الاثنين، 20 فبراير 2006

" أحب نورا - أكره نورهان " سرد أنثوي يواجه القهر و يعيد صياغة الواقع

" أحب نورا ... أكره نورهان " هي المجموعة القصصية الثانية للكاتبة عزة رشاد أصدرتها عن دار شرقيات أواخر عام 2005م , هذا وقد نشرت معظم قصص المجموعة " الإحدى عشرة " في دوريات أدبية لامعة , كالثقافة الجديدة , أخبار الأدب وأدب ونقد وجريدة " القاهرة " وكانت الكاتبة قد أصدرت روايتها الأولي " ذاكرة التيه " عن دار ميريت للنشر عام 2003م .

وفي وسط مشهد روائي وقصص آني يتسم بالغني والتنوع , ويحفل بكتابات تسوية كثيرة , من بينها أصوات عدة متميزة , تأتي الكاتبة لتوقع ألحانا سردية ذات إيقاعات هادئة وبصوت أدبي عذب رحيم , هذا بالرغم من معالجتها للكثير من المسكوت عنه , وخوضها مناطق عديدة محظورة وشائكة في عالم مفعم بالتناقضات والمفارقات والصراعات المتضاربة سواء أكان هذا العالم هو واقع الذوات الإنسانية وبخاصة المرأة التي تعيش في حومته تعاني ضرورياته وعبثياته , أم عالمها الداخلي المائج بشتى ألوان المعاناة واصطراع نزعات التحرر والانعتاق , وتعاطي أطياف الأماني والأحلام , أي حين تتجلي صور الواقع علي مرايا عالمها النفسي وتنعكس آثاره العميقة فوق صفحاته .

ومصدر العذوبة المنسربة في نصوص الكتابة – روحا ونسيجا – إنما ينبع - فيما أزعم – من تلمس ثلاث مظاهر واضحة في أعمالها:

أولاهما : قدر كبير من الصدق والمصارحة تكتب به , يبتعد بها عن الاصطناع والتزييف أو تعمد الغموض و التعقيد أو إدعاء بطولات كاذبة .

ثانيهما : حس إنساني ناعم وشفيف , يأسر المتلقي ويحول عملية القراءة إلي متعة وشغف يدفع القارئ ويحثه علي إكمال تجربته القرائية بل ومتابعتها فيما يعن لها من أعمال

ثالثهما : إنتاج حالة من التماهي اللصيق والتماس الحميم بين الراوية والمروى له وكأنها تتحدث عنه وتروي عن همومه , ويكاد الصوتان يلتحمان مع صوت الراوي الضمني مما يعمق المصداقية والمعايشة , والسرد لديها يتدفق من فيوضات زاخرة بالبوح والذكريات والمونولوجات , وأحيانا الجلوس علي كرسي الاعتراف بنزعة تطهريه لا تنقصها روح الشجاعة وعنف المواجهة مع النفس أحيانا .




ويتشكل مجري هذه الفيوضات من منبع الراوية الشخصي وما يرفده من مياه سردية تتدفق لتثريه وتعمقه , وذلك بتنامي علاقاتها ونضج الفكر والوجدان عبر أطوار حياتها حين تتعامل مع عالم الأسرة والأقارب والأصدقاء وزملاء العمل ..الخ

وتلتقط الكتابة مادة تجربتها القصصية والروائية من تفاصيل هذا المنبع ورصيد خبراتها المكتسبة والمتراكمة نتيجة المعايشة , والخوض في مياه الواقع , وردود أفعالها المختلفة , هادفة بإصرار , ساعية بوضوح , إلي تغيير مسارات الواقع العاصفة , ومواجهة تيارات قهره , وترويض أمواجه العاتية أي إعادة صياغة مقررات هذا الواقع من جديد .
في قصتها " الليل .. لما خلي " تعرض لنا الكاتبة صورة لامرأة تتآلف جزئياتها من ملامح علاقة هذه المرأة بنفسها وبالعالم من حولها البيت , الزوج , العمل , وذلك من خلال استعراض جانب من برنامج حياتها اليومي حيث تتحرك المرأة حركتها اليومية المعتادة وهي تعيش تناقضات الواقع ما بين شعوريين , شعور مسيطر بالتعاسة والإحباط , وآخر إحساس عميق بالمسئولية وإلاصرار علي مواصلة الحياة بل وأن تبعث الحب في حياتها لتستطيع به احتمال أثقال الواقع ووطأته

