السبت، 6 يوليو، 2013

جبال لا تصلح للحزن .. عشق المدينة وشئون أخرى

أصدر الكاتب والمسرحي الأستاذ أسامة المصري مجموعته القصصية الثانية "جبال لا تصلح للحزن" – عن فرع ثقافة بورسعيد عام 2008م وتشتمل المجموعة تسعاً وعشرين قصة تضمها حوالي ثلاث وثمانين صفحة من القطع الصغير وأهدى الكاتب المجموعة إلى زوجته التي وصفها "بالوردة الصامتة" يقول في إهدائه :

أصدر الكاتب والمسرحي الأستاذ أسامة المصري مجموعته القصصية الثانية "جبال لا تصلح للحزن" – عن فرع ثقافة بورسعيد عام 2008م وتشتمل المجموعة تسعاً وعشرين قصة تضمها حوالي ثلاث وثمانين صفحة من القطع الصغير وأهدى الكاتب المجموعة إلى زوجته التي وصفها "بالوردة الصامتة" يقول في إهدائه :

"في خريف العمر .. لا يتبقى على الشجرة إلا بعض الأوراق المتناثرة ووردة واحدة تظل باقية إلى مشارف الربيع .." .

وبصفة عامة تتضمن المجموعة قصصاً عن "بورسعيد" مدينة الكاتب وقصصاً أخرى تناولت شئوناً شتى حول الأصدقاء والأب وتجارب ومواقف وشخصيات أخرى عديدة .

ومن القصص البورسعيدية ، ومع قصة "هواء مالح .. حياة عذبة" يجسد لنا الكاتب فيها بعضاً مما تحتشد به بحيرة المنزلة من قصص وحكايات .. يسرد علينا الكاتب قصة الصياد أبو سالم وابنه ويوجز لنا في كثافة وافية طبيعة حياة الصيادين وبساطتها في البحيرة ، كما تتضمن أهم عوائدهم وكفاحهم سعياً إلى أرزاقهم . ذات يوم تصرخ الأم على ابنها سالم حتى يسرع لإنقاذ والده الصياد الذي وقع في البحيرة يسرع سالم ويمدد جسد أبيه إلى القارب بمساعدة الأم لكنه يلفظ أنفاسه .. تودع الزوجة والابن رب الأسرة ويلقيان بجثته في ماء البحيرة فهي على حد قول الأم "ستر وغطا" إنها حياة البحيرة .. البحيرة مصدر الرزق وأيضاً مقبرة تستر الأموات هؤلاء الذين وهبوا حياتهم لها وكأن بينهم وبين البر جفوة ! وتمتاز القصة بقفلتها الموفقة المواءمة لجوها العام حين يعلق الكاتب في آخرها بقوله :

"كانت الأرض هي الشئ الوحيد الذي لم يتعلمه سالم من أبيه" (1) .
وأما قصة "موت خريف نقي" فهي تنقل لنا شيئاً من عوائد أهل بورسعيد قبل الانفتاح وهي عادة صيد طائر السمان هذا الطائر الذي كان يأتي المدينة مهاجراً في فصل الخريف ليحط على شواطئها وشواطئ بحيرة المنزلة وتقف القصة على براعة صيادي السمان في نصب الشباك والفخاخ ويوظف الكاتب ظاهرة السمان لإثراء موقف إنساني يضفره بصورة جميلة في نهاية القصة . ثم قصة "أحلام بحار قديم" ويسردها الكاتب على لسان بحار يبوح فيها بمتاعبه وأحزانه وشعوره العميق بالاغتراب بعد قسوة زمن تحول مدينته من حال إلى حال بعد قرار المنطقة الحرة .. إنه شعور كثيف قاس داهم أهل المدينة ممن عاشوا في أرجائها وبين ربوعها ، بين بحرها وبحيرتها قبل الهجرة ، والأمر لم يكن مجرد تحول في معطيات المدينة الجغرافية والسكانية فحسب بل كان الأخطر هو ذلك التحول الحاد الذي أصاب القيم في مقتل .. قيم أهل المدينة الأصلية وعوائدهم التي عاشوا عليها في سعادة وسلام عقوداً من الزمان . لقد تركت ظاهرة تحول المدينة بعد الهجرة آثارها ليس على كُتّاب بورسعيد فحسب بل على شعرائها أيضاً وامتدت إلى حكايات مقاهيها وجلسات أهلها من ذلك الجيل الذي عاش الزمن الجميل .

ومع قصص وحكايات البورسعيديين في المهاجر التي نزحوا إليها بعد حرب السابع والستين تتناول المجموعة قصصاً عنها ومنها قصة "ست أيام .. ست سنوات .. ست ساعات" وفيها يصف السارد بلدة "شربين" بمحافظة الدقهلية والتي هاجر إليها مع أسرته ويعقد مقارنة بين مدينته ومدينة شربين ويتذكر كيف كان صوت الشاعر البورسعيدي الشعبي كامل عيد يصل للمهجرين أينما كانوا وكيف كان الجميع يردد في تفاؤل أغنية ابراهيم الباني الشهيرة "فجر الربيع أهو لاح" ويتذكر صوت أمه مختنقاً بالبكاء عبر أثير الهاتف تسأل في لهفة عنهم وهي مضطرة أن تكون في بورسعيد بعض الوقت لرعاية زوجها المستبقي هناك ولشدة ما آلم السارد سؤال صديقه عبد الفتاح وهو من أهل شربين

- هانت عليك شربين وحتسيبها ؟!

