الأربعاء، 10 أبريل، 2013

القبض علي الخيانة في ديوان ( علاء عيسي ) - دراسة

" الآن ... وحدك تستحق جائزة نوبل في الصبر " والحقيقة أن مداخل العمل من عنوان وإهداء أو نص تعريفي مقتطع تمكن بعد القراءة الثانية للعمل وتتيح لنا وبوضعيتها معا – كمفاتيح ولوح أو نصوص أشارية موازية للنص الأم – مداخل جيدة لتلمس عالم النص والدخول إليه من ذاته دخولا مشروعا ومدعما ببعض الإضاءات التي تيسر لنا عملية التعاطي والتفاعل القرائية ، وهذا بطبيعة الحال – خير لنا كثيرا من طرح نظريات مسبقة أو مقولات جاهزة خاصة ونحن نتعامل مع نصوص إبداعية .

هذا الديوان هو العمل السابع للشاعر علاء عيسي بعد عدة إصدارات لدواوين في شعر العامية ودراسة مشتركة في " القصة القصيرة المعاصرة " وقدر صدر هذا الديوان بعنوان " خيانة " عن سلسلة " أصوات معاصرة " في أبريل عام 2005م .

والشاعر يهدي ديوانه " إلي المواطن المصري " قائلا :

" الآن ... وحدك تستحق جائزة نوبل في الصبر " والحقيقة أن مداخل العمل من عنوان وإهداء أو نص تعريفي مقتطع تمكن بعد القراءة الثانية للعمل وتتيح لنا وبوضعيتها معا – كمفاتيح ولوح أو نصوص أشارية موازية للنص الأم – مداخل جيدة لتلمس عالم النص والدخول إليه من ذاته دخولا مشروعا ومدعما ببعض الإضاءات التي تيسر لنا عملية التعاطي والتفاعل القرائية ، وهذا بطبيعة الحال – خير لنا كثيرا من طرح نظريات مسبقة أو مقولات جاهزة خاصة ونحن نتعامل مع نصوص إبداعية .

فالعنوان " خيانة " المصاغ بالمفردة النكرة بايحاء التهويل والتعميم – قد أتصوره صرخة احتجاجية غاضبة حين يُفاجأ المرء بفعل أو أفعال " متعدية " تنتهك الحرمات وتتجاوز الحدود والأعراف فيصرخ مستهجنا بأعلى صوته " خيااانة !! ويكون صراخه في نفس الوقت – أعلانا فاضحا عن حالة " القبض " علي المنتهك او المنتهكين " تلبسا " مع سبق الإصرار والترصد .

وقد أتصور العنوان " خبرا " لمبتدأ محزوف وتقديره يمكن اختزاله لفظيا في كلمة " حياتنا " فيصبح العنوان " حياتنا خيانة "

وهو ما يدينه الشاعر فعلا وبقسوة ويواجهه بسخرية حادة ممضه لاذعة وبمكاشفة شديدة الوقع صادمة .
وربما نري شيئا من ذلك في الإهداء الذي يهديه الشاعر للمواطن المصري ، ولا أعلم أن كان الإهداء ينطوي علي مدح يشبه الذم أو قدحا يشبه المدح ؟ فالمعروف انه ليس كل الصبر فضيلة ويؤيد هذا أيضا بعض ما جاء في الديوان مثل قول الشاعر :

عُدنا بنشوف الجثث ماليه الشاشات

بس بنشوفها ببلاده

ماحنا عايشين في سعاده

كل واحد منناضامن رغيفه

واللي يلحق فينا يلحق

م الفقير ياكل ويسكت ...صـ 45

وتتوسل قصائد الديوان بوضوح البنية السردية التي يبدو أن الشاعر مولع بها لما تمتلكة هذه البنية من امكانات التحرك بين المشاهد المستدعاه والقدرة علي التقاط تفاصيلها بالاضافة الي انها تقنية تسمح باطلاق تيار البوح والخروج به الي مناقشة الواقع حوارا وجدلا ثم العودة ثانيا الي الذات الشاعرة وهي أشد ما تكون مجادلة وصراعا .

يتبدي ذلك بوضوح فيالقصيدة العنوان " خيانة " التي شغلت تقريبا نصف صفحات الديوان المتضمن ست قصائد نظمت في سبعين صفحة من القطع المتوسطة .

