غائرة، بعيدة العمق، حالكة، ما هي إلا الأمان نفسه، وإن الرمز الذي تتعاطاه عند القراءة والتلقي، ما هو إلا كشف وراحة وبصيرة، فخض ثبجه آمنا، وصاحب رمزه مطمئنا وألق بنفسك في اليم ولا تخف.

- أما تقديم الكاتب للرواية بأنها "رواية غير مألوف الروايات.. رواية ككل الروايات" فهو قول مراوغ ربما يهرب به من صرامة التصنيف والتجنيس الأدبيين طلبا للسلامة، وهو أمر لم يعد يُقلق أحداً بعدما صارت هذه القضية في ذمة التاريخ الأدبي، وبالرغم من كل ذلك فإنني أؤثر أن يكتشف القارئ ذلك بنفسه، وألا أسوق له عبارة يمكن أن تصادر على تعاطيه القرائي وتلقيه الفني. إن مثل هذه العبارات لا تُرهب إلا الهواة من القراء. (2)




مع الشكل الروائي

قسَّم الكاتب روايته إلى واحد وعشرين عنواناً داخلياً، تضمنت 146 صفحة وكل عنوان من هذه العناوين تراوحت فقراته ما بين فقرة واحدة طويلة أو عدة فقرات، تراوحت هي الأخرى ما بين أربع وثماني عشرة فقرة، من هذه العناوين: قلت لمعلمي أتبعك، من أقوال معلمي، أنا ومعلمي والكريهة، دهن ذائب في قدر متقد، بعد أن هجرني معلمي.

وأزعم، وقد قرأت تقريبا كل إنتاج الكاتب الإبداعي والبحثي، أن الكاتب عمد في كل عمل من أعماله، إلى عدم تكرار نفسه، فقد رأيته مع كل مجموعة من مجموعاته القصصية مجددا لتقنياته، منوعا لمهارات وزوايا التناول السردي، وها هو يفعل ذلك أيضا مع عمله الروائي الأول. إنه يستثمر المنجز الصوفي ويوظفه لطرح جمالياته وقضاياه المهموم بها، وأعتقد أن "الغزالة" جاءت من حيث الشكل، إنجازا جديداً للكاتب، ومن الدلالات والمضامين المحتواة فيها ما يُعَدّ ملخصاً لمشواره الإبداعي وعصارة إنجازه القصصي وآرائه ومفاهيمه في الحياة والوجود والصداقة والإنسان والعلم.. إلخ.

إن التقاليد الصوفية ومعطيات أقوال العارفين وأهل الطريقة التي عالج بها الكاتب لغته الروائية، أضحت في الرواية دعوة للكشف وحافزا للتبصر وتفعيلا للوعي، أما الأحداث فنستطيع التأكيد – كما هو حال الكاتب – بأنها متورطة في هموم الواقع المعيش، وغارقة في خضم إشكالياته العضال، وهي هموم وإشكاليات تجمع بين ما هو ذاتي، ومجتمعي، وإنساني.

ولقد فرضت طبيعة العلاقة بين المعلم والمريد ـ وهما الشخصيتان الرئيسيتان في الرواية ـ أن تكون تقنيتها الجوهرية، تقنية حوارية يتخللها أحيانا السرد أو الوصف. (3)

عن الحوارية ووظائفها

منذ أن بلغت البشرية رشدها حتى اللحظة التي نعيشها الآن من الألفية الثالثة، كان الحوارن ولا يزال، من أهم طرق الكشف ووسائل التعليم وطرائق اكتساب المهارات وتنمية القدرات العقلية.

ويكفي أن نستشهد بقيم الحوار المتعددة وفعالياته المضافة بمحاورات أفلاطون على المستوى الفلسفي، ومحاورات الأنبياء مع أقوامهم على المستوى الديني والعقائدي، وربما يعد من أشهرها، محاورات سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام مع النمروذ وقومه، وهذه المحاورات التي تحفل بها قصص الأنبياء في القرآن العظيم، برزت أهميتها في إقامة الحجج وسطوع البراهين في دعوة الأنبياء، كذلك تحفل أحاديث نبينا المعلم صلى الله عليه وسلم، بالأسلوب النقاشي والطرح الحواري، وذلك من مثل قوله عليه الصلاة والسلام في مطالع بعض أحاديثه الشريفة: أرأيتم؟ أتدرون؟.. هل علمتم؟.. إلخ.

