الاثنين، 24 يونيو، 2013

من الأدب الإسلامي "ملامح وجه أبي" مثال نموذجي للقصة الإسلامية القصيرة

قبل أن نشرع في التعرض بالنقد والتحليل للقصة ، نود أن نقف أولاً على تعريف للأدب الإسلامي ومقاصده . يقول التعريف : "إنه التعبير الفني الهادف – عن وقع الحياة والكون والإنسان على وجدان الأديب ، تعبيراً ينبع من التصور الإسلامي للخالق عز وجل ومخلوقاته" (1) . أما القصة القصيرة في مفهومها العام فهي فن سردي يتسم بالتركيز والتكثيف وهو يصور موقفاً أو مشهداً أو حدثاً واحداً وبالتالي فهو يتطلب محدودية الشخصيات والأغلب أن تتناول القصة شخصية واحدة وتزداد قيمة القصة القصيرة فنياً بمدى قوة التأثير والانطباع الذي تتركه في القارئ .



أصدر المهندس عاصم عبد الماجد كتيباً صغيراً يتضمن قصة قصيرة في حوالي إحدى عشرة صفحة تتحدث القصة عن طفل على موعد لرؤية أبيه لأول مرة في حياته بالرغم من أنه بلغ الثالثة عشر عاماً من عمره فقد تم القبض على الأب من قبل جهات امنية قبل ولادة الطفل بشهرين وبعد ذلك طلبت الزوجة الطلاق وتكفلت الجدة برعاية الطفل . وتصل برقية عاجلة إلى الجدة تعلنها أن ابنها تقرر الإفراج عنه وسيصل بالقطار . فرحت الجدة فرحاً عارماً وهرولت إلى غرفة حفيدها الذي قرأ البرقية على عجل والتي تؤكد وصول أبيه في قطار التاسعة مساءً القادم من أقصى الجنوب . منعت الفرحة الطفل من النوم لتصطحبه الجدة في اليوم التالي إلى محل لبيع الملابس الجاهزة وتشتري له قميصاً جديداً ومعه سروال وطاقية بالرغم من سوء حالة الجدة المادية بعد وفاة الجد الذي أصيب بجلطة في المخ حزناً على اعتقال ولده الوحيد . خفق قلب الجدة بشدة عندما لاح لها ميدان المحطة وقلبها وكل حواسها تسبق خطواتها المتسارعة نحو المحطة . تتذكر الجدة أعواماً من الحزن والانكسار والألم .. تتذكره .. ربما الآن يعذبونه .. ربما هو جائع .. ربما هو عار في الشتاء .. ربما هو مريض بلا دواء .. دوت صافرة القطار فكاد قلبها يقفز من بين ضلوعها .. القطار يتهادى ليقف إلى جوار رصيف المحطة .. ترفع الجدة قامتها وهي تدور بعينيها من بين صفوف الجموع المتدافعة . أسرعت تعدو إلى جوار القطار وهي قابضة على يد الصبي .. عادت مرة ثانية نحو مقدمة القطار ، كان قلبها ينبض بقوة وسرعة .. تصبب العرق غزيراً من وجهها .. كانت تزداد توتراً دون أن تلمحه وسط القادمين . اشتعل القلق في قلبها .. زاغت عيناها .. كادت أن تسقط لكنها تماسكت بعد أن ترنحت في مشيتها .. انتقل شئ من قلقها إلى الصبي الذي انتقع لونه .. يسألها بلهفة : أين هو !؟ . بدأ أملها يتلاشى عندما أطلق القطار صفارته مرتين ثم بدأ في التحرك سريعاً .. وقفت الجدة مذهولة وهي ترى رصيف القطار بعد لحظات خالياً .. إلا من هما هي والحفيد ....
تعلقت ببقية أمل .. مسحت بعينين مجهدتين متوترتين الرصيف الخالي الطويل للمرة الأخيرة قبل أن تستدير لتعود من حيث أتت .. تتوقف فجأة حين سمعت اسم ابنها يتردد من مكبر صوت مع رجاء إلى أهله بالتوجه لاستلامه من نقطة شرطة المحطة .. انبعث الأمل فجأة في نفسها .. عاد إلى وجهها المنتقع شئ من ماء الحياة .. اقتحمت باب نقطة الشرطة ، دلفت مسرعة إلى الداخل ومعها الحفيد .. فجأة وقفت واجمة عندما هب أربعة رجال واقفين .. التفت الصبي إلى جدته .. رأى الصدمة تكسو وجهها ، عاد ببصره إلى أحد الواقفين عندما سمعه يقول : أين مدافن أسرتكم ؟ أكمل الرجل وهو يشير بيده إلى شئ ممد في ناحية من نواحي الغرفة سيدفن بعد منتصف الليل .. أسرع الصبي إلى الجسد المسجى .. كشف الغطاء عن وجهه وراح يتفرس في ملامحه .. ألصق وجهه بوجهه وصرخ صراخاً موجعاً وهو يكرر : "ملامح وجه أبي .. ملامح وجه أبي" .