وعنواوين هذه القصائد هي : خيانة , أبو طامع , من مواطن للحكومة , جحا العربي شئ لزوم الشئ , اوعي تموت .

وقصيدة " خيانة " أتمثلها معلقة تلخص ديوان حياتنا المصرية المعاصرة الاتية علي مستوييها الفردي والجماعي ولكنها معلقة لن تعلق علي جروح مقدسة أو تعلق بالقلوب بل ستعلق علي مشاجب ظهورنا لتدمغنا بالادانه او تصفح وجوهنا زجرا وتبرما .

وتبدأ رحلة القصيدة حركة بنيتها السردية منطلقة كما أشرنا – بتيار البوح – من أعماق الذات الشاعرة , الذات التي ترثي نفسها تارة وتجلد نفسها تارة أخري أسفة مترجمة علي احلامها البسيطة الموءودة حينما تحت ضرورات الحرمان وحينما أخر مزجورة باعراف المجتمع ومتواضعاته الاخلاقية فتضطر الي التظاهر والكذب قامعة احلامها ورغباتها طي الطبقات الغائرة من النفس حيث تعتمل هذه الاعماق القارة بمشاعر الفقد والالم :

بتسامح كل الناس / الا انت / وتضيع عمرك علي غيرك/ وتدور عنك في الناس / تلاقيك ممنوع / آحلامك بس المشروعة / وحلمك مش مشروع ... قصيدة خيانة صـ6


ويقول :

ومدام الحلم هايبقي مايبينك / انت ونفسك بس / فخلاص / اتقابل انت وهي / واعملوا انكو الاثنين أصحاب وقرايب / واكدبوا لاثنين علي بعض .. صـ7 وتلح نزعة الحكي والاسترسال علي الشاعر فيتعقب أحوال التجربة العاطفية ومناوشاتها العاطفية التي اربكته وهزت كيانة محاولا اخراجها من مكمنها القابع علي جدران النفس ساردا لحالات الصراع ونوباته المنتهية به للمراوغات والكرو الفر والتظاهر بغير الحقيقة حتي لا ينكشف امر حبه ولا يفتضح سر قلبه .


يقول الشاعر :

وعشان بتخاف لمراتك تلمحها في عينك / ف تخبي صورتها في قلبك / ومراتك بالذات لو حست حد في قلبك غيرها / راح تعملك ألف حكاية / فتحاول تضغط علي الصورة في قلبك اكتر ... صـ10

انها صورة الفتاه التي وقع الشاعر أسيراً لحبها حتي أضحي يري الدنيا بعينيها الجميلتين ، تستقر صورة الفتاة في سويداء قلبه ، وتستكن متخفيه في الشرايين ، يتنفس الشاعر بها ، ينام علي طيفها ، ومن عمق نومه يثب علي دقات قلبه مناديا عليها ، فتخرج الصورة مغادرة مستقرها ومستودعها ، وتفيض بسحرها علي أرجاء عالمه الخارجي ، بين الأركان، وعلي كل الجدران ، لتملأ حياته فرحه وترتسم البهجة علي محياه ، وتتألق الابتسامة علي شفتيه لتراها زوجته وتحسبها أنها تخصها وتنعم نفسها بلحظة سعادة هي في الحقيقة مزيفة .

ويخشي الشاعر أن تكتشف زوجته حقيقة مناجاته وسر ابتساماته ، فيسارع باخفاء الصورة ضاغطا عليها مرة أخري .. وهكذا يستقرئ تيار البوح حالات النفس وصراعاتها وتغوص الأبيات بمبضع الاعتراف والمكاشفة لتعري علي السطح أخص أسرار النفس وأدق عواطف القلب وربما تري في ذلك علاجا وتشعر مع الاعتراف والجهر بمكنوناتها بالهدوء والراحة .

وتنثال الصور والمشاهد وتتداعي ويتحرك مجري تيار القصيدة متنقلا من الهم الذاتي الي الهم الجمعي والقومي ومن ضرورات الفرد الي ضرورات المجتمع ومن الآم معتمله في النفس وفي نطاق الأسرة الصغيرة إلي الآم الناس وعوامل إحباطاتهم في الشوارع والميادين ومواقع العمل .