وتؤكد النظريات التربوية الحديثة ومجالاتها التطبيقية، على إيجابية الحوار وجدوى مردوداته على طلاب العلم والمعرفة بجميع مراحل الدرس، كما يعد الحوار والنقاش الآن من أهم الاستراتيجيات المعتمدة في المجالين التربوي والتعليمي. (4)

مع الرواية

تبدأ أحداث رواية "الغزالة" بالتماس من مريد لمعلمه ليوافق على أن يتبعه ناشدا المعرفة والحكمة، ولأن المعلم يعرف أن اتباع أمثاله من أهل الطريقة فيه مشقة ومكابدة فقد أشفق على المريد، ورد على التماسه بقوله: حاول.

وكنوع من الموافقة الضمنية، قدم له المعلم خرقة بالية وكأنه يهديه هدية قيمة غالية، ولما اعترض المريد لكثرة خروقها وهلهلتها، قال المعلم: "من الخروق تنفذ، وبالهلهلة تفوز".. الرواية صـ 7.

وكان ذلك أول دروس الاتباع، وأولى القطرات من منهل الحكمة.

وإذ يبدأ مسير المعلم وتلميذه، تعن لهما غزالة، يفرح المريد الجائع كثيرا لرؤيتها وعلى الفور يطلب من معلمه أن يذبحاها ويأكلاها، فما كان من المعلم إلا أن نهره وتأسف للغزالة بقوله: "غرير هو ما يزال، فلا تأبهي له".. الرواية صـ 7 .

وبالرغم من ظهور الغزالة لكليهما مرات معدودات عبر أحداث الرواية، إلا أن ظهورها القليل كان حيويا ومصاحباً لتحولات مفصلية في مسيرة الرجلين وفي مسار الأحداث وتحولاتها، خاصة أنها كانت تظهر في أوقات المحن ولحظات الضيق والشدة. إنها الحاضرة الغائبة. إن الغزالة رمز المدد والغوث، وعلامة على الفرج واليسر بعد الشدة والعسر. إنها مكافأة المكابدة والمجاهدة.

وتبدأ أولى سياحات المعلم والمريد بمدينة "اللذة والانبساط" وقد تطلب الولوج إليها الخضوع لإجراءات أمن مشددة، ومنحهما آمر البوابة أربعاً وعشرين ساعة فقط، للتجوال ثم المغادرة.

ومع دخولهما، تبدأ إسقاطات الكاتب على الواقع والنظر بعين راصدة ناقدة إلى مواجعه وأزماته العضال، بدءاً من فوضى الشوارع والميادين وازدحامها غير المألوف وليس انتهاء باعتقال الرجلين بتهمة ازدراء حاكم المدينة "الجليل"، مروراً بالقوادين والسماسرة والمرتشين والقساة والقتلة ومشاهد للمحتجين والمضربين، ثم تجمُّع الآلاف في الميادين للاستماع إلى خطاب "الجليل" الذي جاء مزدحما بالتبرير، محتشداً بالأماني، مفعماً بالوعود التي لا تتحقق!

يحاول المعلم أن يبصر الجماهير ويميط عن الزيف لثامه، ويهتك عن الفساد حجابه، فيعتقل ومريده بلائحة طويلة من التهم والمفتريات تكفي الواحدة منها لإنفاذ حكم الإعدام فيهما. ولم ينقذ الرجلين سوى اندلاع الثورة في المدينة وخروجهما من المعتقل سالمين، متوجهين صوب الصحراء حيث يلمحان الغزالة واقفة تنتظرهما وكأن ثلاثتهم كانوا على موعد، إذن فهو الظهور المصحوب بالسلامة والنجاة.

