الأربعاء، 14 نوفمبر، 2007

حضور الذاكرة والعنصر الفلكلوري في حكايات قاسم عليوة "عن البحر والولد الفقير"

"حكايات عن البحر والولد الفقير" هي آخر مجموعة صدرت لكاتبنا قاسم مسعد عليوة، وقد أخرجتها مطابع الهيئة العامة للكتاب عن سلسلة اشراقات جديدة في أوائل صيف 2007 م، علماً بأن الكاتب قد نوه عن تلك المجموعة، بأنها قيد الطبع في ذيل مجموعة "غير المألوف" الصادرة عام 1999 م، كذلك في آخر مجموعة "وتر مشدود" الصادرة في العام نفسه، ومرة ثالثة في ثبت مجموعات الكاتب في مجموعة "عربة خشبية خفيفة" الصادرة في ديسمبر 2001 م، أي ان حكايات هذه المجموعة الأخيرة والتي أرجح انها كتبت خلال النصف الثاني من العقد الأخير من القرن العشرين – أستغرق ظهورها أكثر من سبع سنوات !!

"حكايات عن البحر والولد الفقير" هي آخر مجموعة صدرت لكاتبنا قاسم مسعد عليوة، وقد أخرجتها مطابع الهيئة العامة للكتاب عن سلسلة اشراقات جديدة في أوائل صيف 2007 م، علماً بأن الكاتب قد نوه عن تلك المجموعة، بأنها قيد الطبع في ذيل مجموعة "غير المألوف" الصادرة عام 1999 م، كذلك في آخر مجموعة "وتر مشدود" الصادرة في العام نفسه، ومرة ثالثة في ثبت مجموعات الكاتب في مجموعة "عربة خشبية خفيفة" الصادرة في ديسمبر 2001 م، أي ان حكايات هذه المجموعة الأخيرة والتي أرجح انها كتبت خلال النصف الثاني من العقد الأخير من القرن العشرين – أستغرق ظهورها أكثر من سبع سنوات !!


وإذا كان كاتباً كبيراً ومتحققاً مثل كاتبنا قد إستغرق ظهور مجموعة له كل هذه الفترة الزمنية، فلا نملك حينئذ لشباب الكتاب والمغمورين منهم، سوى ان نقول لهم: "لكم الله".


وتتألف هذه المجموعة من سبع حكايات وهي وفق ترتيبها:


مركب بساجيري، صديق العمر، حكايات عن البحر والولد الفقير، خبطة رأس، فوق اللسان الصخري، بالقرب من القرية السياحية وأخيراً بط البحيرة.


وقد سبق نشر حكاية "فوق اللسان الصخري" في إبداعات مجلة "المحيط الثقافي" بعددها السابع في مايو 2002 م.



والمجموعة تشغل حوالي 120 صفحة تقريباً من القطع المتوسط وهي مشفوعة بدراسة للكاتب الكبير محمد جبريل تشغل عشر صفحات، والدراسة تحت عنوان "هذه الحكايات عن البحر".


يتصدر المجموعة إهداء الكاتب على النحو التالي:


"إلى روح أبي الرجل الذي أورثني حبين: حب البحر، وحب بسطاء الناس"


ثم يتبع الإهداء بملاحظة للقارئ وهي أنه:


"أينما ووقتما وكيفما وليت وجهك شطر البحر، عثرت على حكاية"


ثم يردف في الصفحة التالية هذا النداء:


"يا جمرة الحب بين الضلوع.. اتقدي.اتقدي يا بورسعيد"



والملاحظ حول تلك العتبات الممهدة للمجموعة مايلي:


اولاً: أنها اول مجموعة لقاسم عليوة يتعمد تحديد النوع الأدبي لها بأنها "حكايات" وليست قصصاً أو مجموعة قصصية كما عهدنا في مجموعاته السابقة.


ثانياً: أنها أول مجموعة من مجموعاته يهديها لوالده.


ثالثاً: تأكيده على مرجعية البحر وحضوره مادة كتابة، ومصدر إلهام لإبداعاته سواء أكانت قصصاً ام حكايات.


رابعاً: أن النداء الذي يوجه الكاتب إلى مدينته بورسعيد والمصاغ بتصوير إستعاري ممثلاً إياها بجمرة الحب بين الضلوع، وتأكيده التكراري لطلبه الإنشائي بالفعل "اتقدي" للحث والحفز – يوحي في صياغته وبين طياته ببركان ينشد الكاتب إثارته، وينبئ عن طبقات كثيفة تراكمت من الرماد – يتحرق الكاتب شوقاً لأن تتفاعل وتتقد من تحت أثقالها الجمرات لتضئ بنارها وأنوارها ما جثم على المدينة وعلى صدر الوطن من أثقال التردي وأحمال التدهور وعوامل التشوه والانكسار.


وإذا ما تأكد لنا جميعاً على ضوء ما عايشنا وعانينا – أنه مع نهاية العقد الأخير من القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة – قد شهد عالمنا تحولاً تاريخياً نحو هيمنة القطب الأوحد وسيادة ثقافة العولمة وطغيان امواجها الإعلامية العاتية، وتوجهاتها النافذة من جهة، وشهدت منطقتنا من جهة أخرى مزيداً من التراجع والهزائم والانحدارات، وتواصلت جراح مصر بصفة خاصة في الاتساع والنزيف، وازدات آلامها واوجاعها احتقاناً وعمقا، وتعرضت مدينة الكاتب للتهميش وتداعت عليها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة، وازدادت جموع المهمشين بالمدينة وكثرت الأحياء العشوائية فيها، ومورس التغييب على دورها ودور مثقفيها ونخبها السياسية والمدنية، وتم ازاحتها عن مركزية المشهد الوطني الذي طالما ارتبط بنشأتها ونموها وتطورها، وسادت فيها وهي جزء حميم من الوطن – ثقافة الاستهلاك والتيك اواي والالهاء والتسلية الرخصية المدفوعة بطغيان العولمة وسياسات السوق المفتوحة وآليات الشركات المتعدية الجنسيات – وما نتج عن ذلك كله من خمول روح المدينة وانطفاء جذوتها، وهيمنة احساس عام شديد الوطأة باليأس والتيه والضياع، إزاء كل ما سبق، فلا حيل لأي كاتب ذي حس ورؤية أو حتى أي مواطن بسيط، إلا أن يلوذ محتمياً بأصالته، لائذاً بصبره، محاولاً جهده الإعتصام بهويته، والفزع الى جذوره لاستنفار آليات المقاومة، والدفع بحرارة الحياة لجينات الحصانة ضد ضرورات التشوه، وضروب الضياع، والتصدي لعوامل الهزيمة والانكسار سواء أكانت هذه العوامل داخلية قاهرة أم خارجية مهيمنة متوحشة.






