الجمعة، 28 يونيو 2013

سرديات سامح الجباس بين مغامرات الشكل وحيوية الموضوع – سياحة في أدب الجباس السردي

لدى القاص والروائي "سامح الجباس" مشروع سردي يقوم عليه بكل مثابرة ودأب وهو يدعم مشروعه بالقراءة ومتابعة ما يصدر من الساحة الأدبية من إنتاج سردي روائي وقصصي ، كما يدعمه أيضاً بالتواجد – قدر الإمكان والطاقة – في منتديات الأدب وساحات الفاعليات الأدبية ودور النشر المختلفة خاصة في القاهرة المحروسة – حيث يتواجد هناك بصفة أكثر بحكم طبيعة عمله – صيدلياً – بإحدى شركات الأدوية ومنذ إصداره لمجموعته الأولى "المواطن المثالي" عام 2006م نستطيع القول بأنه لفت الأنظار إليه

لدى القاص والروائي "سامح الجباس" مشروع سردي يقوم عليه بكل مثابرة ودأب وهو يدعم مشروعه بالقراءة ومتابعة ما يصدر من الساحة الأدبية من إنتاج سردي روائي وقصصي ، كما يدعمه أيضاً بالتواجد – قدر الإمكان والطاقة – في منتديات الأدب وساحات الفاعليات الأدبية ودور النشر المختلفة خاصة في القاهرة المحروسة – حيث يتواجد هناك بصفة أكثر بحكم طبيعة عمله – صيدلياً – بإحدى شركات الأدوية ومنذ إصداره لمجموعته الأولى "المواطن المثالي" عام 2006م نستطيع القول بأنه لفت الأنظار إليه فيكتب الناقد الخبير الأستاذ / أحمد الخميسي في زاويته بجريدة أخبار الأدب بعددها 699 والصادر في 3 من ديسمبر عام 2006م – معلقاً بعد قراءته لمجموعة "المواطن المثالي" لسامح الجباس : "شعرت بالأسف لأنني لم أعرف بذلك الكاتب الموهوب فور صدور المجموعة وسألت نفسي ما هو دور الصحافة الأدبية إن لم يكن التعريف بالأدباء خاصة حين يسقط الضوء بغير عدل على مناطق ويحجب عن وجوه ومناطق" .

ويستطرد قائلاً : "سامح الجباس طبيب شاب من بورسعيد "مواطن مثالي" هي مجموعته القصصية الأولى صدرت عن دار ميريت هذا العام (يقصد 2006م) تضم المجموعة أربع عشرة قصة قصيرة كتب بإحكام وشاعرية وموهبة" . كذلك يكتب عن مجموعته الأولى الأستاذ الناقد بهيج إسماعيل بالعدد الأسبوعي من الأهرام المسائي رقم (5544) الصادر في يوليو أيضاً عام 2006م . يقول : "المجموعة جيدة تنبئ عن كاتب واع بمشاكل وطنه آملاً في غد أجمل يرسم أحلامه صوراً ساخرة أحياناً ومباشرة أحياناً ، لكنه في الحالين مواطن مثالي" .



ونوهت جريدة الرأي في عددها (859) في 26 فبراير عام 2007م بهذه المجموعة وقالت أنها حازت إعجاب كبار النقاد ومنهم الأديب الكبير الأستاذ محمد جبريل كما نشرت له جريدة البديل فصلاً من رواية "وسط البلد" بعددها الصادر في 13/2/2009م . هذا وقد أنجز الكاتب في مشروعه الروائي حتى الآن مجموعة قصصية هي "المواطن المثالي" 2006م وست روايات هي :

1- رواية "حي الأفرنج" عن دار العين عام 2007م .

2- "وسط البلد" عن دار اكتب وانشر 2009م .

3- "ساحر" عن دار مزايا للنشر 2009م .

4- "بورسعيد" عن دار شرقيات 2011م .

5- "كريسماس القاهرة" عن دار شرقيات عام 2011م وهي الرواية الحائزة على جائزة إحسان عبد القدوس عام 2012م .

6- رواية "لعنة سومانات" عن دار مزايا للنشر عام 2012م .

هذا بالإضافة إلى رواية في أدب الأطفال بعنوان "الذئب الأزرق" عن دار مزايا للنشر 2012م .

