السبت، 22 يونيو 2013

مرايا قاسم عليوة وحقائقها العارية

"نبض المرايا" هي المجموعة القصصية الثالثة عشرة للكاتب الكبير الأستاذ قاسم عليوة وذلك إضافة لرصيد أدبي وبحثي حافل يشمل غير المجموعات القصصية ، رواية واحدة هي "الغزالة" 2010م وأعمال قصصية للأطفال ومؤلفه القيم في هويات المدن "المدينة الاستثناء" قراءة مورفولوجية لمدينة بورسعيد .

وفي هذه المجموعة التي تضم 34 عنواناً داخلياً ، يستثمر الكاتب طبيعة المرآة ويوظفها توظيفاً أدبياً وخيالياً فائقاً لتعكس صفحتها صوراً ومشاهد ومواقف ومخاطبات وتأملات عدة ، منها ما يتعلق بالحرب وبشاعتها ومنها ما يعكس وجوهاً وبشراً بما لهم وما عليهم ومنها ما ينبض ويتحرك ومنها ما يزين ويشوه ومنها ما يستر وما يفضح . ومن مراياه ما يظهر ويفصح ومنها ما يبطن ولا يبوح ومنها ما تجلي الأمان ومنها ما تستبطن الشر وهكذا تعكس لنا المرايا الحياة بتناقضاتها ، بفرحها وحزنها ، بأملها ويأسها ، بسعادتها وشقائها ، بكوابسها المفزعة وفي نفس الوقت بأحلامها المحلقة المبهجة .

يقول الكاتب في مقدمة المجموعة متعجباً مندهشاً : "ياه .. كل هذه العوالم في مرايانا تنبض ولا ندري !؟" وكأن الكاتب بعد ان انتهى من التطواف بعوالم الحياة وما تموج به النفس والواقع وما اكتشفه وما استلهمه – كأنه بعد كل هذا التطواف المجهد ، أوقف مداد القلم وطوى الصفحات ثم أخذ شهيقاً عميقاً وقال هذه العبارة . وقبل هذه المقولة يبسط الكاتب اهدائه في ايجاز شديد لكنه دال وبليغ يقول الإهداء : "إلى كل من احببت" .

ويفتتح قاسم المجموعة بثماني قصص تحت عنوان "نبض راعد" ثم يلحق ذلك بعنوان جانبي "لكل مرآة في الحرب وميض" وبالتالي تنقل هذه القصص الثماني مشاهد مما تحدثه الحروب من دمار وما تخلفه من أهوال وويلات وما تحفل به من مشاهد ومواقف إنسانية . ففي أولى قصص هذه المجموعة النابضة الراعدة يبصر القارئ عمارة كاملة منهارة متهدمة ولم يبق منها سليماً سوى تسريحة وأمامها تجلس بنت فوق كرسيها منهمكة في عقص شعرها وبجوارها راديو ترانزستور تتلهى بموسيقاه عن هدير القصف حتى بعد أن زحفت دبابة إلى مكان البنت وحتى بعد أن دوت قذائف من حولها ومن فوقها وتطايرت جثث كثيرة ، "ظلت البنت تستكمل زينتها وتضع البرفان وترش الكولونيا ثم تستدير بمهل شديد إلى الفوهات المتقابلة والخرائب المحيطة بها وتبتسم ابتسامة أخذت تتسع شيئاً فشيئاً" (1).
إنني أتصور القصة وكأنها إحدى مشاهد الحرب العالمية الثانية وقصصها السينمائية الكثيرة الحافلة بمثل هذه المواقف النادرة ، إن القصة مزيج من التداخل بين مشاهد الحياة المتحدية ومشاهد الموت المحدق وكأنهما يتصارعان ، يحاول كل منهما أن يفرض نفسه أو يرسخ قانونه .. إن القصة بإيجاز شديد مشحون تقول "إن الحياة أقوى من الموت" والقصة تستخدم الألفاظ والتعبيرات الملاءمة للموقف وتعكس خبرة بأحوال الحرب وبالأوضاع القتالية وهي خبرة عهدناها في قاسم منذ مجموعته "لا تبحثوا عن عنوان إنها الحرب .. إنها الحرب" التي أصدرها عام 1999م عن الهيئة المصرية العامة للكتاب .