إن ما يؤيد مدخلنا لقراءة المجموعة، يحدد معالم التعامل مع عالمها: 






1- استدعاء لفظ "الحكاية"، وما يذخر به من دلالات ويستدعيه من طرائق تكوين الحكاية نفسها، وما تضمنه من "ثيمات فلكلورية".


2- إهداء المجموعة إلى الأب رمز الأصالة الذي يورث أبنائه حب البسطاء من الأغلبية المقهورة.


3- حضور البحر المهيمن وتواجده بقوة في حكايات المجموعة يبثها من روحه الطليقة، وعنفوانه الفتي الذي لا يشيخ.


4- ذلك النداء الحار لجمرة الحب "بورسعيد"، أن تتقد وتنفض عنها طبقات الرماد وغبار الموت الخانق وحث بركانها أن يعتمل وإرادتها أن تصمد وأن تقاوم.


هذا فضلاً عن العديد من الظواهر السردية والطرائق الفنية التي سنعرض لها خلال عملية القراءة والتعاطي الفني مع عالم المجموعة.






أولاً: الذاكرة تستحضر "أعراف جماعة وملامح مدينة"






لعل الحضور الفاعل، يعد القاسم المشترك في حكايات المجموعة السبع، وهو يبدو أكثر حضوراً في الحكايات الثلاث الأوليات: مركب بساجيري، صديق العمر، حكايات عن البحر والولد الفقير.


ويتبدى هذا الحضور في عدة مظاهر:


1- استدعاء التقنية السردية لضمير المتكلم "أنا – نحن".


2- استحضار بعض اعراف الجماعة والملامح الماضوية للمدينة.


3- وقوع زمن الحكي في مرحلة الطفولة والصبى للراوي / الرواة.


وبداية، فإن الذات أو الذوات الساردة حين تضطر إلى الدخول في عالم الذاكرة، فإنها تدخله غالباً تحت ضغط من الواقع المعيش، وفي آلية دفاعية إزاء عدوانيته، فعالم الذاكرة هو واحة الذات المشتهاة وقلعتها الدفاعية، وبمقدار ما تتيح الذاكرة لهذه الذات سفراً دائماً، هو انعتاق من أسر الحاضر، فإن الذاكرة تنفي حدة اغتراب الذات في واقعها، ولا تتبعد الذات عن الحاضر في الزمان أو المكان إلا لتعود إليه، ملحة عليه بطرائق مباشرة أو غير مباشرة، فهذا الحاضر هو العنصر المهيمن الذي تتحدد بإشاراته الخفية مناطق التوقف في رحلة وعي الذاكرة لمكوناتها عبر الزمان والمكان.


وإذا كانت رحلة الذاكرة قد تعدت الزمان والمكان الحاضرين بصورة جلية في حكايات: مركب بساجيري، صديق العمر، وحكايات عن البحر والولد الفقير – فإنها تعود بدورها إليهما في حركة دائرية في حكايات: خبطة رأس، بالقرب من القرية السياحية.


أي أنها تنطلق من حاضر الكتابة وتنتهي به مهما تبعدت عنه، وفي هذه الدورة بين القصص الخمس، يبرز الكاتب لنا مفارقة حادة شديدة التباين بين واقعين عاشتهما المدينة كان زمانها في كل منهما مختلفاً كل الاختلاف،


أحدهما زمن تألقت فيه المدينة، وكان لها حضورها الطاغي حين تفتح عليها وعي الرواي الضمني في مرحلة الطفولة والصبى وشطراًُ من شرخ الشباب، والآخر الذي شهد مرحلة التدهور والأفول منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، وبالتحديد عقب كارثة العام السابع والستين.


وتشير الذات في تنقلها بين الزمانين واختلاف طبيعة ومكونات كل منهما – إلى ما يؤكد تشوقها والحاحها على تجاوز أزمات حادة وهو ما يعبر عن رغبتها في إستعادة توازنها وتكاملها إزاء قسوة واقعها الذي بلغ درجة قصوى من سوء الأوضاع، وفقد كل شروطه الإنسانية تقريباً.


ويلاحظ الباحث هيثم الحاج علي، على تواتر ضمير المتكلم "أنا – نحن" في كثير من قصص مبدعي المدينة، ويفسر ذلك بما يؤكد ما ذهبنا إليه بقوله:


أنه "ربما نتج عن حالة من التشظي والاحساس بالعزلة، وربما هو نتاج للانقلابات الاجتماعية التي أصابت المدينة، وقد يكون ناتجاً عن احساس ما بتهميش دور المدينة بعد أن كانت في صدارة المشهد الوطني لفترات طويلة من عمر الوطن "1".


فضلاً عن الظلال التراثية الكامنة في ضمير المتكلم وتجذره في تراث الحكاية العربية، وما له من "قدرة مدهشة على إذابة الفروق الزمنية والسردية بين السارد والشخصية والزمن جميعاً، كثيراً ما يستحيل السارد نفسه في هذه الحال إلى شخصية كثيراً ما تكون مركزية، ويجعل الحكاية المسرودة أو الأحدوثة المروية مندمجة في روح المؤلف، فضلاً عن أنه يجعل المتلقي يلتصق بالعمل السردي ويحلق به متوهماً أن المؤلف فعلاً إحدى الشخصيات التي تنهض عليها الحكاية، كما أن هذا الضمير يتيح للسرد وللسارد معاً مساحات للمناجاة والبوح"2.


وكذلك تقديم الشخصيات من الداخل على نحو ما نلمسه بوضوح في الحكايات التي أشرنا إليها.