أما رواية "حي الأفرنج" فقد سبق وأن أنجزت حولها دراسة وعقدت بينها وبين رواية "قلوب الغرباء" للسعيد صالح دراسة أخرى مقارنة تحت عنوان "بورسعيد بين درامية التحولات ونبوءات المستقبل" على اعتبار أن رواية "حي الأفرنج" لسامح الجباس تدور أحداثها في قلب بورسعيد الشعبية بالرغم من العنوان الذي لا يشي بذلك – فالأحداث دارت في حي العرب وأما رواية "قلوب الغرباء" للسعيد صالح فهي تدور في نطاق حي الأفرنج ومن هنا كانت المقارنة بين الروايتين ومن خلال أوجه فنية وقضايا دلالية يطرحها كل من العملين .

وسأحاول بعون من الله – في هذه الدراسة وبعد أن تجمع لي كل إنتاج سامح الجباس الروائي والقصصي الذي أشرت إليه – أن أطوف بهذا الإنتاج وغايتي من ذلك عدة أمور :

1- رصد التطور السردي للكاتب فنياً ودلالياً على ضوء إنتاجه الكلي .

2- ما يمكن أن يضيفه هذا النتاج للرصيد السردي المصري بصفة عامة والبورسعيدي بصفة خاصة .

3- تقديم جزء من رصيد بورسعيد السردي إلى الأجيال الموهوبة الصاعدة الطامحة للتحقق والتواجد فنياً خاصة من الناشئة والشباب البورسعيدي الصاعد .

وابدأ سياحتي مع أدب سامح الجباس بمجموعة "المواطن المثالي" والتي يقدم لها بقوله : "... أكتب عندما يستحيل الصمت" وهو يهديها إلى "الأبطال والشرفاء الذين ينقرضون في هذا البلد" (1) . وتتناول القصة بعضاً من وقائع الحكومة الديمقراطية مع مواطنيها . فقد وصلت برقية إلى مواطن من المواطنين اختاره كمبيوتر الحكومة ليقدم تضحية كبرى للوطن في موعد محدد من الشهر وعلى المواطن المثالي الذي اختاره الكمبيوتر ، أن يختار "وبكل حرية" الطريقة التي سيموت بها .. هكذا اعتادت الحكومة ممارسة هذا الإجراء كل شهر ، ولسوء حظ هذا المواطن التعس – أن الكمبيوتر لم يقتصر عليه فحسب – بل اختار وفي نفس اليوم زوجته لتكون على رأس وفد لاستقبال وزير التنوير في الحكومة ومن واجباتها – القيام على راحته ومرافقته وأن تكون جزءاً هاماً في برنامجه الترفيهي ! فلما حدث ذلك ما كان من المواطن إلا أن رفع بصره إلى السماء مودعاً شمس النهار عبر آخر نظرة .. وبعدها أظلمت الدنيا .. وهكذا تحول المواطنون في ظل الدولة الديمقراطية إلى أشياء أو متاع أو حيوانات رخيصة تسام سوء العذاب ويهوى بها الذل والهوان إلى هذا الدرك السحيق .

والقصة تتسم بجدة الفكرة وطرافتها وتستدعي معها الذاكرة صوراً من مشاهد القمع في روايات عدة وأفلام سينمائية كثيرة أنتجتها السينما العالمية حين نقلت لنا مشاهد من القتل والتنكيل والأسر والمطاردات ومعسكرات الاعتقال .

في قصة "العُشة" يعود حودة ليلاً إلى بيته في منطقة "السلام" بعد سهرة "كيف" قضاها مع أحد أصدقائه في إحدى عشش منطقة "زرزارة" العشوائية جنوب المدينة – يسترعي انتباهه أصوات داخل عشة ، دفعه الفضول لمعرفة ما يدور في حوار بين رجل وزوجته داخل العشة ، وقف "حودة" يتلصص عبر فتحة من لوح خشبي ، الزوجة تسأل زوجها عن نتيجة مشواره اليوم للاستفسار عن السكن الاقتصادي الذي سيتم تخصيصه لهم . يجيبها بضيق شديد عن إخفاقه ويأسه من الوصول إلى شئ ويتحول عن الموضوع ويحثها على الاستعداد لقضاء ليلة سعيدة بعيداً عن "العكننة" ، يزداد اهتمام حودة وفضوله وهو يرى الرجل يلتهم جسد امراءته في نهم ويخبرها مستمتعاً أنه يتخيل الحكومة والموظفين موضع نكاحه . ما يراه "حودة" ويسمعه يدفعه لفتح أزرار بنطلونه في الوقت الذي كانت فيه المرأة تحث فيه زوجها على الحمد والشكر على الستر داخل هذه العشة !!