أما قصة "لماذا لم يرتج الموقع بقذائف العدو ؟" فموقفها الإنساني الرائع النبيل الجميل هو إجابة على سؤالها "العنوان" وخلاصة الموقف تتلخص في زيارة قام بها بعض الفنانين المشهورين لمواقع القتال الأمامية وذلك للتسرية عن الجنود وينشغل الجنود ويتصايحون بمجرد إقبال مجموعة الفنانين عليهم إلا واحدة منهم لاحظت وجود جندي على تبته ممسكاً بسلاحه تقدمت نحوه ، اقتربت منه ، أعادت بكفيها زر الأسبلايت وسوته ثم أعطته لثمة يسيرة طبعتها على خده .. يستيقظ الجندي من غيبوبته .. أخرج لها الجندي سلسلة مفاتيح مثبت بها شظية كانوا قد أخرجوها من كتفه وأهداها لها ، لم تجد "ريم" ما تقدمه له سوى مرآة فرح بها الجندي كثيراً وعادت إلى صويحباتها وقالت بفخر "معايا شظية" وصرخ الجندي وزملاؤه يرفعونه في الهواء "معانا مراية" (2) .. لقد كانت لحظة نبيلة توقف كل شئ تقريباً ليشاهد النبل مجسداً حتى قذائف العدو توقفت هي نفسها عن الانطلاق والدويّ . والقصة مفعمة بالمشاعر الشفيفة وكذلك كانت تعبيرات الكاتب ومن هذه التعبيرات "التقطت شفتاها القرمزيتان من خده بعضاً من تراب بدا أنها لم تشعر به" .

ويلي هذه القصة قصة أخرى تحت عنوان "ربما هذا ما قاله ابني أمام المرآة" . والقصة تروي مباشرة من قِبل جندي عن تركه لزوجته وابنه وهما في حاجة ماسة إلى وجوده ورعايتهم له وأنه سيترك أيضاً عمله ومقهى أصدقائه وقد يمر مودعاً على والديه وإخوته وقد يتركهم بغير وداع ليلحق بفرقته المدرعة إلى الحرب وأنه لن يصحب معه إلا مرض السكر إلى المعسكر الذي سبق وأن خدم به ليهتف في طابور الصباح "تحيا مصر" . هذا ما سرده الفتى لكن الملفت في الملاحظة الفنية أن عنوان القصة "ربما هذا ما قاله ابني أمام المرآة" يؤكد أن الأب كان سارداً للقصة وهذه الملاحظة تضعنا أمام احتمالين الأول : إما أن الابن رحل إلى معسكره ولم يعلم بعدها الأب عنه شيئاً والاحتمال الثاني أن يكون قد استشهد في إحدى المعارك .

وتحت عنوان "مرآة المحارب" تأتي قصة "بنصف عين" ليُكّون مفتتحها مشهداً مكثفاً جداً يصور شيئاً من بشاعات الحرب وفظائع الاقتتال فالموت يتجول حول الخنادق يخطف نفوس الجنود ومن تحت ركام الحطام يخرج العريف "رمزي" مرآته وينظر بنصف عين فإذا به يطلق صرخة رعب "إذ يرى عينه الأخرى مدلاة من وجهه المصبوغ بالأحمر" (3) لا يبالي "رمزي" بعينه المدلاة والشظية التي تومض فوق عينه الأخرى المتورمة ويجعل من شظية مرآته الباقية خنجراً يهجم به على متاريس العدو . إن القصة عبارة عن مشهد عام داخله تفصيلات الموقف أو حدث يجسّد في حيوية وحركة فائرة متتالية ما يمكن أن يحدث في آتون المعارك من بشاعة القتل ووحشيته وانتقام الثأر وناره الحارقة .

إن مرآة قاسم عليوة في مجموعة قصص "نبض راعد" لا تعكس صورة المشاهد والمواقف وحركة الجنود في المعركة فحسب ، بل هي مرآة الحقيقة إنها تنقل لنا جوهر الأشياء وروح المكان لا ظله واعتمالاته وصراعاته لا مجرد الوقوف على السطح الساخن فقط . لذا نجد قصة "كبرياء المقاومة" تجعل من المرآة نفسها العنصر بل "الشخصية" الرئيسة للقصة (4) فبعد أن دمرت طائرات العدو حياً بكامله بكل ما يحوي وحولته إلى ركام وزجاج وأشياء كثيرة محطمة لم ينج من ذلك كله سوى مرآة مستطيلة ظلت واقفة بكبرياء "داخل إطارها المذهب سليمة وجميلة وبراقة بالألق" (5) .

يقول الراوي "وهكذا ظلت مستوية فوق الأنقاض .. وتنقذف حولها عواصف الحجارة والرمال وهي ما هي عليه" (6) .

ويسألها الراوي منفرداً : "هل ستظلين على صلابتك إن انتهت الحرب" لكنها لم تجبه . إن المرآة هنا رمز المقاومة والصلابة والصمود وهكذا يحولها الكاتب إلى رمز يقترب كثيراً من الرمز الإنساني الحي .