في "مركب بساجيريه"، وعلى لسان ثلاثة أصدقاء يستدعي السارد أشتاتاً من ذكريات المدينة، وأشياء عن ملاعب الطفولة ومراتع الصبة، فيتحدث عن تلك الصيحة وذلك النداء: "مركب بساجيريه" الذي كان يتناقله أبناء البلد في حي العرب وافاعيل هذا النداء السحرية في الناس، مما يحيل الحي إلى خلية نحل وشعلة من نشاط لتنطلق منه طوائف عدة من صغار التجار وعمال البحر والبمبوطية الى جه الشرق حيث الميناء التماساً للرزق واستجلاباً لخيرات البحر الآتية مع مراكب المسافرين "البساجيريه".


"نتسلل من بين الاجساد والأشياء لنصبح في قلب الشارع عند سور الميناء نقف نرقبهم وهم يخرجون التصاريح والبازابورتات ويحاولون المرور بأجسامهم وبأشيائهم من الأبواب المزدحمة بحرس السواحل والمخبرين، يبهرنا البمبوطية وهم يسارعون إلى فلايكهم يفكونها ويدفهونها بالمجاديف بعيداً عن القزق.. على الرصيف يفرد باعة الأنتيكات حمولاتهم، بالنهار يضعون مظلات من المشمع الفقير، وبالليل يوقدون الكلوبات، وفي مواجه الكل ترسو باخرة الركاب شامخة نظيفة متلألئة ومئات الرؤوس تطل علينا من سطحها ونطل عليها" 3.






ويستعرض السرد ألوان الخيرات التي كانت تجلب مع مراكب البساجيريه من أكياس الشاي الجيد وخراطيش السجائر البحاري وقزايز الريحة الفرنساوي والساعات الروسكوف القيمة والأزياء الإفرنجية من دنجريه وبلمات وكاسكتات حتى حبال الغسيل وجراكن المياه والصور الفاضحة التي تتناقلها أيادي الصبية في السر. كلها جائت من البحر.






ويقف السرد ملياً عند ذكريات عبث الصبيان في حي الإفرنج مع نسوان الخواجات خاصة في شارع السلطان حسين الموازي للميناء ومضطارادتهم لباعة الأنتيكات الجوالين ومعاكاساتهم لأصحاب محلات الصيارفة، ويتناول السرد إحدى مغامرات الصبية الثلاثة "الراوي وصديقاه حنفي وعزيز إبن أبلة تريزة"، حين تعارفوا على ثلاث سائحات إيطاليات هن: سوزانا وإيلينا ومارتا، وكيف إطمئنن إليهم وابتهجن بشقاوتهم وحيثهم إليهن وذهبن معهم في جولة بحنطور الأسطة زرمبة طائفاً بهم شوارع الثلاثيني والتجاري وكثرى وكيف كن منبهرات بحي العرب وما يعج به من حركة وحياة واستمتاعهن بمناظر الترسينات وروائح محلات العطارة وطريقة بيع وشراء السمك وأبراج الحمام فوق أسكح البيوت.






وتزداد مغامرة الاصدقاء إثارة حين يقودون صديقاتهن إلى قلب حي العرب ليشاهدن مبارة كرة قدم بكرة "الطزة" بين فريقي حارة "أبو دنيا" وحارة "أبو قورة"، وتبلغ الإثارة قمتها حين يعترض مجموعة الاصدقاء وصديقاتهن سيرجينت إنجليزي مرة وسلة من جنودهم مرة أخرى، المرة الأولى في شارع الميناء والثانية في شارع كتشنر حيث لا يتم لأولاد البلد العبور إلى حي الإفرنج إلا بتصاريح ومن مكان محدد هو بداية شارع الاشكاربية المتقاطع مع شارع محمد علي الذي يفصل بين الإفرنج وحي العرب.






ويبالغ السرد في وصف المضاردات بين جنود الإنجليز وبين الصبية مستعرضاً أسماء الكثير من الشوارع والمعالم البورسعيدية الشهيرة كشارع ديليسبس وحارة اليهود ومدرسة البونباستير وشارع فؤاد الأول ومقهى البسفور ومبنى المحافظة وجنينة فريال وبار سيسل وكازينو سبلندد وغيرها من المعالم والشوارع، وينجح الاصدقاء اخيراً في الفرار تاركين ورائهم خيبة الجنود والسرجنت الإنجليزي بعد أن وسعوه ضرباً.






والملاحظ من الحكاية ما يلي:






--- أنها جائت في صورة ذكريات مستدعاة من حياة الطفولة والصبى وبالتالي لم تحكم بخط درامي ثابت يبنى عليها حبكة محددة وإنما هي ذكرى تقود إلى أخرى حتى يصل الكاتب إلى التعرف على السائحات الإيطاليات ليطرح من حواشي حكايتهن صوراً إضافية للمدينة وبعض عاداتها، بالاضافة الى إبراز العنصر الوطني والتحرشات التي كانت تحدث بين أبناء البلد وسلطة الانجليز في الخمسينيات من القرن الماضي.






--- إن استخدام ضمير المتكلمين أتاح للكاتب أن يعبر عن صمت الجماعة واشواقها واستدعاء الكثير من أعرافها وعوائدها وملامح المكان الذي كان تمارس فيه الجماعة حياتها.. فذكريات الصبية الثلاثة تكاد تكون كل صبي بورسعيدي كان يعيش في حي العرب أو حتى في حي المناخ في ذلك الوقت.






--- إن حركة السرد ما بين الشوارع والأحياء ولمسات الوصف السريعة لحياة البمبوطية وبعض العادات البورسعيدية في التعامل مع مراكب البساجيريه، تعكس مشاعر إلتصاق وانتماء واعتزاز بالمكان من جه وتحاول من جه أخرى التذكير بجدعنة وأصالة أولاد البلد خاصة مع شخصيات الصاغ رضوان والأسطى زرمبة والسيد سبرتو.