إن القصة تحاول اقتحام أزمة مدينة بورسعيد المزمنة الخانقة التي تتسع يوماً بعد يوم وهي أزمة الإسكان خاصة وأن المدينة لم يعد فيها موضع للبناء وترتب على ذلك مشاكل اجتماعية واقتصادية كثيرة من أهمها : إحاطة المدينة وحتى قلبها بحزام من المناطق العشوائية المتناثرة هذه المناطق التي شوهتها جمالياً وأخلاقياً وهو أمر لم تعرفه بورسعيد ولم تعتده إلا بعد العودة من الهجرة وبداية تحولها إلى منطقة استهلاكية حرة . حيث جذبت الآلاف من المدن والقرى القريبة للعمل وتتضمن القصة مفارقة ساخرة مضحكة مبكية في آن . فالزوجة التي يعتليها زوجها ممارساً معها الجنس في أمان وانسجام لا يتوقعان أنهما في نفس اللحظة كانا يمثلان مشهداً حياً ساخناً لشاب متلصص آلمته شهوته وأوجعه حرمانه الجنسي وربما هو أيضاً بسبب أزمة الإسكان .

أما قصة "الرحلة" ، فالمقصود بها رحلة الإنسان إلى العالم الآخر المحتوم المبرم وهو عالم الموت وضرورة أن يستعد الإنسان ويجهز الزاد لهذه الرحلة الطويلة المضينة .. إن الموت الذي كان يأتي لراوي القصة في منامه وينبهه إلى الاستعداد للتزود لرحلته لم يؤثر فيه إذ انطلق مندفعاً في الحياة في مرحه ولهوه .. يحكي الراوي قائلاً : وفجأة وفي اليقظة وليس في المنام – يسمع صوت الرجل الذي كان يأتيه منبهاً ويراه بالفعل .. لكنه لم يستطع أن يفعل شيئاً أو حتى مجرد أن يصرخ أو ينطق بكلمة استغاثة واحدة .. إنه الموت الذي كان يأتيه متخفياً في صورة هذا الرجل والذي آتاه في الحقيقة واليقظة بغتة دون إنذار – في لحظة – كان الراوي سادراً في لهوه .

أما قصة "تصريح" فهو إذن يجب على المتزوجين في الدولة العربية الديمقراطية استخراجه قبل أن يمارسا الجنس وهو يمر بإجراءات روتينية ومشفوع بتعليمات مشددة ولا تكون الممارسة بغرض الإنجاب وأن تكون لمدة محددة ولا تتم مضاجعة الزوج لزوجته إلا مرة واحدة غير قابلة للتكرار وذلك خلال المدة القصيرة المحددة سلفاً لليلة المضاجعة ، وبعد استخراج التصريح ينتظر الزوجان فترة حتى يصدر التصريح بعد أن يمر على السفارة الأمريكية والمخابرات وأمن الدولة وشريطة أن تكون المضاجعة تحت كاميرات هؤلاء جميعاً وألا يترتب عليها تهديد المصالح الأمريكية في البلد العربي الديمقراطي العريق !!

إن مجموعة "المواطن المثالي" التي أصدرها سامح الجباس عام 2006م كانت تعتبر إدانة شديدة لأوضاعنا قبل الثورة .. لقد كانت إدانة للقمع والتسلط وتردي الأوضاع وتهالك الخدمات والتفريط في حقوق الوطن والمواطن .. لقد كان المواطن المثالي في هذه الفترة هو المواطن الخانع الخاضع المصفق الراضي باستلاب كرامته وإنسانيته .. ولقد عالج الجباس هذه القضايا الشائكة بقدر كبير من السخرية والذكاء وحسن التصرف القصصي لهذا الفن المراوغ . فن القصة القصيرة .

ومع أولى روايات الكاتب "وسط البلد" والتي أصدرها عام 2009م عن دار اكتب وانشر والتي اعتبرها .. من وجهة نظري – تجربة فنية مميزة ولافتة للانتباه ، طرحها سامح الجباس لتثير مع طرحها اسئلة تتعلق بقضايا الشكل الروائي وحدوده وتداخل الأنواع الأدبية وحدود هذا التداخل خاصة بين الأنواع السردية ، ومن جانب آخر فالرواية تتشابك بل تقتحم كثيراً من قضايانا السياسية والاجتماعية في سخرية تارة وفي نقد مرير تارة أخرى ذلك الواقع الذي كانت مصر تعيش في أتونه وتكتوي بلظاه قبل ثورة يناير 2011م . إن الرواية بذلك العنوان ذي الدلالة "وسط البلد" كانت حينئذ تدق أجراساً مدوية وترفع منذرة علامات الحظر وتلوح محذرة رايات الكف والتوقف ، الكف عما كنا نعيش فيه من خنوع ورضا بالأمر الواقع الكريه والتوقف لنتأمل معاً ما يمكن أن يجلبه علينا واقعنا من مهالك وأخطار أو تجره علينا أزماتنا وإشكالياتنا المعقدة من تداعيات لا يعلم مداها إلا الله ، تداعيات قد تمزق المجتمع وتعصف بأسس بنيانه وتطيح بقواعده الثابتة في الأمن والسلام الاجتماعي بين عناصر المجتمع المصري ومكوناته .