وقبل أن نشرع في التعرض بالنقد والتحليل للقصة ، نود أن نقف أولاً على تعريف للأدب الإسلامي ومقاصده . يقول التعريف : "إنه التعبير الفني الهادف – عن وقع الحياة والكون والإنسان على وجدان الأديب ، تعبيراً ينبع من التصور الإسلامي للخالق عز وجل ومخلوقاته" (1) . أما القصة القصيرة في مفهومها العام فهي فن سردي يتسم بالتركيز والتكثيف وهو يصور موقفاً أو مشهداً أو حدثاً واحداً وبالتالي فهو يتطلب محدودية الشخصيات والأغلب أن تتناول القصة شخصية واحدة وتزداد قيمة القصة القصيرة فنياً بمدى قوة التأثير والانطباع الذي تتركه في القارئ . وهذا المفهوم العام للقصة القصيرة هو نفس المفهوم الذي تتبناه آداب كل الأمم والشعوب إلا أن مقصد القصة في الأدب الإسلامي يراعي المفهوم العام لهذا الأدب وغاياته في التعبير عن قيم الإسلام وآدابه وتقاليد مجتمعاته والحرص على تأكيد الجوانب الإيمانية والإيجابية عبر التصوير الفني للأحداث والشخصيات . والقصة التي عرضنا لها وعلى ضوء مفهوم الأدب الإسلامي والقصة الإسلامية القصيرة ومقاصدهما – نزعم أنها تجسد نموذجاً مثالياً للقصة الإسلامية القصيرة وسنحاول تأكيد ذلك من خلال التحليل الفني لهذه القصة وذلك على النحو التالي :

أولاً : إذا كان مبدأ الوحدة من الأسس الفنية الجوهرية في بناء القصة القصيرة فإن ذلك يعني وحدة الموقف أو المشهد أو اللقطة التي تعالج فكرة واحدة أو موقفاً واحداً بحيث تترك انطباعاً وتأثيراً واحداً .
وتتبنى قصتنا هذه موقفاً أساسياً وهو ذهاب الجدة وحفيدها لرؤية الإبن العائد من الاعتقال بناءً على البرقية التي وصلت الجدة .
وأما الفكرة الواحدة فهي تتلخص في : سياسة القهر وتبني أساليب القمع ضد من يعارض نظم الحكم الاستبدادية خاصة من أنصار التوجهات والتيارات الإسلامية .

ثانياً : أما تفاصيل البناء الفني للقصة :
-          فقد بدأ الكاتب بداية واقعية حية من خلال نداء الجدة على حفيدها لاستعجاله في اللحاق بموعد القطار . وبهذه البداية يدخلنا الكاتب إلى الحدث دون تزيد أو تطويل أو تمهيد ممل لا يفيد مبدأ الإيجاز والتكثيف .
-          ثم يكشف الكاتب بعد ذلك عن شئ من شخصية الطفل وظروف مولده وأحوال أسرته .
-          ثم يتناول الكاتب ذهاب الجدة والحفيد إلى شراء قميص جديد لحفيدها احتفاءاً بهذه الفرحة العارمة والمناسبة السعيدة .
-          ويقوده الحديث عن الشراء والنقود إلى تناول ظروف أحوال جده وجدته ومعاناتهما جراء مصيبة اعتقال الإبن .
-          ثم يأتي مشهد انطلاق الجدة وحفيدها إلى المحطة وحديث الجدة عن الإبن العائد وبعد خصاله .
-          تصوير قلق الجدة وتوترها الشديد في الميدان ولهفتها لرؤية ابنها وسط زحام المحطة .
-          ثم منولوج داخلي يعبر عن حزنها وانكسارها طوال فترة اعتقاله وقلقها وحيرتها على صحته وأحواله .
-          اشتعال قلق الجدة حين لم تر ابنها وسط القادمين .
-          بداية تلاشي الأمل مع تحرك القطار .
-          النداء على الجدة للتوجه لنقطة شرطة المحطة .
-          المفاجأة الصادمة المميتة بوجود الأب جسداً مسجى لا حراك به .
-          سقوط الجدة وقد غشي عليها ورؤيتها وهي تسقط لنور يشع من وجه حفيدها .
ومن خلال بناء الحدث الأساسي والتفصيلات المصاحبة له يتبين لنا أن هذه التفصيلات كانت ضرورية لإضاءة الحدث الرئيسي وأفادت عنصر الإثارة والتشويق لدى القارئ والمتلقي وهو من العناصر الهامة لفن القصة القصيرة والفنون بصفة عامة .

-          أما رسم الشخصيتين الرئيستين في القصة "الجدة والحفيد" فقد جاء بصورة طبيعية وعبر حوار الجدة وحفيدها أو منولوجها الداخلي مع نفسها وراعى الرسم الفني لشخصية الجدة بصفة خاصة الملامح الداخلية للشخصية وهي الأهم لموضوع الحدث والأكثر أهمية لتأكيد الفكرة .
-          يلاحظ في القصة توازن كل من عنصري السرد والحوار .
-          عنصر المكان تضمن بيت الجدة ومحطة القطار وتجنب الكاتب الحديث عن وصف بيت الجدة فلربما يشغل القارئ عن متابعة تطور الحدث الاهم .
-          أما عنصر الزمن فقد جاء غير محدد وهو ما يحمد للكاتب ذلك لأن ظاهرة القمع والنظم الاستبدادية والصراع بين الخير والشر بصفة عامة إنما هو أمر حادث ومتواصل بتواصل الحياة الإنسانية .
-          إنها قصة إسلامية قصيرة تعتبر نموذجاً مثالياً لهذا الفن الممتع .

مشاركة