" ما إن تجاوزت قدماها باب المستشفى حتى بدأت تقسم الطريق إلى ثلاثة أقسام كما اعتادت أن تفعل..يبدأ القسم الأول بسور السجن ورصيفه المهدم المظلم الذي ما كان يقلل من وحشته إلا المفارقات التي تسمعها كل يوم بين الداخل والخارج, فيوما تسمع أحاديث عاطفية حارة,ويوما تصل المشادات الكلامية إلى حد السباب والتوعد, وفى كل يوم تسال نفسها السؤال الذي لم تجرؤ على نطقه قط: من هم السجناء الحقيقيون؟.. توقظها الأضواء في القسم الثاني, على الطريق هنا وأنت تسير بمحاذاة مقهى حمزة الجديد, سوف تسمع شتائم ومعاكسات,ضحكات ومخاوف ومفاوضات بين شباب وشيوخ,شرطيين وخارجين على القانون ,أرزقيه وسماسرة , وهكذا سوف يستمر الضجيج حتى بعد أن تصفعها العتمة القاسية , في القسم الأخير من الطريق والذي هو أقل وحشة بالنسبة لها لحفظها له عن ظهر قلب , فبجوار السور العريض لبيت " برعي" سوف تسمع شتائم الأم لأبنائها ( الرجال بشواربهم , ليس إلا , علي حد قولها ) لأنهم باعوا ورشة أبيهم وبددوا ثمنها , بعد قليل سوف يأتيها صوت " سمعة" الغنائي يشكو زوجته للحارة جمعاء, بداية من جيوبه التي تفرغها كل صباح ونهاية بتفاصيل من المفترض أن تكون سرية وهكذا ينتهي الطريق سريعا , لتجد نفسها أمام باب شقتها ".

والراوية حين تصل إلى بيتها ,يصبح عليها أن تواجه صياح أطفالها ,وإهمال زوجها والتزاماتها كزوجه وأم, فتعد الطعام ,وتراجع مع أبنائها واجباتهم المنزلية ,وتنظف الشقة وأخيرا يتبقى لها قليل من الوقت لنفسها وذكرياتها وأحلامها ,تطالعها صورة أبيها على الجدار المقابل لفراشها ,تستحضر شخصه الذي ( أحبته ومقتته بشدة ) , لقد كان يعطي بسخاء , ولكنها كانت تعلم أيضا أنه يرسل خلفها من يراقب خطواتها عن بعد !

وتتذكر صوت أمها , ومديرها في العمل ذا الأنف الشامخ , تري نفسها وهي تتقلب علي الفراش أنها تقطع رأس أبيها وأنف المدير و ( ساق) زوجها , الذي تكبر حوله شكوكها يوما بعد يوم , تنتابها موجة سخط وغضب , تحاول أن تهدأ وتعيد إلي النفس سلامها .

((... هبت واقفة لترتدي قميص النوم الأحمر ... بدأت في بخ العطر وفك الشعر المعقود , تأملته طويلا حين أتي , تحاول أن تري ما بداخله , أحزنها جمود ملامحه وأرهقت رأسها الهواجس , فرت بعينيها بعيدا عنه وهي تسأله : مع من كانت سهرتك ؟ أجابها : لا أحد ... رفعت قميص النوم الأحمر قليلا عن ساقيها وهي تقول لنفسها : الآن سنري )) .

إن الراوية تحاول استعادة زوجها الذي تكاد تفقد حضوره النفسي والجسدي في حياتها مع دوامة الحياة اليومية التي تستغرقها , لكن لابد للحياة أن تستمر وتتواصل وهي لا تستمر إلا بالتحمل واستدعاء المحبة والأمل وتعميق شعور الالتزام , بذلك نستطيع مواجهة ضجر الروتينية وخمود جذوة الحب والتصدي لعذابات الشقاء اليومي .


نلاحظ في القصة الجمع بين الشخصي والعام , الجزئي والكلي , ونتابع الحاضر واقفين علي ملامحه حين تتصل بالنشأة والتكوين , كما نستشعر الحميمة والمشاركة مع نموذج الشخصية نفسه الذي يكاد يكون امرأة تخص كل منا , وتتعمق المشاركة والتواصل مع التحول السريع لضمير الروي المتكلم إلي ضمير المخاطب ( علي الطريق هنا وأنت تسير بمحاذاة مقهى حمزة الجديد ) , ثم عودة صوت الراوية بسلاسة مرة أخري .