--- إن الحاح كل من السرد والوصف على استعراض الكثرة من أسماء الشوارع والمعالم والعادات ليس مجرد نوع من النوستالجيا فحسب وإنما أيضاً نوع من المواجهة مع الواقع الذي أصابه الكثير من التشوهات على مستوى المكان والإنسان معاً.






"لعلنا لم نحب من شوارع حي الإفرنج سوى شارع السلطان حسين الموازي للميناء ففيه الأبواب التي يدخل ويخرج منها البمبوطية والعطشجية والاشكاريبية وكل من له علاقة بشغل الميناء والبحر. عند طرفه الجنوبي مرسى معدية بورفؤاد وفلايك البمبوطية، وفي طرفه الشمالي تمثال الجنود الاستراليين والنيوزلينديين "الجندي المجهول"، والسلالم الصاعدة إلى حجر ديليسبس، وعند السور نرى المراكب العابرة والراسية، وفيه أيضاً كان كازينو بالاس والفنار والفتارين المكتظة بالأنتيكات" 4.






إن تلك البانوراما التي تستعرض شارع السلطان حسين تكاد تكون مشهداً عاماً تحتفظ به ذاكرة بورسعيدي ذلك الزمان ويرتبط مع كل منهم بصور وذكريات حميمة مازال ألق تفاصيليها عالقاً بوجدانهم.. لقد كان المشي بجوار السور الحديدي بطول شارع الميناء والصعود إلى ممشى حجر ديليسبس هو النزهة والتسرية الأشهر للبسطاء من أبناء المدينة ومازال حتى هذه اللحظة وإن ازداد الشارع الآن ازدحاماً وضوضاء وصخباً والذي أصبح فيما بعد بشارع فلسطين.






ومازال زمن الطفولة والصبى تعج جعبته بالذكريات وبالأماكن والاعراف والعادات التي شكلت ملامح ذلك العصر الجميل، وكأن الراوي الضمني يستشعر أن حكاية واحدة لن تفي حتى وإن تفرعت عنها حكايات ولذا نجده في قصتي "صديق العمر" و "حكايات عن البحر والولد الفقير"، يستكمل ما بدأه في "مركب بساجيريه".






ففي قصة "صديق العمر" يستأنف الراوي السارد بضمير الأنا حكاياته فيروي عن سيرته مع صديق عمره حمادة وعن لهوهما وجدهما وطبيعة المشاعر والأحاسيس المعقدة التي فجرتها تلك العلاقة علاقة "الاصدقاء الأعداء".






علاقة طفولة وصبا نشأت وتوثقت وتوطدت مع ثنائيات من الحب والغيرة، التلاقي والتباعد، التكاتف والمنافسة حتى بلغ الاثنان مرحلة شرخ الشباب، وعلى هذه الثنائيات المتجادلة وحولها دارت حكاية صديق العمر" مستعيدة أيضاً لعادات تلك الفترة وطبيعة المكان فيها.. ويصدر الكاتب حكاياته بهذا المشهد التنافسي وهو أحد المشاهد الكثيرة التي تعكس طبيعة تلك العلاقة حتى أثناء اللعب بسفن الأطفال الصغيرة: "تحركت سفني في قلب العاصفة.. في المواجهة مادت سفنه، شفاهنا تنفخ وتدوم. واللعب تقضي بالاشتباك. من يغرق سفن الآخر ؟ من الفائز ؟ .ناورت وسبقت وتفوقت، لكن سفن حمادة انتصرت !" 5.






تلك كانت مشكلة الرواي، أنه دائماً كان الاسبق والاكثر بذلاً وجهداً ولكن الفوز والانتصار كان في النهاية من نصيب ذلك الصديق حمادة الذي بدا بمثابة قدر للراوي لا يستطيع منه فكاكاً، فالراوي لا ينفك يحصد الحسرات ويجني الإحباطات جراء صداقته لحمادة في نفس الوقت الذي لا يستطيع فيه التخلص من داء صداقته، بل إن هذه الصداقة تفرض عليه الأعباء والتكاليف نزولاً على عادات أولاد البلد الذين ينشأون ويكبرون في حارة واحدة وحي شعبي واحد.






"مصنع الكب ونقف مشرق ومغرب كل شمس خريفية عن ناصية الحارة لنصطاد الحار والمليح. نزرع أغصان الشجر المنتزعة فوق الاسطح وندهنها بالمخيط لنصطاد العصافير ونذبحها بريشيها. نذهب الى البحيرة لنصطاد البئير والخضير والغر بالعصافير وبنادق الرش. "نكرين" دوبار طائرات الغاب التي نسقطها ونخطفها من عيال الحارات المجاورة في نهارات الصيف. وفي كل مرة يأخذ نصيب الأسد الجوعان ولا يترك لي سوى الفتات". 6






وفي مشهد آخر من مشاهد المنافسة يحكي الرواي:






"تحديت أن يصعد الفنار فصعده. أكثر من هذا تشعبط في الساري الملاصق للشمعة وألقى علينا قراطيس الرمل التي حشى بها عبه. فنصبه العيال زعيماً للربع كله وعزلوني إلى بيدق من بيادقه" 7.






وتتوالى مثل هذه المشاهد المستعرضة لعادات لعب ولهو الصبيان كصيد الحناجل وجمع البكلويز من البحر والبحيرة وصيد الثعابين من المزرعة ومضطاردة الخنازير الشاردة في شوارع وحارات حي العرب قبيل الفجر، وحرق دمية اللنبي في شم النسيم وحروب أولاد الحارات بالطائرات الورقية والرقص على نغمات السمسمية مع الصحبجية... إلخ وكلها يفوز فيها حمادة ويعود وحده ناهباً كل اللذات، مكللاً بالانتصارات.