أما في "أحراش المرايا" فتأتي مجموعة أقاصيص تحت عناوين كل عنوان كلمة واحدة فمثلاً تحت عنوان "أرنب" يعود الراوي بصيغة المتكلم إلى مرايا ذكرياته وأحزانه فلا يجد إلا خلاء ورياح تصفر في الخواء وأسراب من الجوارح تحوم وأرنب بري يتكسر على سراب الفضة الصماء ، إنه يطلب المساعدة ولا يستطيع وهو الغارق في أحزانه أن يفعل شيئاً له . وجل قصص "في أحراش المرايا" هكذا مصاغة في لمحات موجزة لكنها مكثفة مُحمّلة باعتمالات النفس وأحاديث النجوى وما يموج به الباطن .. إن قصصاً مثل : انتظار ، عند الحافة ، عجائب ، بؤس ، نوم مهدد ، هواء كريه .. وغيرها لا تعكس سطح الأشياء وصورها الخارجية بل ما تخفيه النفس بصفة خاصة في دهاليزها العميقة وفي عمق أحراشها الكثيفة .. إنها مرآة النفس الباطنة .. إنها الحقائق المحجوبة عن الآخرين ولا يعرفها إلا صاحبها فقط .. إنها مرآة المواجهة والاعتراف .

إن تميزاً آخر تتسم به هذه المجموعة من القصص بل أكاد أزعم – كل قصص "نبض المرايا" – هذه الطاقة الطاقة الشعرية العالية المحسوسة الملموسة طاقة يظهر أثرها الواضح على الوجدان وتعمق بموسيقاها الإيقاعات الداخلية والتوترات النفسية سواء على مستوى الراوي أو القارئ .. إنها فاعلية وفنية السرد الغنائي الذي يلقى استجابة ومعايشة من الفعل القرائي المستغرق الواعي وإذا أردنا أن نقرب الأمر وجب أن ننقل للقارئ إحدى هذه القصص بشكل كتابي يقترب من قصيدة النثر وذلك مثل قصة "خنفسة" كمثال على النحو التالي :

في قلب المرآة حنفسة ميتة

مددتُ ذراعي لأقصيها فلم استطع

أدخلت عصا فلم أتمكن

نفثتُ هواء فلم أقدر

لما يئست تركتها

وفي كل مرة أقف فيها أمام المرآة

أراها منطبعة تماماً فوق المكان

الذي يتوارى فيه قلبي

إنها تكاد تكون قصيدة نثر مستوفاة العناصر ، حتى عنصر المفاجأة في القفلة المواتية الموفقة .. إنه السرد الشعري المتكئ على الإيقاع النفسي ودلالات الصورة الفنية أكثر من موسيقى الألفاظ الخارجية من بحور وأوزان وروىّ وقواف .

أما مجموعة أقاصيص "محابس المرايا" فهي بقايا ذكريات وصور ومشاهد من وحي سنوات السجن والاعتقال على غرار أقاصيص مجموعة "وتر مشدود" التي أصدرها الكاتب عن مركز الحضارة العربية سنة 1999م وينتظم هذه المجموعة إحدى عشر أقصوصة ذات عناوين أيضاً معظمها من كلمة واحدة مثل : ملاحقة ، بعث ، استشارة ، تحقيق ، تهيئة .. إلخ ومع نموذج من هذه الأقاصيص نقرأ اقصوصة "تحقيق" :

"هذه المرة قبضوا على مرآتي أيضاً ، جاست فيها أذرع الشرطة وأخلتها من كل ما فيها . إلى غرفة التحقيق أدخلنا .. أنا والمرآة .. أفرج المحقق عني واستبقاها ليمشط فيها شعره ويسوي شاربه ويصلح هندامه" (7) .. إنها سطوة القمع .

أما مجموعة أقاصيص "مرايا الحياة" فهي تضم ثلاثاً وعشرين أقصوصة ومتتالية قصصية من أربع حركات بعنوان "متوالية زمنية" . وتهتم هذه المجموعة من أقاصيص "مرايا الحياة" وبصفة خاصة بالوقوف على تناقضات الواقع وحياتنا الحافلة بالمشاكل والأزمات المتضمنة في نفس الوقت للأماني والآمال والأحلام ومعظم أحلام شخوصها إنما هي أحلام بحياة بسيطة سعيدة مؤتلفة ولذا فإن العنوان الرئيسي لهذه المجموعة هو "نبض مؤتلف" يقول الكاتب في مقدمتها : "أيتها المرايا .. ما أطلب سوى صفو الرؤية واعتدال الانعكاس" (8) .