وفي هذه الرواية القريبة من "النوفلا" والتي يبلغ عدد صفحاتها حوالي 58 صفحة من القطع المتوسط يتعمد المؤلف – في بنائه السردي لها – أن يؤلفها على شكل صور ومشاهد منفصلة – متصلة في آن – وهي منفصلة بحكم مكان الحدث ونوعية الموضوع المطروح ومتصلة من حيث وحدة المكان العامة وهي وسط البلد وأيضاً ارتباط كل عنوان وقضيته المثارة بما قبله وبما بعده من عناوين وقضايا وكلها تسلط الأضواء على واقع مصر ما قبل 25 يناير وتتعمد هذه المجموعة من الصور والمشاهد إحداث الصدمة وإثارة الدهشة والمساهمة في منع حراك ثقافي واجتماعي في قلب هذا الواقع الراكد الآسن وتحريك مياهه المتجمدة الموشكة على الانتقال لدورة العفونة واستفحال أخطار ميكروباتها وجراثيمها وما تعج به من داءات وأسقام .

وتتضمن الصفحات الثماني والخمسون سبعة عشر صورة ومشهداً في كثير منها يأخذ بعضها برقاب بعض في حرص واهتمام من الكاتب على الوحدة الموضوعية لمشاهد روايته من جهة وإثراء الحس النقدي وفعل التحفيز في المتلقي من جهة أخرى . ومن عناوين هذه المشاهد التي يقتحمها الكاتب وسط البلد ، محطة السادات ، سنترال التحرير ، شارع محمد محمود ، البستان مول ، مقهى ريش ، ميدان طلعت حرب ... إلخ وكلها كما يلاحظ من العناوين أسماء لمواضع وأماكن في قلب القاهرة العاصمة حيث الحركة والازدحام والتعاملات اليومية من تجارة وبيع وشراء وغيرها بين الجماهير التي تغشاها من كافة ربوع القاهرة بل والمحافظات الأخرى .. إنها منطقة وسط البلد حيث نبض مصر وقلبها الذي كاد أن يصل إلى مرحلة التوقف جرّاء أدواء حكم قمعي فاسد متشبث بالسلطة حتى لو تحولت البلاد إلى ملكية مستباحة من قبل أسرة الرئيس المخلوع وزمرته الفاسدة من أصحاب المصالح وذوي النفوذ .. وتبدأ حلقات الرواية بـ "محطة السادات" ويطلعنا وسط الميدان أتوبيس نقل عام وقد حُشر ركابه فيه حشراً فصار كأنه قطعة من جهنم ويبدي الراوي (أحد الركاب) تأفقه وضيقه الشديد من محتويات هذا الصندوق الجهنمي من أجساد متلاصقة وروائح كريهة وروائح أحذية متعفنة ووسط الأجساد التي تلاصقت كأسماك السردين في علبتها يتملص الكمساري وينهق بصوت عال : تذاكر ! .

والراوي وسط الأتوبيس يتمنى أن ينقلب هذا الجحيم بركابه ويموت معهم ، فهذا أهون عليه من العودة إلى بيته قبل العيد بأسبوع – وهو في شدة الحيرة والألم – إزاء عجزه عن تلبية طلبات بيته واحتياجاته من طعام وكسوة أولاد وعيديات و ... إلخ وهو يا حسرة موظف بسيط الحال ! وإذ هو يتمنى أن يكون في وظيفة أخرى تجلب له رشاوى يصاب بالدهشة والحرج من رجل آخر يلتصق بمؤخرته فيصيح فيه " يا راجل ابعد .. النسوان تملأ الأتوبيس !؟" (2) .