أما "حكايات عن البحر والولد الفقير" التي ضمنتها الحكاية عنوان المجموعة فهي تتناول مشاهد من حياة أسرة فقيرة كأغلب الأسر التي تقطن اطراف حي العرب وايضاً حي المناخ بأكمله حيث تعيش تلك الأسر على الكفاف وعلى ما تجلبه من رزق يكاد يقيم أودها تتحصله يوماً بيوم ومعظمهم من الصيادين أو صغار الباعة وأرباب المهن، ومع هذا يحكي الراوي عن ذكريات المدرسة مما يدل على أن هذه الأسر رغم عوزها فقد كانت حريصة على تعليم أولادها. وتطوف حكايات الرواي وذكرياته حول تنافس أولاد الحارة على حب عفاف زميلتهم في المدرسة ولهوهم على شاطئ البحر ومشاهد الصيادين وأنواع الأسماك والطيور البحرية إلا أن الذكريات المتدفقة بالحكايات تركز على صراع تلك الأسر في الحياة ضد الفقر والحرمان ومدى معاناة أربابها في جلب الطعام لأولادهم، فالأب حين يسمع عن الباخرة التي ألقت بحمولتها من صناديق التفاح في مياة القناة نتيجة لحادث بحري، نراه يترك محل الفحومات الذي يعمل فيه شيالاً ويهرول ناحية بيته ليسحب أولاده وراءه منطلقاً ناحية باب عشرين ملقياً بنفسه في مياة القناة ليتحصل على صندوق أو صندوقين يدفع بهما لأولاده الذين يرون ويسمعون عن التفاح ولكنهم لا يتذوقونه. وحين يعود أصطفانوس وإبنه مكرم بالصيد من عرض البحر بخيرات من الأسماك الكبيرة، يتقاطر عليهما صبية الحارة ليلتقطوا من يتركانه من عظام وزعانف بعد تقطيع السمك وينطلقون إلى أمهاتهم ليصنعن لهم شوربة من تلك الزعانف والعظام.






وببراءة ولغة السارد بطفولة الوعي يتحدث الراوي عن وقوع الأب فريسة الإنهاك والمرض واضطرار الأم للعمل في البيوت حيناً وإلتقاط الأسماك الصغيرة الواقعة من شباك الصيادين حيناً آخر، وتتناول ذكريات الرواي بعض عادات تلك الأسر البسيطة في الافراح والاتراح، ويتحدث عن صديقه فوزي الذي أصابه داء السل "فانتزع منه اللحم وجعد الجلد ولم يبق منه إلا العظم وفجوتي العينين"، بعد أن كان الأولاد يلقبونه "بالعجل الاسترالي"، ويحكي عن محاولاته للتودد إلى عفاف وصدمته بمعايرتها له بإبن الشيال ثم يعود الراوي لمأساة فوزي المحجوز في مستشفى الصدر وتكهرب جو الحارة حين أتاها العساكر والمخبرين للتحقيق في انتحار فوزي صديق الراوي بعد أن عثروا على جثته طافية عند اللسان الصخري تاركاً رسالة يقول له فيها: "زهقت من المستشفى الإبر. سلم لي على أمي وأبي، ولا تفكر في عفاف"، حين إذ يصاب الراوي بالصدمة والغضب ويفزع إلى البحر يبث شجونه وآلامه:


"استندت على مرفقي وأدرت وجهي شطر البحر. كان هادئاً وديعاً ومتهيئاً لغسل هموم المحزونين. قمت واتجهت إليه ومررت كفي على صفحته كان له ملمس الحرير فملت بوجهي ناحيته ودفنت فيه مستمتعاً بملمسه الناعم" 8.






وفي قصة "فوق اللسان الصخري" يتحول الراوي إلى سارد غائب ليحكي حكاية واقعية ولكنها ذات روح رومانسية – عن تلك الفتاة التي تسكن الفيلا وتقع في حب الفتى الفقير بعد أن انقذها بشهامته وجرأته من محاولة بعض الصبيان المدللين للتحرش بها، وكيف أبلى بلاء حسناً في الدفاع عنها عند اللسان الصخري حيث كان قابعاً منهمكاً بصنارته يصطاد السمك. يعتاد الحبيبان اللقاء عن اللسان. علمها الصيد بالصنارة وعلمته قراءة دواوين الشعر. يعلم أهل "نورهان" بحكايتها مع الولد الفقير محمد. يمنعوها من الخروج فتتحايل الفتاة وتنفلت من الفيلا بعد أن حبست بها عدة أيام، يلتقي الحبيبان وينسيان وحشة الفراق لفرحة اللقاء ودفئ العناق، يفزعان على جلبة وأصوات وأقدام تهرول فوق اللسان. إنهم الصبية الثلاثة الذين ضربهم محمد، أتوا ليأخذوا بثأرهم فيما يبدو خلفه أهل نورهان ووالد محمد يتجهون ناحيتهما ايضاً ومع الأب حفنة من أولاد الحارة، جاءوا جميعاً لانقاذهما.






وتبدو فوق "اللسان الصخري" قصة خارجة عن إطار تقنية الحكاية التي انتهجتها المجموعة، إذ يتوافر لها عناصر البناء القصصي من تكثيف ووحدة في الحدث والانطباع والتأثير حيث يشعر المتلقي بأن عاطفة الحب النبيل جديرة بأن تتجاوز كل العوائق بما فيها متواضعات الطبقية والفوارق الاجتماعية.






وربما ينطبق هذا المقياس الفني على قصة أخرى من قصص المجموعة وهي قصة "بالقرب من القرية السياحية"، والتي تتناول حادثة غرق لزوجين من رواد إحدى القرى السياحية ويتحول فيها الراوي ايضاً إلى مجرد سارد مشاهد متفرج يحاول أن يبدو محايداً بعد أن كان سارداً أشبه بالمشارك في "فوق اللسان الصخري"، بل كان أشبه بالسارد الغائب المتخفي وراء الأنا الراوية، حيث لم يخف تعاطفه مع الفتى والفتاة واعطانا إنطباعاً في آخر القصة بما يوحي بنهاية سعيدة، إلا أنه في هذه القصة يتحول إلى "عين كاميرا" تلتقط ظواهر حدث الغرق وأبعاده المادية والنفسيه وتسهب في رسم مشاهد الفزع والخوف الشديد، مستعينة بكل من المدركات البصرية واللحظة القصصية العامرة بالرعب، وإذ يمعن الراوي في محاصرة الزوجين تحت سطح البحر محاولاً أن يصدر لنا المدرك الحسي ليلعب دور البطولة وذلك بصياغة الجملة شديدة التفصيل، فأعتقد أنه لم يفعل ذلك إلا ليخفي عدم تعاطفه مع هذين الزوجين اللذين ينتميان لرواد القرى السياحية !!