في قصة ( خارج التفعيلة ), تعقد الراوية , الأستاذة الجامعية " سهير " – مقارنة-بين مسيرة حياتها , وبين تفاصيل حياة إحدي طالباتها " رغدة " , التي كانت تتابعها بشغف واهتمام , ومع تتابع صور ومشاهد المقارنة , ينتاب الراوية حالات وجدانية عاصفة ومشاعر متضاربة من الكراهية والحب , التسامح والتشفي , الغبطة والحسد , الإعجاب والازدراء , فالأنثى "سهير " تري في طالبتها رغدة صورة الفتاة التي كانت تتمني هي أن تكون , فرغدة تعيش حياتها ببساطة وانطلاق وتتعامل مع لحظاتها ومواقفها بما يجب أن يوافقها من ردود الأفعال المناسبة دون تكلف أو اصطناع , تحاول الأستاذة إقناع نفسها بأن رغدة فتاة فاشلة مستهترة , تستحق العقاب , ويجب عليها أن توافق عميد الكلية فيما ينوي أن يصدره من قرار بفصل الطالبة من الدراسة فسلوكياتها غير مهضومة , وهي " تضيع عمرها سدي , فتأكل مع أصدقائها التافهين مثلها , وتقيم علاقات عاطفية غير ناضجة "

وتجد الأستاذة في تبريرها هذا غير المقنع والذي يختلط فيه الشخصي بالعملي – فرصة للتشفي من الفتاة التي لم تستطع هي أن تكونها في صباها وشبابها , كما أن موافقتها العميد علي قراره , ربما يزيد من رضاه عنها فيرقيها وربما يعينها وكيلة له .

تصطرع هذه المشاعر معتملة في نفسها خاصة حين تستدعي صورتها في المقابل ... فتاة خجول , متزنة , مطيعة , متحفظة , تستغرقها هموم الدراسة والتفوق , تنتشي حين تسمع عبارات الثناء من الأم وتنال الأوسمة من المدرسة .

" لكني حين كنت أخلو إلي نفسي وأدخل مسرحي الخاص , كنت أبدأ في التعري واللهو كيف أشاء , فأسخر من هذه وأضرب تلك , وأصدر أحكامي و أكافئ جلادي ولما أتخلص من ذلك العبء , أجلس للاستذكار دون انقطاع , فتزداد تقديراتي , ويزداد وزني !؟ .... إنها الازدواجية واتساع الهوة بين سلوكياتنا المقهورة ورغباتنا المكبوتة , وتلك التي نحلم بها ونتمناها ونمارس شيئا منها بعيدا عن العيون , هوة عميقة بفعل منظومة مجتمعية من التقاليد والأعراف والتراتب السلطوي ( أم , أب , عميد , أستاذ , طالبه ) , وتؤكد الراوية ذلك بقولها :

" في أبعد بقعة من أعماقي ... حيث أتعري كما أريد , دون شجب أو تهكم أو امتعاض "

وبعد استعراض صورة من القهر والكبد تلتقطها الراوية من مسيرة حياتها التي امتدت أربعين عجافا من السنوات , تكتشف أنها هي التي تستحق أن توصف بالهشاشة والغباء وليست الفتاة رغدة , وتتمني في أعماقها أن ترتد السنوات كرة أخري وتعيش كما تعيش هذه الفتاة بتلقائية وبساطة , وتدرك أنها كانت ستخطئ خطأ بالغا حين أرادت أن تجعل من هذه الفتاة نسخة مكررة منها , علي اعتبار أنها الأستاذة القدوة التي يجب أن تتمثلها الطالبات , وأن يحاولن أن يرتسمن خطاها لأنها نموذج للمرأة الناجحة , وفق متواضعات المجتمع .

وحين تصل الراوية بمنولوجها التشخيصي الحي إلي هذه المرحلة . تتابع إكماله بمشاهد من واقعها الحاضر معقبة عليها باعترافات قاسية لكنها ضرورية في سياق تصحيح المفاهيم وإعادة صياغة الواقع .

