الثلاثاء، 12 أغسطس، 2014

حين تبدلت المدينة واغترب أبناؤها قراءة في "سماء بلون الشفق" لإبراهيم أبو حجة

أما الفضاء المكاني فيكاد يغطي مدينة بورسعيد وجانباً من مدينة القاهرة خاصة ميدان التحرير حيث بعض مشاهد الثورة وهتافات الجموع الثائرة في الشوارع والميادين . وٌتعدد في الرواية أسماء الشوارع والحدائق والساحات والمناطق السكنية في بورسعيد عبر شريط ذكريات الراوي وحيث تفتحت عينه منذ النشأة والطفولة ومرحلة الصبا في حي شعبي من أحياء بورسعيد السكنية وهو منطقة عمارات ناصر وهي منطقة أنشئت في أواسط الستينيات من القرن الماضي لتحل محل منطقة عشوائية كانت تشغل هذا المكان وكانت تُعرف بعزبة فاروق .

عن فرع ثقافة بورسعيد وضمن سلسلة النشر الإقليمي ، أصدر الشاعر والكاتب إبراهيم أبو حجة كتابه "سماء بلون الشفق" ، هذا وقد ذيل الكاتب عنوانه على الغلاف بأنه "رواية" وكان الأدق أن يحدد النوع الأدبي لعمله بأنه "رواية قصيرة (نوفلا) إذ إن عدد صفحات الكتاب يبلغ حوالي ستا وسبعين صفحة من القطع المتوسط واعتقد أن الكاتب أثناء عمله في كتابه – كان محاصراً بلوائح النشر الإقليمي ومحدودية صفحات النشر فيه، إذ إن أقصي صفحات ممكن يبلغ حوالي تسعين صفحة . إلا إن الكاتب وفق في اختيار غلاف كتابه الذي كان لوحة فنية لجزء من حي العرب القديم بمبانيه ودكاكينه الخشبية وقد بدت السماء في اللوحة بلون الشفق ومال اللون في أطراف اللوحة / الغلاف إلى شيء من القتامة . وربما يثير العنوان وما بدا من ألوانه إلى دلالات وإيحاءات تتصل بالمدينة من جانب . وتتلون بوجدان الكاتب وأحاسيسه من جانب آخر ، فالمدينة وكما يُحب أبناؤها أن يتناولوها في أعمالهم السردية ، تكاد تكون ترمومترا للوطن تتجلي على سطحه الزجاجي حالة هذا الوطن ودرجة حرارته سلماً وحرباً ، رخاءاً وشدة ، قوة وضعفا.
وفي رواية قصيرة كتلك كان من الطبيعي أن تكون شخصياتها محدودة فقد انحصرت بين :
الراوي أو (المؤلف الضمني) على عليوة الذي كان يعمل موظفاً في السجل المدني.
الأستاذ على عصفور مدرس التربية الفنية للراوي في المرحلة الابتدائية والذي كان له أثر عليه سواء من خلال شخصيته أو من خلال لوحاته.
ثم يأتي الجد والجدة خاصة في الثلث الأول من الرواية ونجد الأستاذ موريس جاد الرب رئيس الراوي في العمل ، أما في الثلث الأخير ففيه تطالعنا شخصية عم يونس الحلاق حيث كان يغشي الراوي وبعض الأصدقاء دكانه في حي الأمين للمسامرة وتبادل الطرائف والنكات والحديث في شئون وشجون شتى وتظهر شخصية عم يونس في الثلث الأخير من الرواية .
وهذه الشخصيات تأتي عبر صوت الراوي في إطار سرد بُوحىٌ مونولوجي يستدعي فيه شريط ذكرياته عن أحواله واحوال بلدته هذه الأحوال التي تبدلت بين زمنين :
الأول : زمن ما قبل الحرب والتهجير حيث نشأة الراوي في الطفولة والصبا
الثاني : زمن ما بعد الحرب والعودة من التهجير وتحول المدينة إلى منطقة حرة استهلاكية وأثر ذلك على الراوي والمدينة معا كان ذلك التحول حاداً ومفصلياً وحاسماً وهذا التحول وتداعياته على الكاتب وعلى مدينته تكاد نجده تقريباً في كل الأعمال السردية التي صدرت عن ذلك الجيل الذي عاصر المرحلتين بل ونجده في أشعارهم أيضاً .
ويمتد الفضاء الزماني في الرواية حتى العام 2011مم حيث اندلعت ثورة يناير المجيدة في قلب القاهرة وميدانها النابض ، ميدان التحرير وهو مساحة زمنية كبيرة تستوعب العديد من الشخصيات والأحداث والتفصيلات ما ينتج لنا رواية ربما تزيد على المائتي صفحة ولكنها قيود النشر الإقليمي كما أشرنا.