ومن المشاهد الرمزية الدالة في مدينة اللذة والانبساط التي استرعت انتباه المريد أثناء التجوال:

1- صورة "الجليل" المعلقة في كل مكان من أرجاء المدينة.

2- هيئة كل من مبنى "مجلس النواب" ومبنى "المجلس الحكومي"، وقد أتى وصف كل منهما على لسان المريد مليئا بالإسقاطات مفعما بالدلالات، حيث يقول المريد في وصفهما: "مبنى مجلس النواب قصير، مقبب، وبه شيء من ملوسة، وبابه كالشق، وهو في مجمله يشبه الحر؛ أما مبنى المجلس الحكومي فخشن، طويل، منتصب، والحرس أسفل منه كثيف كالشعر فوق الصفن، وهو في مجمله يشبه الإير". الرواية صـ 17.

ونشير إلى أن الكاتب عالج مساوئ الديكتاتورية والقمع وذلك في مجموعتيه "الضحك" 1981، و"وتر مشدود" 1999.

وتحت عنوان "تمام اكتمال المرأة"، يستعرض السرد والحوار، أحوال المرأة وتناقضاتها وصوراً من مواقفها وعلاقتها بالرجل، وهو ما يعتبر خلاصة تجارب الكاتب ومشاهده وآرائه عنها، التي بسط المزيد منها من قبل في مجموعته المتميزة "خبرات أنثوية" عام 1980. وفي الفقرة السابعة، يعلق المعلم على مشهد "امرأة حبلى تحتضن رضيعا وتتعلق بذراع رجل" بقوله: "تقول المرأة حين تحب وتنجب، الآن تم اكتمالي".. الرواية صـ 39، وهو تعليق يبرز أهم ما يشغل كل امرأة ويحقق ذاتها ووجودها.

وجسدت فقرات الفصل الذي عنوانه "في الحب والصبابة" معاني الاستغراق في الهوى، وقدمت رؤية عميقة لجوهر الحب وحقيقة العشق، والحب كما جاء في هذا الجزء يحتمل التأويل على معنيين: الإنساني، متمثلا في حب الرجل الفطري للمرأة، والإلهي متمثلا في حب العابدين المخلصين لله عز وجل. قال تعالى: "والذين آمنوا أشد حبا لله". وقال أحد العارفين في الحب:

أدين بدين الحب أنى توجهت ** ركائبه، فالحب ديني وإيماني

ويأتي عنوان "من أقوال معلمي"، طارحا عدة حكم ووصايا من المعلم لإفادة المريد ونفعه، وقد بدأها المعلم موجزة مكثفة، ثم ما لبث أن بسطها شيئا فشيئا بمزيد من التوضيح والتفسير والإضافة حتى تستوفي الحكمة معناها وتستكمل الوصية دلالتها، وكأنها دفقات من مدد معرفي يأتي موجة في إثر موجة وذلك بالتركيز والاستغراق وحضور القلب.

وحمل عنوان "من أقوال معلمي"، من المشاهد والرؤى ما يعتبر جديداً في هذه الرواية.

واستعرض الكاتب فى الفصل الذى عنوانه "رجال شائهون" بعض النماذج الإنسانية الشائهة منها: المدعي الزاعم، والمقصر، والكسول المتواكل المتراخي، وعابد الدينار والدرهم، والعتل الباطش المتجبر، والبائع لدينه بدنياه، .. إلخ، الجديد في هذه النماذج أنها قدمت بشكل جديد غير مألوف في السرد العربي الحديث.

وتحت عنوان "لما تبعني معلمي" عالج الكاتب ببراعة وتشويق، مغبة ادعاء المعرفة، وادعاء إتقان القيادة دون دراية بأصولها، واعتمد في هذه المعالجة على تقنية الحلم والكابوس ودهشة القفلة.

وأجلى الكاتب في الفصل الذي عنوانه "مديح ما لا يصلح معه سوى المديح" بعض الحقائق الهامة منها:

• النهي عن تحقير الجسد وإذلاله فهو هيكل الروح والنفس.

• وجوب التوازن بين الروح والجسد.

• ذم أصحاب الهواجس والريبة.