ثانياً: العنصر الفلكلوري والثيمات الشعبية:






كما أن حضور الذاكرة كان آلية دفاع ومقاومة ضد ضرورات الواقع وإزاء تنامي الدواعي المنذرة بالخطر، المهددة لهوية الشخصية والمكان، فإن الالحاح على العنصر الفلكلوري واعتماد الثيمات الشعبية في الاشكال الفنية المختلفة ومنها حكايات هذه المجموعة – يعد أيضاً إحدى آليات الدفاع والمقاومة وخاصة حين نعلم أن حضور العنصر الفلكلوري يعني إمتدادية الجذور واستنفاراً للهوية وتعبيراً عن وقاية أعراف الجماعة ورغبة في تحصين ثقافتها الأصيلة من علل التدهور وأدواء النسيان وأخطار الذوبان خاصة وسط ظروف تكبيل الوطن والمواطن وازدياد وطأة الأزمات بأنواعها والامعان في قسوتها، وقد ألمحنا إلى بعض معطيات هذه الظروف داخلياً وخارجياً، إلا أن الخطر يدنو إقتراباً وتزداد دقات نواقيس التحذير حين يزداد تجريف الوعي وتنتشر الأمية الوطنية وتتراجع ثقافة المقاومة وتنقص أجهزة الثقافة الرسمية عن تحمل مسئولياتها خضوعاً لمتطلبات اللحظة الدولية ومصالح الظروف الإقليمية والمحلية، وحين تتخلى الثقافة الرسمية عن مسئولياتها وتتنكب عن ممارسة أدوارها، هنا لابد من إحياء ثقافة الإنتماء ومحاولة كسر الحصار لتنشيط خلايا المقاومة في صورة جماعات أدبية وأدوات ثقافية موازية بديلة وبسياسات مختلفة، ومن هذه الأساليب والطرق استدعاء العنصر الفلكلوري وتعاطي الفن بالثيمات الشعبية وهو ما سنحاول توضيحه من خلال حكايات المجموعة.






ويمكن إلتماس المادة الفلكلورية وعناصرها في حكايات المجموعة في أكثر من ظاهرة فنية منها:






تجليها في فضاء بناء الحكايات، وسيطرة روح الأداء الشفاهي، واعتماد لغة السرد للغة المتداولة "لغة الفهم" فصحة أو لهجية أو تطعيم إحداهما بالأخرى، ومن السهل أيضاً أن نعثر على مجموعة من العادات والتقاليد والمعارف الشعبية وقد أشرنا إلى بعض منها في الحكايات التي تعرضنا لها.






ومن المعروف أن بناء الحكاية الشعبية يقوم على ذكر حدث أصلي يتفرع منه أحداث ثانوية ثم يرتد الراوي إلى الحدث الأصلي، فالبناء الفني قائم على الاستضطراد وتراكم النوادر الفرعية، وهذا التراكم يؤدي بدوره إلى تفريج الأحداث الأصلية للحكاية، فالتراكم يعمل على نقيضه، أي يؤدي إلى الإنفراج يقول رشدي صالح: "أن وظيفة النوادر الفرعية أنها تساعد على ترتيب الحكايات الأصلية وشرحها وإيضاحها وتفسير وظواهر الطبيعة والبشر". 9






وهذا التكنيك المتبع في بناء الحكاية الشعبية لمسناه بوضوح في "مركب بساجيريه" و "صديق العمر" و "حكايات عن البحر والولد الفقير" حيث تقوم ذاكرة الراوي المنثالة بإستدعاء حشد من الصور والحكايات المنبثقة من الحكاية الأصلية، وقد رأينا كيف أن إطلاق نداء الإعلام عن وصول مركب بساجيري إلى الميناء وهو تقليد كان متبعاً في المدينة – يستدعي هذا النداء تدفق ذكريات السارد عن البمبوطية وعمال البحر ومهارتهم وسرعة حركتهم وبعض عوائدهم في البيع والشراء مع الأجانب، كما قاد ذلك عن الحديث عن أنواع البضائع المجلوبة من البحر، وذكريات الكبار والصغار عن المراكب والعطشجية والاشكاربية، وتقاليد الأولاد الأفندية من حي العرب في التجوال عن حجر ديليسبس وشارع السطان حسين ومعاكساتهم للسائحات الأجنبية، وهذا يقود بدوره إلى تناول مغامرة الأولاد في إصطحاب السائحات لحي العرب والتعرض لوصف قطاعات من هذا الحي وبعض عوائد سكانه والأنشطة التي كانوا يمارسونها خاصة ألعاب الفتيان والشباب بالكرة "الطزة" سواء لعبة القدم أو "اللجم"، والألعاب بالطائرات الورقية وبكرات "البلي" وأغطية الزجاجات الغازية، ومشاجرات حارات الحي المعتادة كالمشاجرات المشهورة بين حارتي "أبو دنيا" و "أبو قورة"، وهكذا..






وفي قصة "صديق العمر"، وعلى هامش توصيف العلاقة بين الراوي وصديقه حماده، يسهب السارد في وصف تقاليد الأسرة البورسعيدية البسيطة عن إقامة الأفراح كما يتحدث بإسهاب عن مغامرات الصبية عند البحر والبحيرة وصيد الأسماك وأنواع الطيور المهاجرة كالسمان والبوئير وغيرها، وعوائد أهل الحي في بعض المناسبات الاجتماعية والوطنية كعادة حرق دمية "اللنبي" في أعياد شم النسيم، وتحلق أولاد البلد من الصحبجية حول السمسمية في مسامراتهم واستعراض مهارتهم في الرقص والغناء على إيقاعاتها.