ويتخذ السرد من مانشيتات الجريدة اليومية المكتوبة بالنبط الأسود وسيلة فنية يطل منها وينفذ من خلالها ، يجوس في أحراش ومستنقعات غابة حياتنا القاسية الضارية بأحوالها العبثية المزرية ، أحوال طالت كل شئ حتى الثقافة والفن والأدب :.

تنزل من بيتك وتبص بعينك علي الجرانين / لجل تدور علي أي قصيدة / يمكن سهوا تنزلك ../ أو حد يهمك / تتصفح كل الجرانين / ما تشفش غير بس دراسة لناقد / عن واحد ما بيعرفش شئ عن وزن الشعر / ما بيعرفش غير الصوت العالي وبس .. صـ 21

ويقول :

عينيك تنزل على الصفحة الفنية/"مهرجان القاهرة السينمائى الدولى "/ خالى من الافلام المصرية/ تضحك أكتر/على النجمة إياها/اللي بتعمل انها بتغنى/ وافقت للشركة اخيرا على العقد أبو أية..؟

كام ..؟/ مليون دولار!!

يعنى × 5و7يساوى /كتيييييييييييييييييير

أكتر حاجة تشوفها الصفر /ف بتتحسر..ص27

ومن مثالب عورات أحوالنا الجمعية,يعود تيار البوح أدراجة , إلى حيث انطلق من مكامن الذات وهمومها ,في تأكيد على عضوية الهم وقوة و شائجة وضرورة الجزئى للكلى ,وارتداد الكلى إلى الجزئى ..

وفى مشهد يعمق الأسى ,ويكرس أحزان النفس تحت إلحاح مطالبها الحياتية وإحساسها المؤلم بمرارة العجز ,يتكسر برواز صورة الحبال التي شغلت صفحة من حياة الذات الشاعرة وعاشت وقتا من عمرها مشغولة بها , تتكسر صورة هذا البرواز الجميل تحت وطاة كوابيس الواقع ,وشدة الفاقة ,وتجربة مرض الم بالبنت الصغيرة ,ريحانة الأم وقرة عن الأب:تحاليل وأشعة/ودموعك بتنزل /لحظة ما بتسمع/عملية/تحزن لما تحس بحبيبك فاضى/ومرارتك بتقاسمك حزنك/ تخلع باايديها الشبكة /م متسيبشى غير الدبلة المنقوشة عليها اول حرف ف اسمك /الدمع بيكترجوه فى عينيك /والصورة جواك تتخبى / ثوانى الوقت ساعات بتعدى /من وش الدكتور تتطمن/تجرى تروح للبنت/الصورة تحاول تظهر/ف البرواز يتكسر /فتدوس الصورة برجليك /وتشوف البنت النايمة جنب مراتك /تضحك لما تشوف البنت بتضحك/ فتلاقي الصورة بتظهر / فيها مراتك ويا البنت / وبتتنفس بيهم / وتبص لربنا وتستغفر ... صـ 32

بهذه الفرحة بنجاة البنت الصغيرة من أزمة مرضها المخيفة يصل البناء السردي إلي نهاية خطة النازل لنقطة الحل وانفراج الأزمة ، بل يسفر أيضا عن انفراج أزمة عاطفية حادة صنعتها الذات الشاعرة لنفسها وعاشت أوهامها كما لو كانت حقيقة طلبا للنسيان وهروبا من عوامل الإحباط ، وأسباب الانكسار الفردي والعام .

وهكذا تحتشد القصيدة بعناصر البناء القصص والصياغة السردية من شخصيات وأحداث وعقدة وحل ورصد مشهدي لأحوال نفس وهموم وطن .

في الزجيلة الساخرة " من مواطن مصري للحكومة " يعتمد الشاعر الخطاب القولي الإنشادي في صورة متأصلة في الوجدان الشعبي المصري منذ القدم وهي صورة أشبه بشكايا الفلاح الفصيح يجترها من مخزون وعيه ليحفل مضمونها أيضا بخيانات مصاغة بأسلوب تهكمي نقدي يعمق روحة الساخرة الإيقاع الموسيقي الواضح ذو الأبيات المتتابعة المحملة بالتجنيس والتقفية وتحفل القصيدة / الزجلية برسم الصور الكاريكاتورية القائمة علي المفارقة حينا والتظاهر بالجهل والتغافل حينا أخر ، وهي استراتيجية وقائية يجيدها ويمهر فيها فلاحنا هنا المصري بخبرة واسعة وعميقة أردفته إياها عصور الاستبداد الطويلة مما يجعله ذا قدرة ومهارة في تعاطي أساليب وأفانين التخلص والمروق من مزالق السياسة وعواقب الإدانة المباشرة :