• الحكمة الرحيمة من فرض القصاص والحدود.

والمعروف، أن الدين والعلم كليهما، قد نهيا عن تحقير الجسد وإهمال شأنه، ولرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم فصل القول في ذلك حين جاء في سنته القولية الحكيمة: "إن لجسدك عليك حقا". وأما ما يتصل بالهواجس والريبة فقد أكد القرآن العظيم: "إن الظن لا يغني عن الحق شيئا" وأما ما يتعلق بحكمة القصاص فحسبنا قوله تعالى: "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب"، وفي الفقرتين التاسعة والعاشرة في نفس الفصل، حمل الكاتب حملة شعواء، بلسان المعلم، على ظاهرتين تفتقدان العدل والرحمة وهما:

• استغلال الإنسان لأخيه الإنسان بلا رحمة.

• تعذيب الإنسان وإهدار آدميته في غياهب المعتقلات وأقبية السجون، خاصة لهؤلاء المطالبين بالعدالة، الصارخين طلبا للمساواة وتكافؤ الفرص.

وهاتان الظاهرتان نجدهما مبثوثتين في كثير من أعمال الكاتب السابقة بطريقة يؤكد على أن إزالتهما والأسباب والعوامل المؤدية إليهما ضرورة حيوية إذا ما أريد لحياة البشر أن تستقيم.

وثمة ملحوظة على الفقرة العاشرة من هذا الفصل تتعلق بخطبة المعلم العصماء التي خطبها مطالبا فيها بما سبق فقد نستشعر فيها شيئا من التقريرية وارتفاع نبرة الأساليب الإنشائية الطلبية.

ووقف الكاتب على قضية وحدة الوجود في الفصل الذي يحمل عنوان "أوقات للجلوة والاضطراب"، ومعروف أن كثيرين من المتصوفة تكلموا فيها ومنهم محيي الدين بن عربي والحلاج وغيرهما، إلا أن هذه القضية كانت دائما مثار جدل وخلاف كبير في تاريخ الفكر الإسلامي خاصة في القرنين الرابع والخامس الهجريين، حيث عارضها كثيرون من مفكري وفقهاء المسلمين. فالخالق عز وجل عند جل مفكريهم، متعال على خلقه. قال تعالى: "وهو الكبير المتعال"، وقال تعالى: "وهو العلي الكبير"، وقال سبحانه: "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما".

وبعض باحثينا في التراث الصوفي خاصة تراث الشيخ محيي الدين بن عربي كالأستاذ عبد الحفيظ القرني، يذهب إلى أن مثل قولهم:

ومن أنت يا ربي؟ أجبني فإنني ** رأيتك بين الحسن والزهر والماء

"إنه قول لا يقصد منه حلول أو اتحاد أو اندماج بين الخالق والمخلوق ولكن يقصد منه ظهور قدرة الله وآثاره وعظمته في العالم بأسره".

ويذهب طه عبدالباقي سرور إلى أن "وحدة الوجود في رأي الصوفية، غيرها في رأي الغربيين والمستشرقين، لأن الصوفية يفرقون بين الله والعالم، ولكنهم يرون أن هذا العالم الظاهر لا وجود له حقا، وإنما الوجود الحق لله تعالى، فليس هو العالم ولا العالم هو، أما غيرهم فيرون أن الروح والمادة شيء واحد".

في فصل "مع الوحش وأمامه وفوقه"، يتناول الكاتب بين سرد ووصف وحوار، حياة الكائنات الأخرى من وحوش وطيور وزواحف وحشرات ونباتات، ويشيد بحكمة فطرتها والقوانين التي تحكم حياتها وتضبط علاقاتها، بالرغم مما يبدو في الظاهر من وحشية بعضها وفتكها لبعضها البعض. وينهى على لسان المعلم، عن تحقير هذه الكائنات أو التهوين من شأنها. فكلٌ مقدر لما خلق له، قال تعالى: "والذي قدر فهدى"، وقال تعالى: "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى".