" ... الآن وبعد هذه السنوات أصبحت أسير بينما تسبقني بطني المترهلة , ويؤلمني احتكاك ساقي ... باختصار صرت بشعة لا يصارحني زوجي بهذا , لكني أراه في عينيه , في السأم والبرود الذي غلف حياتنا سريعا , وفي الفراش أيضا , تعرف المرأة كل الحقائق بلغة الجسد ... أشعر أن هناك مواضع كثيرة في جسده لم تعد تعبأ بى ... ساقني للطبيب الذي نظم لي حمية صارمة أخرقها كل يوم لأني أحب أن أكل ... الأكل صار لذتي الوحيدة "

لقد أدت عملية المقارنة إلي لحظة من المراجعة والتوافق , وفرصة في أن تأخذ الراوية قرارات بالتصحيح وتعبر فيها عن رغباتها الجامحة في الانعتاق من هذه الحياة الباردة التي تشكلت وفقا لقواعد الآخرين ومتواضعاتهم , لاكما كانت ترغب هي وتتمني مثلما تفعل رغدة .


إن رغدة تعيش بلا أزمة تعيش ( خارج التفعيلة ) خارج السرب ... صحيح أنها تحسدها , وتريد الكلية فصلها , لكن الراوية في الحقيقة تعجب بها , بل وتحبها , تحبها بمنطق المصارحة والمواجهة , بمنطق الانعتاق والتوق إلي التحرر , وتحبها أيضا أكثر مما تحب الأكل !! ولا شك أن مثل هذا النموذج القصصي وغيره من قصص الكاتبة يضع العملية القرائية في قلب حالة من الوعي وإعادة النظر في معايير تقديرنا لأنفسنا ومقاييس تقديرنا للآخرين , ويدفعنا إلي مراجعة ضروراتنا , وإعادة ترتيب أولوياتنا خلال إيجارنا في خضم

الحياة كما تفعل الراوية تماما .


أما قصة " الصالة المكتومة فتعرض لنا امرأة من وسط الناس هي " فاطمة " متزوجة , حاصلة علي شهادة متوسطة , تحلم بشراء أشياء كثيرة جديدة , وتتمني شيئا من التميز يجعل جاراتها يعاملنها بشكل أفضل , تتهيأ الفرصة لها في إحدي زياراتها لحماتها الثرية العجوز , التي تعيش في شقة ذات صالة واسعة وأثاث جديد ورياش فخم , تلمح فاطمة سوار العجوز ( الثعبان الذهبي ) , ملقي علي أحد المقاعد , تسارع بالتقاطه وهي مرتبكة , تدفعه بيد مرتعشة داخل حقيبتها , في الطريق يتضاعف ارتباكها ويزيد ذعرها , السيارات المارقة في الشارع تكاد تدهمها , تتخيل إحدي جاراتها الكريهات وهي تطاردها , يسرع نحوها رجل يحيطها بذراعيه لينقذها من الموت , تعود إلي بيتها وقد فقدت الحقيبة , يمر عليها نهار اليوم بطيئا ثقيلا , تداهمها كوابيس الرعب وهلاوس الذعر , تذهل عن طلب ابنتها المساعدة في الإجابة علي سؤال مدرسي , تراقب من نافذة غرفة نومها من تتخيلهم يطاردونها , تفيق من تهيؤاتها وهلاوسها آخر اليوم علي طرقات باب الشقة , فإذا بالرجل الذي أنقذها يرد إليها الحقيبة بلطف , ورغم عودة الحقيبة وتأكدها من وجود السوار الذهبي إلا أنها لم تشعر بالراحة بعد , لقد أحست أن السوار تحول إلي ثعبان مخيف يتبلعها , لقد فقدت الطمأنينة والأمان , الأمان الذي يغلق شرنقة حياتها , نعم حياتها شرنقة وإن كانت خيوطها حانية , وهي لا تريد أن تدمرها , ولا تريد أن يتسرب إليها الخوف ويهرب منها الصدق , ولو بسرقة واحدة أو كذبة واحدة تلوث هذه الحياة , تقرر العودة بسرعة إلي بيت حماتها وتعيد السوار كما كان , السوار الذي جعل يومها دهرا ومع عودتها تعود إليها نفسها وتثوب إلي صوابها , يرجع زوجها " محمود " ليلا , تبادره بطلبها المعهود ورغبتها المتكررة في إكمال تعليمها , كان دائما يثور ويهددها بالطلاق حين يسمع منها ذلك , هذه المرة " لم ينتفض محمود , ولم يذكر الطلاق كما ظنت , بل أجابها وهو يخلع ملابسه ويقضم قطعة من الهريسة الحلوة التي اشتراها خصيصا لتلك الليلة : " الصباح رباح يابطة " وانزلق تحت اللحاف , أزاحت بيدها غمامة رقيقة من أمام عينيها وهي تنزلق إلي جواره في الفراش ضاحكة :" الصباح رباح ياحودة ".