ومن إحدى شقق شارع محمد محمود السكينة نسمع من فتاته الراوية أصداء نقاش حاد بينها وبين والدها خاصة فيما يتعلق بمظهرها وطريقة ملبسها من الجيب الضيقة والجينز الملتصق بالأرداف . إن الأب لا يفهم إنها مثل كل الفتيات تسعى بكل جد واهتمام للزواج والحصول على عريس .. إنها مشكلتها في ضعف دخل الأسرة واحتياجها للوازم شخصية هامة خاصة فيما يتعلق بأنوثتها وجمالها وهي تعتبر نفسها غير ماهرة كفتيات أخريات فهذه وفاء المحجبة تقضي ساعات مع صديقها الخليجي في شقته . أما تغريد فهي تضع صورها بملابسها الداخلية على الفيس بوك تطلب مصادقة الشباب في مقابل كروت شحن وفتاتنا تفكر جدياً في دخول عصر التكنولوجيا ! .

ومن محمد محمود إلى سنترال التحرير حيث مسئول حزبي كبير يقود سيارته في شارع ضيق وأثناء سيره يرى امرأة جميلة ومثيرة لكنها تبدو فقيرة رثة الثياب ، المرأة المثيرة تثير لعابه وتحرك شهوته ويصمم على اصطيادها والايقاع بها ، يقترب منها بسيارته ويعرض عليها توصيلها ، ترده المرأة في هدوء ، يحاول التأثير عليها بشراء ملابس جديدة لابنها الطفل الذي تحمله بين ذراعيها ، يمد يده بورقة من فئة الخمسين جنيهاً تصر على الرفض يزداد ضيق الرجل المسئول ويبصق عليها رافعاً هاتفه المحمول ليرد على مكالمة عاجلة .

ومن "ممر بهلر" وعلى لسان مزارع فقير يترك بلدته وهاجر ليعمل بواباً بإحدى العمارات وسط القاهرة مأخوذاً بأضواء المدينة وطامحاً إلى حياة الناس فيها يحكي هذا المزارع عن ازدياد خبرته يوماً بعد يوم وعمله بالسمسرة والوساطة في تأجير الشقق لسائحي الخليج وكيف تتحول إلى أوكار للممارسة المتع الحرام ، أما السائح العربي فبمجرد نزوله القاهرة يتغير سلوكه تماماً فهو في القاهرة متحرر منطلق مرتدياً البنطلون يحاول قدر إمكانه الاستمتاع بماله ورؤية أصناف كثيرة من الحريم وهو يتساءل مندهشاً لماذا يترك المصريون بلدهم ويرحلون إلى بلاد الصحراء ؟ ولماذا كلما رآه جاره ضابط الشرطة رمقه بنظرات نارية ؟ هذا الضابط الذي يحدثنا عن مكالمة تأتيه من "الباشا" الكبير يأمره فيها بأن يُخرج السيدة التي قبضوا عليها في شقة لأنها زوجة "محترمة" لرجل مهم ويتعجب ضابط الشرطة ويتساءل هل المجرمون بداخل السجون أم خارجها !؟ وكيف ضابط شرطة لا يجرؤ على اغلاق الشقة المواجهة له التي يستأجرها هذا الشاب الخليجي !؟

وتحت عنوان "شارع قصر النيل" وفي نبرة ساخرة مبطنة بالنقد اللاذع والتقريع الشديد – يُعرّض الكاتب بأحد رموز النظام الفاسد وهو رجل الأعمال "أحمد عز" ويتحدث عن الشاب خريج الاقتصاد ابن الموظف الفقير والذي لا يجد عملاً وإذا وجد فمن خلال رشوة تبلغ الآلاف من الجنيهات واضطراره للعمل تحت ضغط الحاجة – عاملاً في سوبر ماركت ويتناول الكاتب أيضاً جندي المرور الذي تعلم كيف يفتح مخه بواسطة دفتر صغير وقلم جاف وادعائه أنه يكتب مخالفة فيتناول على إثر ذلك الرشوة وشعوره وهو يخيف الكبار ممن يركبون السيارات الفارهة بشئ من الرضا والمتعة في تهديدهم ومعاقبتهم ومثلما تتطرق إلى نماذج كثيرة من البشر والمهن يتطرق أيضاً إلى البلطجي الذي يقلد الحكومة في ممارسة البلطجة . فهو يبيع عافيته للكبراء ويتحول إلى عصا يضربون بها من يقف في وجوههم أو أمام مصالحهم وهكذا يتجول بنا الكاتب وسط البلد مع أنماط ونماذج عدة من الباشا الكبير وحتى أطفال الشوارع الذين يتعرضون للانتهاك والاغتصاب بصورة وحشية ويتم استغلالهم في تنفيذ الجرائم والسرقات لتكثر مآسيهم الإنسانية ويتحولون إلى مجرمين عتاة ناقمين حاقدين على المجتمع نقمة وحقد يجعل منهم قنابل موقوتة معرضة للانفجار في أي وقت وأي مكان .