حد قال إن الغلي كان قصد منكم ؟/ دانتو نيتكو المساعدة / بس طبعا للأسف / الظروف ماهياش مساعدة / يعني مثلا ... / تصرفوا ع اللي يعوز / لا يجوز ما كفياكوا تفكروا في الشعب كله / كل واحد مصروف له وجبه / مكرونة وزيت وسمنه وكيلو رز ونص عدس / يعني كشري / ناقصة إيه ... / حبه طماطم تبقي صلصة / والفطار والعشا معمول حسابهم ( نص فول ) ... صـ 44

بالإضافة إلي ظاهرة الغلاء الفاحش الذي اكتوي الناس بنيرانه ، يستعرض الشاعر في شكواه ظواهر خيانية أخري مثل : ظاهرة نهب البنوك , ظاهرة الرشوة والمحسوبية , ظاهرة تحول كثير من الموظفين إلي تجار شنطة يطوفون بالشوارع وعلي المنازل ......... الخ

يقول في ظاهرة الطبقية الصارخة واصلا بينها وبين بعض أثار الغزو الثقافي : والغني عايش في فيلا / فيلا فيها كل حاجة / دش بيجيب من أوربا / واحنا نخطف " كابل منه / تلقي ناس صابغة شعورها / والشباب مابينخش / واللي نفسه يعيش يعيش / واللي عايز يغتني فيه ألف فرصة / منها يعني ... / البنات تلبس مفيش / وتروح تغني / أو بمعني تاني أوضح / حد يتبناها ترقص / لحظة تبقي مليونيرة / شد وش وشعر عيرة / يوم وليلة .../ تبقي دي النجمة الجميلة صـ 47 وعلي طريقة " والسلم عند النجار , والنجار عاوز مسمار , والمسمار عند الحداد ... الخ

يتعرض الشاعر لأزمة خانقة من أزمات الشباب ذات الحلقات المتصلة وهي ازمة الزواج وتكوين اسرة يقول : الشباب مالي البلد من غير جواز / والجواز عايز شقق ، والشقق عايزة جهاز ، والجهاز عايز خشب / والخشب جوة المعارض / والمعارض بالفلوس / والفلوس عند الغني ...... الخ صـ 46

وينهي الشاعر خطابة الشاكي بتقدير الحقيقة الواقعة وهي :

الغلابة في البلد مالهاش مكان / هو ده نهاية المطاف / هو ده نهاية الكلام . وهذا الشكل من المأثور الشعبي كان يتردد كأغاني شعبية في جلسات التسلية وأمسيات اللعب خاصة للأطفال ولكن الشاعر يستثمره هنا مضمنا إياه بعض شكايا أهله وناسه شكايا هو أيضا يكابد آلامها ويشاطرهم معاناتها وهو بذلك ينوب عنهم في رفع همومهم للحكومة .



وفي قصيدة " جحا العربي " يستهجن الشاعر مواقف الخنوع وسياسات الابنطاح ويتوجه بالتعنيف القاسي للإنسان العربي الذي أدمن الانكسار واعتاد التسريل بأثواب المذلة والعار ، دافنا رأسه في الرمال ، ملتمسا النجاة ، مؤثرا السلامة، جاعلا شعاره " اخ سعد فقد هلك سعيد" يوخزه الشاعر مستنكرا ، ويسخر من مقولاته التبريريه المضحكة مستخدما ضمير المخاطب قاصدا به المواجهه والإفاقة :

اه ياجحا .../ مانت ياللي ياما قلتها / الضرب لو كان في الجيران مش مشكلة /شخر ونام تحت الغطا / وصلني لما هاتوصل عندها / اه يا جحا / ياللي انت علمت البشر معني الكسل / مين اللي قالك ياجحا الضرب ها يوقف هناك / دا الحرب بتقرب هنا / زاحفة وجاية عندنا / واحنا هنا جاهزين تمام / والشعب واخذ ع الصيام / واقفين بنحلف للدولار / أما الجنيه أصبح مسيره العدم ... صـ54

وهكذا يرجع الشاعر مسببات خزينا بين الأمم إلي أسبابها الأصلية وعواملها الداخلية وإبرازها السكوت والرضا بالخنوع والمذلة :

بقي حالنا يصعب ع اليهود / وعشان كده / حطوا القواعد عندنا / جابوا جنودهم ارضنا / الضرب فينا ومتنا / بقينا أعداء البشر / هما الضحية / واحنا / أصبحنا / خطر صـ56 .