بهذه البساطة الأسرة , والمشاعر الحقيقية غير المتكلفة , تقدم الكاتبة شخصيات نصوصها حيث تتخلق من خلال ما تثيره من مشاعر وتداعيات لدي البطلة , ومن خلال ما تطرحه من تساؤلات , وتقف عنده من وقفات تأملية علي محطات حياتها , وما تود بقوة وإصرار علي مناقشته من موروث عرفي واجتماعي فيه ما يحتاج إلي المناقشة إنها شخصيات تلتمس الأمان وتبحث عن التوازن وتحاول استشراف رؤى ودروب جديدة للواقع.


في القصة العنوان ( أحب نورا ... أكره نورهان ) تدخل بنا الكاتبة إلي دهاليز مناطق قارة معتمة داخل النفس البشرية , من خلال أحداث علاقة تنشأ بين خادمة صغيرة ( نورا ) وسيدتها الصغيرة في مثل سنها ( نورهان ) علاقة تنشأ ببراءة الأطفال التي لم تعرف بعد الفوارق الطبقية وتعقيدات مدارج التراتب الاجتماعي وبرتوكولاته المظهرية الجوفاء , تتنامي علاقة الطفلتين وتكبر معهما , يزداد حب الخادمة لسيدتها نورهان ليست كشخص , وإنما كحالة وأسلوب حياة ونمط معيشي , أي أنها تعشق حالة نورهان وتكره شخصيتها التي تشبه أمها ( مخدومتها الكبيرة الفظة ) , بمعني أدق هي تحب نورا وتكره نورهان , أي تحب نفسها بحالة نورهان وتكره نفسها كخادمة ... إنها حالة من التعقيد والتشابك النفسي أقرب إلي الانفصال وتومئ بالأنانية والرغبة في الامتلاك وتنفجر خلالها نوازع الغيرة والحسد , والجفاء والقرب , التنافس والحياد , يصل الصراع بين الفتاتين إلي ذروة من الحسد حين تتنافسان في حب ابن السائق " إبراهيم " تتأكد نورهان أن الخادمة نورا تحبه كما تثق نورا أنه لن يكون لنورهان بحكم الحاجز الاجتماعي والفارق الطبقي , تتشفي نورا بإخفاء نورهان في إدراك حب " إبراهيم " تنتقم نورهان منها بأن تحاول حرمانها منه حيث نوت أن تقنع أمها بطرد السائق , تتوسل إليها نورا ألا تفعل , تزيد نورهان من إذلالها والنيل منها بمزيد من التعالي والتمايز .

" وقفت أتأملك – أنا الخنفسة السوداء – وأنت تغنين , جملية وساحرة وشريرة , وحين يكاد يغويني حبك العتيق في نفسي , أعود فأتحسس بذرتي فتلتاع روحي ... أفقنا علي صوت أمك ورأيت ذعر الموت في عينيك ( كان ترتدي فستان زفاف أمها وتتقلد مصوغاتها نكاية في نورا ) ... وسقطت شاحبة وغائبة ... نورا أنهضي ولا تتواطئي مع أمك لإدانتي , تكلمي يا نورا لأتحرر وأذهب إلي حيث أريد ... إلي عالم لي وحدي ".

لقد تمزقت نورا إذن جراء معاناتها تداعيات هذا الواقع النفسي الانفصامي المؤلم الذي أنتجه واقع اجتماعي متخلف , فكان السرد أشبه بالمنتج الثقافي لهذا الواقع المريض ... انه سرد يبغي علاجا بالإفضاء والبوح والمواجهة ... سرد يسهم في صنع آليات استقبال جديدة يعايش فيها القارئ المنتج النصي من حيث هو صورة لمؤلف يشاركه معاناته وواقعه العبثي ... سرد باحث عن التحرر والانعتاق بتجسيد الحلم أو السباحة في تيار الوعي , أو الملاذ بذاكرة الطفولة إنها الكتابة التي تحاول مواجهة القهر وتعيد صياغة الواقع .

مشاركة