إن رواية وسط البلد الحافلة بمآس وكوارث وأدواء عصفت بالبلد وبالإنسان المصري ووضعنا أمام هذه المآسي والكوارث موضع المواجهة واستفزاز القارئ والمتلقي لتفعيل طاقاته وممارسة السلوكيات السليمة أو المساهمة بدور ما في الفعل الاحتجاجي والموقف الثوري لا تقل من زوايا البعد الفني لها أهمية وحيوية عن أبعادها الدلالية والاجتماعية فالرواة فيها متعددون مختلفو المهن والوظائف والمواقع وتتعدد معهم طرائق سردهم ووجهات نظرهم والكاتب يتخفى وراء هؤلاء جميعاً بحرفية ومهارة ولعة منسابة سهلة ومنطلقة إلا أن نزعته الساخرة وروحه التهكمية تظهر بوضوح في كل المواقف والمشاهد .. ورغم اختلاف الرواة الساردون واختلاف مواقعهم ومواقفهم إلا أنهم جميعاً يقودون المتلقي إلى نقطة الاستفزاز والحراك الحي .. إنها رواية جديرة بأن تكون إحدى النماذج الهامة المرهصة لثورة شباب مصر شباب يناير المجيد .

أما رواية "ساحر" التي أصدرها الكاتب عام 2009م ، فهي رواية مغامرة تدور على متن سفينة سياحية وتتسم أحداثها بالغموض والإثارة حتى يتكشف لغز على ظهرالسفينة وأعتقد أن الكاتب كان ينوي إصدار مجموعة من المغامرات على هذه الشاكلة وذلك من خلال سلسلة من روايات المغامرات تحت عنوان سلسلة "بحّار" ، ربما تدور أحداثها جميعاً في البحر وعلى متون السفن أو غيرها من الوسائل البحرية . وأزعم أن الكاتب يحاول إنجاز هذه السلسلة وتقديمها إلى قطاع من الشباب والناشئة مغرمين بهذا النوع من القصص والروايات .

وعن روايته الصادرة عن دار "شرقيات" 2011م وهي رواية "بورتوسعيد" فهي تكاد تكون رواية وثائقية عن مدينته وهو يفتتحها بأغنية من الفلكلور البورسعيدي "أن بورسعيدي وبمبوطي" ويختتمها أيضاً بأغنية من هذا الفلكلور الذي يؤدى بصورة جماعية على آلة السمسمية وهي أغنية "ياما قريت وسمعت زمان" وهي من الأغاني التي أنتجتها فترة التهجير ويقول فيها المغني :

يوم الهجرة ده كان مشئوم

أروح طنطا أو السلوم

يومها أنا عيني ما شافت نوم

وعقلي شت في كل مكان

وتتناول الأغنية مقارنة تنافسية بين مدينتي بورسعيد والإسكندرية يبدو أنها كانت نتاج حديث تنافسي عن مزايا كل من المدينتين بين شخص بورسعيدي وآخر إسكندراني . وقد وضع الكاتب عنوان "أغنية التتر" للأغنية الأولى . و "تتر النهاية" للأغنية التي اختارها لينهي بها الرواية والمعروف أن "التتر" مصطلح مسرحي مما يعني أن الكاتب يريد القول بأن الأحداث الكثيرة التي ضمتها الرواية بين دفتيها خاصة بعد قرار المنطقة الحرة إنما هي فصل أو فصول هزلية أو هي من المضحكات المبكيات .

إن الرواية تتبع تاريخ بورسعيد وعلى لسان رجل بورسعيدي (عمر) والذي نشأ في أسرة متوسطة وأصدقاء أسرته من عائلة (منصور) ويسرد عمر بصفة خاصة الهموم الذاتية وأحلام شباب تلك الفترة الموؤدة متضفرة بأحداث من تاريخ المدينة .. إنه نوع من التلاحم والتضافر العضوي بين الذاتي والموضوعي ، العام والخاص وضرب من الانتماء العميق بين المدينة ومواطنيها ، وتتضمن الرواية أيضاً فصلاً من مذكرات "محمد رياض" محافظ المدينة أثناء فترة العدوان الثلاثي وما سطره هذا المحافظ العظيم من تفاصيل المقاومة الشعبية والرسمية الشرسة لقوات العدوان الثلاثي الغاشم خاصة ما جاء في يومياته خلال شهري أكتوبر ونوفمبر من عام 1956 .