في أقصوصة "مرآة فوق ظهر رجل" نشاهد حمالاً فقيراً عجوزاً يحمل فوق ظهره مرآة كبيرة العجوز أثقلته سنون الفقر الطويلة وأحنت ظهره والمرآة التي يحملها تعكس صفحتها أشياءً عدة من مباهج الحياة وحيويتها وكأن هذه الصور المعكوسة هي بعض أحلام هذا الفقير البائس وأمثاله من المحرومين . أما أقصوصة "في المترو" فهي عن فتاة فقيرة بسيطة تحاول طوال فترة ركوبها المترو أن تنظر إلى صورتها المنعكسة على زجاج الشباك لتسوي شعرها أو لتزيح ما علق على أنفها من بلورات العرق أو تمسح عن خديها دلائل الإرهاق وحين تخرج مُسرعة من بوابة المترو تردد لنفسها في أمل وإصرار "نعم ... ستكون معي نقود تكفي لشراء مرآة ونقود لأشتري حقيبة .. ونقود ... نعم .. يوماً ستكون معي نقود .. ومرايا" (9) .

وفي هذه المجموعة من الأقاصيص أيضاً نشاهد المتكبر المتعجرف الذي يرى نفسه في مرآة الترفع والتعالي ونشاهد البنت التي ترتدي الجينز وتحمل في حقيبتها أكثر من مرآة فهذه للعينين وتلك تظهر مسام الخدين والثالثة لكشف شعيرات الأنف .. وهكذا إنها المرايا التي تؤدي وظائف حيوية بالنسبة للمرأة وبصفة خاصة الفتاة الباحثة عن الزواج . وعن النجوى والبوح وكشف الحقيقة عارية تأتي أقاصيص "مرايا الغرف المقبضة" لتكون هي ودواخل النفوس وجهاً لوجه بلا حائل ولا غطاء .. إنها المرايا حين تخرج أحشاءها . ومن هذه الأقاصيص دفقة شعرية تحت عنوان "عصفور السراب" يقول الكاتب فيها قولاً موجزاً مكثفاً أشبه بإلهامة من النظم :

"فوق سراب المرآة عصفورٌ يحتضر

ولا أحد في فضاء الغرفةِ سواي" (10)

وتأمل معي دلالات وإيحاءات هذه الدفقة الشعرية وما تمده ألفاظها من ظلال مثل : "سراب ، يحتضر ، لا أحد" وتأكيد وحدة النفس وحزنها بكلمة "سواي" !

ومن "مرايا الحياة" إلى مرايا الشوق والوجد والحقيقة إلى مخاطبات المرايا وأحاديثها إلى شواطئها وأغوارها ومن "شطآن المرايا" تستوحي الأقاصيص حياة البحر والبيئة الساحلية التي ينتمي إليها الكاتب ويوظف مفرداتها توظيفاً داعماً لموضوعاتها وأجوائها يقول في إحدى أقاصيص "الشطآن" تحت متوالية رقم (1) :

"المرأة مفتوحة على سماءٍ وبحر مفتوحين ، وأنا وحدي فوق الثبج وتحت السماء .. قدماي في الماء وذراعاي في الهواء ، وصدري يصطخب حيرة .. أغوص أم أعلو ؟ .. وما من صوت" (11) .

إنها خاطرة تأملية جسدت الحيرة والضياع في عبارة أشبه بالصورة الشعرية الممتدة ذات الظلال والألوان والتي تضم عناصر : الصوت واللون والضوء والحركة . وعلى هذه الشاكلة نقرأ رقم (2) :

"بحيرة وقارب وسحابة .. وأنا هناك ، عند الشط ، أرسم مرآة يزحمها فضاء وفراغ وخواء" (12). إن العبارة أشبه بشعر الاغتراب الرومانسي بألفاظه وتعبيراته وصوره وأجوائه وإيحاءاته النفسية ضف إلى ذلك استخدام بحيرة وقارب وسحابة نكرة والفعلين "أرسم" و "يزحمها" مضارعين للديمومة والاستمرار ثم : فضاء ، فراغ وخواء نكرة للتهويل . هكذا تقترب أقاصيص مجموعة "نبض المرايا" من تخوم الشعر وتتعامل مع أدواته وعناصره الفعالة ذات الكثافة الوجدانية والعاطفة الموحية والفكر الممتزج بالوجدان والمعجم اللفظي الموحي الدال . إنها مجموعة جديرة بالقراءة ورصيد يضاف إلى عطاء هذا الكاتب المبدع .



الهوامش :

1- المجموعة "نبض المرايا" صـ14 .

2- أنظر المجموعة صـ18 .

3- المجموعة صـ22 .

4- المجموعة صـ 36 .

5- المجموعة صـ37 .

6- الصفحة السابقة .

7- الأقصوصة صـ43 في المجموعة .

8- أنظر المجموعة صـ93 .

9- أنظر المجموعة صـ97 .

10- المجموعة صـ160 .

11- المجموعة صـ219 .

12- المجموعة الصفحة السابقة .

مشاركة