إن كلا من هذه الكائنات، يؤدي وظيفة في حلقة واسعة متصلة، وكل يسهم بدور ما، في تحقيق التوازن والانسجام البيئي. إن قضية البيئة من القضايا الحيوية التي يطرحها الكاتب في هذه الرواية. ويتضمن نفس العنوان مشهدا حيا ومثيرا لصراع شرس قاس بين المعلم ولبؤة هصور، من خلال معركة حامية الوطيس، ينتصر فيها المعلم أخيراً، ومظهراً لبعض كراماته خاصة في مشهد ترويضه للأسد وامتطاء ظهره هو والمريد، وهو ما يؤكد تفوق الإنسان وقدرته على تسخير الحيوان وتميزه على سائر المخلوقات.

ويقف بنا عنوان "أنا ومعلمي والكريهة" على بشاعة الحروب وقسوتها وأهوالها وإهلاكها للحرث والنسل، وهي قضية طالما شغلت أدب قاسم عليوة، وقد تعرض لها بصورة أكثر رحابة وتفصيلا في مجموعته الشهيرة "لا تبحثوا عن عنوان.. إنها الحرب.. إنها الحرب" عام 1999.

ويتجسد لنا في الفصل الذي عنوانه "الرؤية والإدراك" مشهد لصراع الغزالة مع فهد كاسر وكأنه يأتي في موازاة وتعاطف مع صراع المعلم واللبؤة الهصور، وهو ما يعكس ثمرة الإخلاص والتوكل وحسن اليقين. ويلخص الكاتب روح العنوان السالف وما تضمنه، بقوله: "الرؤية ليست شرط الإدراك". الرواية صـ 104.

وفي الفصل الذي عنوانه "قال معلمي: شيخي يحتضر" تأكيد على ضرورة المعلم للمريد، ووصف للكيفية التي ينبغي أن تكون عليها أخلاق المريد وسلوكياته مع معلمه، وفيها يأتي المعلم ببعض الكرامات ويذكر كرامات شيخه.

أما في "ثمرات المودة وعقوبة الانفصال"، فإن أعظم ما جاء تحت هذا العنوان، قول المعلم الموجز البليغ: "الكون ضرورة" وقوله للمريد حين سأله عن سبب الشكل الدائري لأجرام الكون: "تمام الاكتمال في الدائرة"؛ أما الانفصال فقد فهمت كقارئ لـ "الغزالة"، أن المقصود به، الخروج على طاعة الله وحكمة مطلوباته، فمعنى ذلك هو الخروج من واسع رحمته. والمخلوق إذا وُكَّل نفسه لنفسه أو اعتراه غرور وإحساس بالاكتفاء، ففي ذلك هلاكه وبواره. ولنا في قصة سيدنا آدم وغرور إبليس المثل الجلي، لكن الكاتب يرمز لهذه الحقيقة الخطيرة بأمثلة كونية أخرى، كمروق بعض الشهب والنيازك متوهجة الاشتعال ثم ما تلبث أن تنطفئ ويُلقى بها غباراً ورمادا في مهب الريح، إلا أننا نضيف، أنها قد تكون جنوداً مرسلة من الله سبحانه وتعالى على أعداء الله وخلقه ممن يحاولون استراق السمع لأمر السماء.

ويعبر عنوان "في معية اللازوردي المخاتل" عن حب الكاتب الشخصي للبحر وتعلقه الشديد به كأحد أبناء البيئة الساحلية التي طالما تغنى بها وصور لنا الكثير من عوائدها وأعرافها في العديد من أعماله مثل: "تنويعات بحرية" 1982، "صخرة التأمل" 1989، "حكايات عن البحر والولد الفقير" 2007.

ويرسم الكاتب لوحة فنية بديعة وشفيفة في إطار عشقه للبحر، يلتقط فيها بخيال خصب وبراعة حس مشهداً لالتقاء ضوء القمر بصفحة الماء الهادئ وسط ليلٍ ساج يسود فيه الأفق سلام شامل.