إن المؤلف يتعمد أن يضعنا بين مشهدين كبيرين مفارقين ومختلفين تماماً ، الأول : المدينة وأهلها في زمن التألق والأصالة والشهامة والثاني المضاد : المدينة وأهلها في زمن التحول والتبدل وتشوه وجهها وتردي الخدمات وتفاقم أزمة الإسكان فيها والأخطر ما نشأ عليه أهلها من قيم وأعراف ومتواضعات وضياع أجمل هذه القيم وتلك المتواضعات والأعراف . إن الرواية لتسرد على لسان شخصياتها أشياء عن الانهيار القيمي والأخلاقي الناتج عن الانفتاح وسيادة القيم المادية وتتحدث عن آساليب التهريب والتحايل من المنافذ الجمركية كما تشير إلى طبقة طفيلية ظهرت في المدينة حققت الثراء الفاحش من المنطقة الحرة ومكاسب التهريب الجمركي وفرضت هذه الطبقة أخلاقها وقيمها وكرّست من السلوكيات الاستهلاكية بل وتعالت في البنيان وزاحمت العائلات البورسعيدية الأصيلة في حي الأفرنج وإن لم تجد هجموا عى شاطئ البحر يغتالونه حتى توارى الشاطئ تماماً عن الجميع وبذلك زرعت بطول الشاطئ غابة اسمنتية قاسية من الأبراج والعمارات هذا غير ما قامت المحافظة ببيعه من قطع أراض أخرى في أماكن متميزة عدة من المدينة ، حُرم ابن المدينة من السكنى فيها وراح يلهث وراء سكن اقتصادي متواضع يؤويه وأسرته على أطراف المدينة حيث المساحات المردومة من بحيرة المنزلة .. وتلك جريمة أخرى !

إن رواية بورتوسعيد حين يسرد أبطالها فصولاً من تاريخ المدينة وعراقة هذا التاريخ منذ تنيس والفرما وبطولات هذا الشعب الذي حفر أجداده قنالها ودافع أحفاده عنها طوال تاريخها الحديث والمعاصر فإنها في الوقت نفسه وبناء على حدة التحول الذي شهدته المدينة وتبدل قيمها وأعرافها تعتبر مرثية كبرى وبكائية شديدة الوجع والحزن على ما آل إليه وضع المدينة الجميلة بعد الانفتاح ذلك التحول والتبدل الذي سجله تاريخ المدينة مثلما سجل من قبل نشأتها وتطورها وتفردها قبل سبعينيات القرن الواحد والعشرين .

ونأتي إلى رواية "كريسماس القاهرة" والتي أصدرها الكاتب عن دار شرقيات بالقاهرة وهي الرواية التي فازت بجائزة إحسان عبد القدوس عام 2011م . وبأسلوبه الأثير لديه في افتتاح المقاطع السردية بمقتطفات من عناوين الجرائد والصحف التي يحرص الكاتب أن تواكب تواريخ صدورها أحداث الرواية – يتبع سامح هذا التقليد أيضاً في رواية "كريسماس القاهرة" ، ومع الخمس عشرة صفحة الأولى من الرواية تسرد راوية شيئاً عن سيرتها الشخصية وحياتها وبعض التجارب التي مرت بها ونعرف أنها فتاة تنتمي لأسرة متوسطة مرت في حياتها بتجربة حب ثم بعد ذلك زواج فاشل فهجرة إلى الخارج ثم عودة بعد الطلاق ومعاناة الفراغ ثم التوفيق إلى وظيفة تيسرت لها وهي على صفحات المواجهة والمكاشفة مع الذات تعبر عن شوقها لحياة سوية مستقرة بلا قلق أو متاعب أو معاناة ونعرف عنها أيضاً أنها نموذج للفتاة والمرأة التي تعيش في القاهرة حيث متاعب العمل نهاراً والفراغ ليلاً خاصة وأنها تقيم مع جدتها – هذا الفراغ الذي يدفعها لبعض التغيير والخروج للتسكع في ليل القاهرة أحياناً وهي تعيش حياتها تناقصات مرحلة الشباب وأشواقها لكنها تتمنى حياة زوجية هادئة كأي امرأة ، إنها تلجأ إلى المكاشفة والمواجهة بينها وبين الذات كنوع من التطهر أو ضرب من الرغبة في تعديل مسارات حياتها أو نوع من إعادة الحسابات وتقييم الفترة التي مرت من حياتها بعد تجربة الهجرة والزواج والتي رأت أنها كانت تجربة فاشلة .