وهكذا أيضاً صارت "حكايات عن البحر والولد الفقير"، وفيها يطيل السارد الحديث عن الأعمال الشاقة التي يعمل بها البسطاء والفقراء من أهل البلد، ويقف على مهنة الصيد وأنواع الأسماك وتسميات البورسعيدية لها، وكيفية طهيها، كما يقف على بعض المهن التي إنقرضت كمهنة الاشكاربية وبيع الفحومات، وعند سرد ذكرياته عن الأسرة يقف على بعض العادات والطقوس في المعيشة والميلاد، وأيضاً ما يحكيه البسطاء من موروث شعبي عن إلقاء خلاص المولود في البحر وحكاية الترسة التي تكلمت ودمعت عن ذبحبها وغيرها من المعتقدات والمعارف الشعبية.






والمعروف أن معظم الحكايات والمغامرات والنوادر المحتشدة في المجموعة والمنتجة في البيئة البورسعيدية وبخاصة بين أفراد الجماعة الشعبية – كانت ولازالت حتى الآن تشكل تراثاً شفاهياً يتداوله بصفة خاصة جيل المخضرمين من أهل المدينة، وهذا التراث ينتقل من صورته الشفاهية المتداولة إلى نصوص مكتوبة في هذه المجموعة، وأزعم أن حرص المؤلف على تدوينها يأتي من منطلق الإشفاق عليها من الزوال هذا من جه ومن جهة أخرى يستدعيها إستنفاراً لأصالة الحس الشعبي خاصة وأنها ترسل في جملتها ملامح جماعة وتشكل تضاريس ماضوية لمدينة في زمن جميل ولى تجسدت فيه روح التضامن والتكافل بين أبناء الجماعة الشعبية كما سجلت فيه مشاعر الإنتماء والوطنية أروع صفحاتها وأمجد أيامها وكأن الكاتب يضع ذلك كله إزاء واقع معيش لكنه مغاير تماماً شكلاً وموضوعاً.






ورغم إنتقال هذا التراث الواقعي من صورته الشفاهية إلى صورة قصص وحكايات مدونة إلا أنه يظل محتفظاً بروحه الشعبية وطرائق الخطاب الشفاهي التي تقوم على التذكر والتجميع والإطناب والإستضطراد والتقليد والمحافظة والمشاركة والدفئ الإنساني حيث يتم خلق مناخ تفاعلي بين المتكلم / السارد والمتلقي السامع / القارئ، ويخضع للتداعي بنوعيه، التراكمي والتقابلي، ذلك أن الإنشاء الشفاهي يعمل من خلال "نوبات معلوماتية" تتداعى على ذهن المتكلم أو الراوية، وهو ما يتضح في المجموعة ربما كان هذا عاملاً اساسياً في قصدية المؤلف بتصنيفها "حكايات".






ومن المهم أن نلفت النظر إلى أننا لا ننشد المأثور الشعبي أو المادة الفلكلورية في حد ذاتها وإنما ننظر إلى إعادة إنتاجها وتوظيفها في النص الأدبي ضمن سياق ثقافي جديد – توظيفاً جمالياً وفكرياً على مستوى البنية الشكلية للنص والبنية الموضوعية "المضمون" معاً، وهذا السياق الثقافي الجديد هو نتاج معطيات واقع الكاتب داخلياً وخارجياً.






وتستمد نصوص المجموعة حيويتها من كونها تحكي نبض الحياة اليومية للبسطاء ومن ثم فهي تعتمد على واقعية الموقف أو الحدث أو التشخيص خاصة أنها مواقف وأحداث كانت نتاجاً للتفاعل بين الإنسان وظروفه في بيئة الكاتب ولذا نجد أبطال هذه الحكايات من البسطاء الذين نشأوا في أحضان الحارات والأزقة، والبطولة هنا بطولة هؤلاء الذين طحنتهم حياة الفقر والبأس والحرمان خاصة مع التحولات الحادة التي شهدتها المدينة والتغييرات الهائلة التي أحدثتها هذه التحولات، وما نتج عن ذلك من بروز حدة التمايز الطبقي وإتساع قاعدة الفقراء، وإزدياد جموع المهمشين ما أدى إلى نشوء أحياء عشوائية على أطراف المدينة منذ أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي والتي أخذت في الاختفاء مع بدايات التسعينيات، والمعروف أن مثل هذه الأحياء العشوائية المهملة تفتقر إلى توافر الحد الأدنى من أشكال الحياة الإنسانية، وهو ما يصوره الكاتب لنا بوضوح في "خبطة رأس".






وهو يسرد بلسان الراوي المحيط "أبو خميس"، القاطن في عشة تقع ضمن حي عشوائي غرب المدينة، وقد أتاحت وضعية الراوي أن يتغلغل بين عشش الحي، وأن ينفذ بسمعه وبصره خلال طرقاته بل جدرانه وشقوقه، وأن يطلع على أسرار الحي وخفاياه على طريقة "الشيخ حسني" في رواية "مالك الحزين" لإبراهيم أصلان.




وإذا كان أبو خميس يرى ويعاين بنفسه، فإن الشيخ حسني نقل كل ما سمعه عن أسرار البيوت وأعاد تصديره إلى داخل هذه البيوت وعلى مسامع أهلها بطريقته اللاذعة الساخرة فأصابهم بالصدمة والذهول.


ونحن لا نعدم هذه الروح الساخرة لدى قاسم عليوة في "خبطة رأس"، بل إن الحكاية تحتوي على مقاطع ومشاهد تدفع القارئ إلى الضحك بصوت عال ومتابعة الحكاية بكثير من الإثارة والتشويق.



وفي الوقت الذي تثير فيه مواقف ومشاهد الحكاية ضحك القارئ، فإنها في ذات الوقت تثير شجونه وأسفه على ما يعانيه أهل هذه الأحياء من كبد ومشقة وما تتعقد به حياتهم من أزمات ومشاكل كثيراً ما تؤدي إلى الانحراف والجريمة: "هرع إلى باب العشة المخلوع ليجدهم منتشرين بين العشش كالجراد بينما تلوح غرزة المعلم رجب فتوح على بعد كومة من خشب وغاب، فلعن الحكومة المغرمة بقطع الأرزاق "ماله يعني الحشيش ولا إنسطال الفقير حرام ؟!" 10



إن أبا خميس يعاني الوحدة والكبت بعد غضب إمرأته "وجيدة" وطلبها الطلاق منه تحت شدة ضغط الفقر والحاجة، أن عم "أمح" فهو يمتهن التسول حرفة له في حي الإفرنج في حين كان "أبو حسني" يعتمد على التهريب من المنافذ، وتعاني "أم حسنين" داء الدرن، وعم "بدير" بائع الجرائد المعدم يتم القبض على ابنه "أحمد" طالب الهندسة بسبب توزيعه منشورات سياسية ويطلب الأفوكاتو من أبيه مائتي جنيه لإخراج الولد من السجن وهو الذي لا يملك قوت يومه.