وفي "زيوت المسارج وفتائلها" يتناول الكاتب قضية العلم والمعرفة وأنه خليق بمن أدرك حقيقة العلم وجوهر المعرفة أن يكون متواضعا، وأن غرور العالم مهلكة، وفي هذا الفصل، يفضل الكاتب على لسان معلمه علم الحساب والهيئة على علم البلاغة والبيان، وأن خير البشر هم المبدعون، لأن المبدع لا يبدع إلا بالتضحية والاحتراق، وأننا لا يجب أن نخدع وننبهر بالمتشدقين والمخادعين ممن يستعرضون الأسماء والعناوين أو أطرافا من الآداب والعلوم لمحاولة إظهار إحاطتهم وهم في الحقيقة لم يتعمقوا شيئا منها؛ وأن من يستطع الخروج على إلف العادة ويجاهد لتجاوز مقولة "فهل غادر الشعراء من متردم؟" إنما هو مبدع بحق. يقول الكاتب على لسان المعلم: "الكشف هو معرفة ما تغيبه الألفة وعلم ما تخفيه العادة".

وأما مقولة المعلم عن مؤلفي كتب العقائد إنهم في الحقيقة "لم يبحثوا فيها إلا عما يعتقدونه هم" ففيها تعميم مخل. وفي هذا الباب أيضا، ينعي الكاتب على أمتنا حاجتها الملحة للعلماء، وما نعانيه أشد المعاناة من ندرتهم وقلتهم. كما يحمل الكاتب حملة شعواء على استخدام العلم سلاحا للدمار والخراب ويتحدث المعلم في ذلك حديثا مفعما بعظيم الأسى وعميق الحزن والأسف.

وفي "دهن ذائب في قدر متقد" يتعرض الكاتب لشيء من آداب أهل الطريقة وهو التواضع الجم والاستصغار العميق لحالهم وذواتهم، وأنه ليس بالمتصوف الحقيقي من جاهر بكراماته أو تباهى بفتوحاته وتجلياته.

ثم نأتي إلى الفصل الأخير وبعد أن انتهت مهمة المعلم مع مريده واستكملا معا الرياضات والسياحات والمجاهدات، فلا بد أن تأتي لحظة الفراق. لقد تأكد للمعلم، أن المريد أصبح على الطريق، فما كان إلا أن غادر تلميذه في صحبة غزالته، وما كان من المريد الذي أوشك أن يكون معلماً، إلا أن هام متألما ضارباً في الأرض، وهو في سياحاته تبدأ معه مرحلة جني ثمار المعرفة وحصاد جهد المجاهدة والبصيرة. ويرمز الكاتب إلى ذلك باستغراقه في مشهد حسي مع امرأة ينتشي لذة بجسدها، وإذ هو على هذه الحال يأتي رشأ رشيق مسرعاً، راح يتمسح بساقه دون أن يعطله عن الالتذاذ بحلاوة المعرفة والانتشاء برضاب الوعي والإدراك.

وبعد.. فأنا والغزالة، بإزاء حوارية سردية وصفية، حشدها المؤلف بحكيم القول، وألق الكشف، وعميق النظر والرؤية، وبدت لغتها ذات طاقات شعرية عالية وعباراتها حافلة بثراء التراث اللغوي العربي ورصانته. ويستطيع القارئ أن يشرع في قراءتها من أي عنوان يتاح له، ثم ينتهي في الختام إلى نقطة البدء، دون أن ينقص هذا من قدر إحساسنا بتواصلها. لقد كانت دفقات الغزالة السردية وحيويتها الحوارية، مصدراً للتأويل الخصب والرؤى المتفاوتة وكمن فيها سر السبك وسحر التركيب وتساوقات الدلالة، مما يفسح مجالا واسعا للذة القراءة ومتعة الاستغراق وتحليل آليات الاتصال والانفصال. وبالرغم من ذلك كله تظل لنا حولها ملاحظات، منها ما سجلناه أثناء هذه الدراسة، ويبقى لنا أن نسجل ونحن ننهي قرأتها الآن ما يلي






لتحميل الدراسة كاملة بصيغة PDF


 قراءات في الرواية والقصة القصيرة - نماذج من الرواية البورسعيدية الحديثة - PDF

مشاركة