وإذا كان الشاعر قد واجه في قصيدة " جحا العربي " سلبية الاستكانة ومنطق التبرير للمذلة والهوان , فأنة في قصيدة " شئ لزوم الشئ " يواجه ذاته الغارقة في المشاكل والهموم ، ولكن هذه المرة ليست مواجهه اللوم والتعنيف، وإنما تمثل القصيدة حالة اقرب لمنولوج التصالح والتوافق مع النفس في محاولة لإعادة التوازن إليها والتعايش معها بسلام

إن الشاعر في هذه القصيدة يحاول أن يستعيد للشعر احدي وظائفه القديمة حين كانت القصيدة تمارس فعل التطهير تطهير يبغي الشاعر به هدنة من الوقت أشبه باستراحة المحارب ليواصل رسالته ويستكمل مسيرته .

ويلجأ الشاعر لاستخدام أدواته الفنية المفضلة فيعالج منولوجة السردي بضمير المخاطب وهو ضميره الأثير الذي يتوافق سواء مع حوار المهادئة أو منطق المواجهه وربما يري الشاعر فيه نوعا من الأرضية المشتركة الواصلة بينة وبين الآخرين علي اعتباره يحتمل أن يكون خطابا للنفس أو خطابا للآخرين فالضمير المخاطب يأتي لديه تجليا للآخر والذات معا ... إنها وحدة المشاركة والمعاناة والمصير :

وانت صغير / كان شعرك زيك اسود جاهل بالدنيا / وما كبرت / وعيونك شافت كل الأهوال / اتبدي يبيض / يعني اللي بيحصل عادي / شئ لزوم الشئ / أوعي تزعل نفسك / هاتزعل نفسك علي ايه ... صـ 59

ويستعين الشاعر في تطيب النفس بعقاقير الشعر، فهو يستخدم طرافة التورية وتشخيصه للمجاز الاستعاري في مثل قوله :

الزعلة بتاعتك عملت ايه ؟ / جابت لك ضغط الدم ورشت / ع الضغط شوية سكر / قلبك بقي زيك خايف م الموت / بيحاول يهرب منك / ويسيبك وسط السكه لوحدك سيبة براحته / اوعاك تهتم بدقه / خليه علي كيفه / يدق ... / مايدقش مش فارقة ... صـ 60

والنبرة هنا ليست نبرة الاستهانة واللامبالاة , بقدر ماهي نبرة التحدي والتحلي يروح الشجاعة للتخلص من وهم قاتل وعدو لدود سواء للذات أو للآخر ألا وهو " الخوف" تلك الجرثومة القاتلة والخلية السرطانية المهلكة ... إن الشاعر يطارد بدأب ومثابرة هذا الوهم المميت جاعلا من ذاته موضعا للتحليل وشريحة للاختبار حتي يصل إلي هذه الجرثومة بمسبار الشعر ربما ينجح في تدميرها :

أوعي تموت !! / إلا إن كان الموت يأذن لك / ويجي لك / وينادي عليك / وأوعي تروح للموت بإديك / والدنيا إن كانت قاسية عليك / طنشها شوية وصدقني / نفس الدنيا حتجري وراك / .. اوعي تموت صـ 70

ان الشاعر ليؤكد علي روح المقاومة الداخلية مستخدما أسلوب الامر التحذيري " أوعي تموت " ، وهو يصر علي ترديده باسطا لحروف الكلمتين علي المساحة الاخيرة البيضاء للصفحة ، وكأنه يصر علي تحذيره حتي آخر لحظة، فالاستلام لوهم الخوف وعوامل القهر هو الموت بعينه وهو ما يريده بالتحديد أعداء الحياة الذين ابتلانا الله بهم .