فيرد السارد : مصر تساعدنا كلنا .

فيحلف عليه عبد الفتاح أي مصر يقصد بدقة ؟ بورسعيد أم شربين ؟

وعن علاقة البورسعيدي بمدينة القاهرة تأتي قصة "سرد متقطع" ليصف تجواله في المدينة العريقة ذات الألف مأذنة ومن شوارع وحواري القاهرة الفاطمية إلى شوارع القاهرة المخملية .. فؤاد وسليمان باشا ثم إتيليه القاهرة وجروبي والجريون والتحرير والنيل . إن تعب التجوال في شوارع القاهرة يريح السارد . ويعود إليها السارد مرات ومرات .. الإحساس بالاغتراب يغشاه أحياناً ويشتاق الأوبة إلى بورسعيد إلا إنه يظل في نفسه ذات الحب ونفس الاشتياق .. يعود إلى شاطئ بلده الجميل يقضي لحظات حالمة مع من أحب .. يعاوده شوقه إلى القاهرة .. يمد اليد لعله يرتقي إليها .

إن ما يبديه السارد من أحاسيس ومشاعر وما يصفه من تجوال في شوارع القاهرة وما يعاوده ويدفعه من شوق إليها والحنين إلى شوارعها إنما هو إحساس كل بورسعيدي وكل مواطن خاصة إذا كان ينتمي للكتاب والمثقفين فطريقهم الدائم بورسعيد – القاهرة والعودة .

ومن القصص التي تتناول شئوناً أخرى :

- قصة "جبال لا تصلح للحزن" وهي عنوان المجموعة والقصة تسردها معلمة جاء تكليفها بالعمل في منطقة جبلية نائية ، الحياة فيها صعبة وشديدة وسط شدة الحاجة وندرة المياه أما الرصيد الإيجابي الذي خرجت به المعلمة من تجربتها في تلك القرية فهو كتاب صداقات وحب تلميذاتها من نبات القرية .

وفي قصة "اللون الأسود الإنساني" تذهلنا القصة بهواية رجل وحبه لقتل العصافير ورؤيته الطيور وهي ممزقة وتكون نهاية هذا الرجل في المستشفى حيث تتجمع على سريره القطط وتتركه ممزقاً ، .. إنها قصة جيدة وزاد جودتها تلك الفانتازيا التي أضافت إلى قيمتها الفنية والدلالية . وتتناول قصة "الضغينة" وصف مشاعر الثأر والانتقام حين تستبد بالإنسان .

- أما قصة "الطيبون يموتون أولاً" فهي تتناول بمشاعر فياضة بالحب والوفاء ذكرى صديق عزيز لدى السارد .

- وعن قصة "أصدقاؤنا في السماء" التي تتناول معاني الوفاء أيضاً فهي عن الأب وجلسته في المقهى والتفاف روادها حوله وهو يلعب الطاولة وبراعته فيها وانتصاره الدائم على منافسيه وتقدير الأب لأصدقائه .

- في قصة "لا تستطيع السماء أن تنتظر" والتي يدور حدثها في الريف يتأسف السارد ويتوجع حزناً من ظاهرة إزهاق أرواح وقوع ضحايا في قرية يدين السارد عمدتها ومأمور مركزها بالقسوة والاستخفاف بأرواح البشر .

- في قصة "امرأة صالحة للأكل" يدعو الشاب عبد الفتاح صديقه إلى عزومة عنده في بيتهم الريفي .. يعود الشابان المراهقان سوياً من مدرستهما ويمرحان بعض الوقت ، يصلان إلى بيت عبد الفتاح وقد نال منهما الجوع .. بعد الغذاء الدسم راح الضيف في سبات عميق ما بين العصر إلى ما بعد المغرب .. يسمع في الظلام صوت صديقه عبد الفتاح يخاطب فتاة يتفق معها على قضاء ليلة حب معها هو وصديقه وطلب منها أن يكون دور الضيف قبله .. ينفتح باب الدوار ويظهر العمدة فجأة .. يتجمد ولده عبد الفتاح من الخوف وهول المفاجأة .. ينظر العمدة إلى وجه ابنه يتفحصه وقد ارتسمت ابتسامة على وجهه .. ثم يوجه حديثه للفتاة : "أمك في البيت يا سماح" ؟

- أيوة يا حاج .

يتوجه العمدة لابنه آمراً :

- قول لأمك يا عبد الفتاح العمدة هيتأخر شوية .

تعليق عام حول المجموعة :

1- يلاحظ في قصص المجموعة الواقعية الحميمة والروح المألوفة في قصصها وشخصياتها خاصة لأبناء البيئة الساحلية البورسعيدية وبعض الأمور التي واجهوها في مواطن التهجير عقب نكسة يونيو 67 الأليمة .

2- رسم الكاتب الشخصيات في القصص بصورة طبيعية وتلقائية من خلال تطور الحدث أو الحوار .

3- غلب كم السرد في القصص على الحوار ومعظم القصص سُردت على لسان الراوي الغائب العليم .

4- الكاتب على وعي وادراك بفن القصة القصيرة وكتابتها وضرورة اتسامها بالايجاز والتكثيف مع الاقتصاد وعدم التزيد فيما لا يفيد حدثها الأهم وهو ما يجعله من أحد كتاب القصة القصيرة المميزين في بورسعيد .

5- تتسم اللغة في المجموعة بالبساطة والسهولة والوضوح وهو ما يجعل قوة تأثيرها وانطباعها أقوى لدى القارئ .

مشاركة