ومن الإنتماء لروح الجماعة التي تحاول جاهدة، الاعتصام بتكافلها ضد أسباب نفيها وتهميشها، إلى عشق المكان مرة أخرى، والاعتزاز به حيث يشكل الكاتب بقلمه لوحة طبيعية آخاذة رائعة لبحيرة المنزلة وطبيعة الحياة فيها من خلال حكاية "بط البحيرة".



والحكاية لم تكن على ما أزعم هي ما تلح على الكاتب وذلك لبساطتها وإن كان إعتبارها حكاية عادية – بقدر ما كان يلح عليه الخلفية وعنصر المكان الذي تدور فيه وهو بحيرة المنزلة، وذلك فالقارئ لا تشغله حكاية الأفندية الذين نزلوا البحيرة لرحلة لصيد البط بمساعدة أحد الأدلاء من أهل البحيرة وهو "الواد رجب" – بقدر ما تبهره تلك المقاطع الوصيفة الخلابة للبحيرة وطبيعة الحياة الإنسانية والحيوانية فيها، فالطالما كانت البحيرة مصدراً للسحر والأساطير، وموطناً ثرياً للذكريات، ومصدراً سخياً للأقوات والأرزاق، ولذا يأتي السرد الوصفي للبحيرة أشبه بلوحة من الفن التأثيري رسمتها يد فنان عاشق.


"... وفوق المويجات الواهنة، طفت أوراق البشنين بساطاً مترجرجاً يعكس في ومضات سريعة ألواناً حمراء دارية بدت لعيني العجوز المحتبية في السواد – نقوشاً سحرية يكسوها البلل. ومن حولها اهتزت ذؤبات الحلفاء وشواشي الغاب لنسمات خفية المصدر بعدما قطفت أشعة الشمس الطالعة بالكاد عناقيد الندى، تاركة بعضها لينسال على العيدان النحيلة، ويعلق بالبراعم ويسقط محدثاً بقبقات ضعيفة ما تلبث أن تبتلعها دكنة الطحلب". 11


ومن خلال عين هذه العجوز يصف الكاتب حركة الطيور المهاجرة التي كانت تحط بها لأزمان طويلة حيث كانت تتوالى بأنواعها الكثيرة مع موسم الشتاء وتحط على جزر ومراحات البحيرة:

"ميزت أسراب الشرشير والحمراي والبلبول بمناقيرها الفطساء ورؤوسها الزرقاء وريشها المرقط بالأبيض والاسود والبني، وها هو الأوز العراقي يتلاطم أمام عينيها ويدق ويندفع بأعناقه الطويلة إلى الأعالي". 12

كما يتعرض الوصف لبعض عادات أهل البحيرة خاصة في صيد السمك "بالجوبيا" أو الشباك، ومغامرات هواة صيد البط الذين كانوا يغشون البحيرة، كذلك بعض عادات الصيادين المحترفين في حصار وصيد الطيور البحرية واسقاط العشرات منها بالبنادق التي كانت رصاصاتها تكدر صفو البحيرة وتنشر الرعب بين الأحياء فيها:

"من الناحية المقابلة من وراء الحلفاء، رأت أمواجاً سوداء تتدفق بإتجاه المراحات، لعلها لا تعرف المصير، ولا تفهم معنى الفوضى الضاربة أمامها. من سواد الريش والمناقير الرفيعة القصيرة عرف أنها طيور الغر، اصطدمت بدوي الخراطيش فمادت برشاقة وانحرفت في طوابير طويلة مندفعة للاعالي صوب الشمس". 13

لقد تبدت البحيرة في هذه المجموعة ومن خلال تلك الصورة الرومانسية التي احتفظت بها ذاكرة الكاتب وتحتفظ بها ذاكرة جيله حين كانت البحيرة أشبه بمحمية طبيعية شاسعة لا تضم سوى السحر ولا تحتضن إلا الجمال، ولذلك قبل أن تردم مساحات كبيرة منها ليزحف إليها ضجيج العمران وقسوة الأسمنت، وتهجرها أسراب الطيور التي كانت تأتي إليها بالآلاف هاربة من شتاء الشمال البارد لتحط على مياها تلتمس الدفئ والرزق.

وأخيراً نأتي إلى لغة السرد في المجموعة – وعلى ضوء ما اقتبسنا من حكاياتها – نجدها تعتمد الفصحى السهلة الملائمة لروح الحكي، مطعمة أحياناً ببعض الألفاظ العامية، أو ببعض من المصطلح اللهجي البورسعيدي وغيرها من الألفاظ الخاصة ببعض الطوائف في المدينة والتي بدت غريبة بعض الشئ، ولذا نجد الكاتب يضع ثبتاً بها في آخر بعض الحكايات ليوضح ويقرب معانيها للقارئ غير البورسعيدي أو لأجيال من البورسعيديين لم يقفوا على معانيها، وبالرغم من عدم استخدام أكثرها في عامية جيل اليوم إلا أن السياق التذكري المرتبط بالبيئة المحلية وبعض أنشطة أهلها قديماً فرض استخدام هذه الألفاظ على السرد من مثل: البلمة، الدنجريه، النابورتال، الاشكاربية، البراطيم، الكب، الجوبيا.. إلخ.

فالسرد إذ بصفة عامة وغالبة في حكايات المجموعة – يتخذ اللغة السائدة أو الرسمية المفهومة وسيلته إلى جمهور المتلقين، وهو ينتقي منها أسلسها وأقربها مساً للوجدان.. إنها لغة راقية من ناحية وقريبة جداً للفهم من ناحية أخرى.


- لتحميل المجموعة القصصية بصيغة كتاب الكتروني PDF 

مشاركة