وتسرد المرأة الشابة عن لقاءات بينها وبين الناشط السياسي "إيهاب" وشوقه إلى مضاجعتها ومشاكله مع أمن الدولة ومطاردتهم إياه ، وتراه ذات مرة في ميدان طلعت حرب وسط القاهرة وسط مظاهرة حاشدة أحاط بها الأمن المركزي وترى "إيهاب" يبدو وسط المظاهرة جاداً متحمساً قويّ الإرادة فتعجب لأمره وتتمنى لو تحبه بالفعل لولا إلحاحه ومطاردته لها ليضاجعها . وفي أحد لقاءتهما يشرب "إيهاب" فيسكر ويبدأ اطلاق سيل من اللعنات على الحكومة والفساد المستشري فيها والقمع السلطوي لمعارضين وعند هذه النقطة يتحول الكاتب إلى عصور مصر الوسطى و (مجتزأ من أوراق تاجر تركي زار القاهرة وقتذاك) ويتحدث عن حاكم عادل عمّر البلاد وأمّن العباد وبسط الأمن في ربوع المحروسة ثم يعود الكاتب مرة أخرى إلى المرأة الشابة حيث تستدعي ذكرياتها معبرة عن استيائها من قبول "معتز" زواجه منها بالرغم من دخولها حياته وهي ليست عذراء ! ، أما معتز الذي تزوجها وهاجرت معه إلى كندا فيظهر لها الحب والقبول ثم تتذكر أشياء من حياتها في الهجرة وشعورها بالقلق تجاه زوجها "معتز" وصدمتها فيه حتى تتأكد أنه شاذ جنسياً وتقرر الطلاق والعودة إلى مصر وهي تنوء بحمل أوزار تجربة قاسية وتدخل على إثر ذلك المستشفى وأثناء وجودها تهز أسماعها صيحات وهتافات عالية ، تكتشف أنها أمواج هادرة من الشباب خرجت زاحفة لتغيير مصيرها ومصير بلدها إنها ثورة 25 يناير المباركة وعلى التوازي من هذه الأحداث تتوالى مشاهد من القاهرة الوسيطة عن حاكم عادل تبدو صورته وسيرته أشبه بحلم أو أسطورة إذ ينشر العدل ويبسط الرخاء والإعمار وهو يختفي أعواماً ثم لا يلبث أن يعود مرة أخرى ليواصل بسط الأمن ونشر العدل وإنصاف الرعية .

وبعد : فقط كان هذا العرض السابق لأعمال الكاتب سامح الجباس مادة ملخصة لمن فاته متابعة أعمال كاتب هام من كتاب مدينة بورسعيد جدير بالمتابعة والقراءة والتعرف إلى تجربته السردية عن كثب لما يتسم به من مثابرة وحرص على تطوير هذه التجربة من عمل إلى آخر ومن خلال هذا العرض أيضاً نلخص أهم الملامح الفنية لتجربة الكاتب السردية فيما يلي :

أولاً : يتسم أسلوب سامح الجباس لغوياً بالوضوح والسهولة بل وكثر من الأحيان الجمع بين واقعية اللغة ورشاقة أسلوبها وبساطته في آن .

ثانياً : غلبة الحس الفكاهي الساخر في عباراته وصوره من خلال السرد أو الوصف مما يؤهله أن يكون من كتاب أدب السخرية والنقد الاجتماعي اللاذع وعن جدارة واستحقاق .

ثالثاً : اهتمامه في روايته الواقعية هذه بالتوثيق خاصة من صفحات الجرائد الرسمية اليومية .

رابعاً : الاهتمام بوضع عناوين رئيسية وفرعية لفصول روايته ومقاطعها السردية .

خامساً : غلبة الوصف المشهدي والسردي على مقاطعه أكثر من الحوار والمشاهد الحوارية .

سادساً : اهتمامه في روايته عن بورسعيد برصد تطور المدينة من جهة والوقوف باهتمام على تغيراتها وتبادلاتها الاجتماعية والسيسولوجية ورصد التغير في القيم والعادات والأعراف بصفة خاصة .

سابعاً : ظهور أثر البيئة وعوائدها في رواياته عن بورسعيد .

ثامناً : اهتمامه بهموم وإشكاليات الطبقة الاجتماعية المتوسطة خاصة وهو ينتمي إلى هذه الطبقة التي عانت كثيراً حتى كادت أن تختفي تماماً من خريطة الحياة الاجتماعية المصرية خلال الثلاثة عقود العجاف قبل ثورة يناير المجيدة .

الهوامش

1- مجموعة "المواطن المثالي" د. سامح الجباس ص 7 .

2- رواية "وسط البلد" د. سامح الجباس ص 7 .






دكتور سامح الجباس

مشاركة