في قصيدة " ابو طامع " وهي بكائية يرثي بها الشاعر صديقه " أحمد ابو طامع " يجعل الشاعر منها تجربة لحظة تنفرد النفس بنفسها بعيدا عن الناس، لتعبر بطريقتها عن حزنها ،وتطلق لبرهة مشاعرها علي سحبتها ، بنأي عن العيون لتطوف ببعض صور الذكريات الحميمة ولحظات التأمل الحزينة :

أبص عليك بعنيه المليانه دموع / وترفض تنزل / مش قادرة تصدق / إن أنا وديتك بادية هناك / ورجعت لوحدي / وبرغم الناس حواليه كتير / مش شايف حد ... صـ38

ويدهش الشاعر متحيرا لموت صديقة المفاجئ ثم ما يلبث ان يتذكر انها عادته دائما معه :

بتسافر سهوة وتحضر سهوة / حتي اما تموت / بتموت علي سهوة / اه يابن الموت !! صـ35 ولكن الشاعر لا يترك نفسه طويلا أسيراً لتيار الذكريات أو يدع وطأة الحزن تستبد بمشاعره وإنما يتثبت حتي في تجربة الموت – بحالة الوعي ورؤيته الرافضة للموت يأسا او هلعا ، ويؤكد الشاعر من خلال مرثيته علي مقاومة الفناء المعنوي والخوف الذي صار أحزمة حول أرواح البائسين تفجرها لينصر منطق العدم وهو ما يرفضه الشاعر بشدة صانعا هذه الصورة الموحية :

كان عايش عمره يخاف م الموت / والخوف عمال بيزيد جواه / في الآخر .. مات /لكن مات من الخوف / أبو طامع شد حزام الموت علي وسطه / وهات يافكيك / وانده " ابو طامع " ماتردش .صـ 35

إن التشكيلات الجمالية التي يرسم الشاعر بمفرداتها تجاربه ومشاهده أو يصيغ بها لوحاته التأملية تأتي لديه متوشجة بحركة السرد الحوارية أو المونولوجين لتلاحق عوامل الانكسار وتقاوم أسباب التهميش والإزاحة بحسها الناقد وبنرتها الكاشفة .

ولعمل أهم ما يُلاحظ فنيا علي هذه التشكيلات ما يلي :

- التتابع السريع للتفعيلات الشاعرية لملاءمة حركة السرد في إطار جوها النفسي وتجربتها الشعورية .

- اصطياد بعض الصور ذات الطرافة والجدة مثل :

وما عينها بتيجي في عينك / بتاخذ قلبك منك / فتتاخذ كل ملامحك / ألوان الطيف تتبعتر من علي وشك / تنزل علي طرف لسانك / ولسانك يتعلثم منك صـ9.

- الإكثار من توليد المعاني واستدعاء المشاهد وتعاقب حالة التداعي خاصة في قصيدة " خيانة "

- الاستعانة بالتضمين وتوظيفه في المشهد مثل قوله :

( ماهو كل الدنيا في عينها ) وقوله ( لو بالعين انظر حبيبي لو بالعين ).

- تعميق الإيقاع الشعري والنفسي باستدعاء الروح الزجلية وممارسة اللعب التجنيس أو التضاد اللفظي والمعنوي .. صـ 69

ومن الملاحظات الجديرة بالذكر أن تقنية السرد القصص إذا كانت تهدف لتأكيد وحدة الموقف ووحدة التأثير ووحدة الانطباع فان هذا العنصر يظل يتراوح بين الحضور والغياب مع تنامي حالة التداعي والاستدعاء مما يؤكد كثرة استخدام فاءات النسق وواوات العطف خاصة في القصيدة الطويلة " خيانة " وربما يعوضنا عن ذلك عنصر التشويق القصصي في القصيدة .

وإذا كان الشاعر في ديوان " خيانة " يرصد ويواجه وينقد فاني اعتقد بأن أحوالنا الآن لم تعد تتحمل المزيد من الرصد والاكتفاء بالإدانه والنقد فقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبي ولقد أن للشعر أن يتقدم خطوات وخطوات ، فيتحول من طور الاستهجان ، ويخوض حومة الوغي ليرد الأشرار صاعهم بصاعين وقمعهم بقمعين ، وإني علي يقين بأن الشعر يمتلك تلك القدرة المهيئة لإدراك الثُأر، المنجزة للنصر، الجالبة للحظة الخلاص .

مشاركة