أما الفضاء المكاني فيكاد يغطي مدينة بورسعيد وجانباً من مدينة القاهرة خاصة ميدان التحرير حيث بعض مشاهد الثورة وهتافات الجموع الثائرة في الشوارع والميادين .
وٌتعدد في الرواية أسماء الشوارع والحدائق والساحات والمناطق السكنية في بورسعيد عبر شريط ذكريات الراوي وحيث تفتحت عينه منذ النشأة والطفولة ومرحلة الصبا في حي شعبي من أحياء بورسعيد السكنية وهو منطقة عمارات ناصر وهي منطقة أنشئت في أواسط الستينيات من القرن الماضي لتحل محل منطقة عشوائية كانت تشغل هذا المكان وكانت تُعرف بعزبة فاروق .
وتكاد تكون المدينة وأرجاؤها موطئاً ومرتعاً للراوي وأصدقائه ، حياة وسياحة وتجوالاً سواء في مرحلة النشأة الأولي أو في مرحلته الثانية بعد العودة من التهجير ولكن شتان ما بين رؤي وحياة هاتين المرحلتين المفارقتين تماماً .
ففي الأولي : بدا الصبي الراوي نشيطاً خفيفاً مرحاً ، محباً للحياة واللعب والدراسة والالتقاء بالأصدقاء وحضور أمسيات السمسمية والاستمتاع بالُضمجة والصُحبة وترديد الأغاني الشعبية الصادحة بروح المقاومة والصمود والانتصار على العدوان الثلاثي .
أما في مرحلته الثانية : فيبدو الراوي رجلاً في الخمسين تحاصره همومة وأحزانه إثر ذلك التبدل الرهيب الذي أحدثه الانفتاح بالمدينة ومعالمها وبالتالي انعكس أثره على النفوس والقلوب. لقد بدت المدينة مزدحمة بوجوه الغرباء والمهربين والمغامرين الراغبين في الثروة والكسب السريع ، لقد تاهت معالم المدينة وغابت عن شوارعها وساحاتها البهجة والنظافة والجمال الذي كان معهوداً فيها وليحل محل ذلك كله الازدحام والفوضي والقبح وترسانات من الأبراج والعمارات المسلحة ومئات الأطنان من البضائع المستوردة ومئات الآلاف من كراتين الملابس الجاهزة وغيرها من الأغراض الاستهلاكية والتي كادت تخنق المدينة وتحاصرها من قلبها وعلى أطرافها أيضاً وعلى هذه الأطراف يوجد جنوباً منفذ الرسوة وغرباً منفذ الجميل وبينهما منفذ اللنش حيث بحيرة المنزلة فضلاً عن قرية القابوطي في الجنوب الغربي .
وقد صارت كل هذه المنافذ ليست مناطق جمركية بل منافذ للتهريب مصدراً لإرهاق اقتصاد الدولة والإضرار بالصناعة الوطنية .
إن جيل الثمانينيات من القرن الماضي والذي ينتمي إليه الكاتب – لايزال يحتفظ في مخيلته ووجدانه بتلك الصورة البهيجة للمدينة حيث تعلقت بأهداب قلوبهم ووجدانهم وتمثلت بقوة في ذاكرتهم الطفولية وهي الأشد احتفاظاً بالصور والأكثر حَمْلاً للمشاهد والرؤي والذكريات.
إن الراوي (على عليوة) – ليعود بعد التهجير ليجد نفسه غريباً في مدينة ضاعت معالمها وتاهت شوارعها وفارقتها البهجة والجمال !!
وكلما تجول الراوي في شوارع المدينة وبين أحيائها كلما ازدادت غربته وامتلأت نفسه مرارة وأسفاً إنه يسير غريباً في شوارع بلا ملامح وساحات بلا أصدقاء وأماكن ذكريات غاب عنها الأترابُ والأحباب لقد بدا الراوي أشبه بشاعر عربي قديم يقف على آثار من الأطلال ورسوم الديار في حين أن واقع المدينة بعد العودة يقول أنها تموج بالنشاط وتضطرب بالحركة . إن التغير والتبدل الذي جلبته سنون السبعينات خاصة في المفاهيم والقيم والسلوكيات – كان هو الأشد وقعاً والأكثر ألما في نفس الراوي والدارس لأعمال جيل الكاتب يلمس بوضوح تلك الحقائق حيث واجه ذلك الجيل – مصدوماً – تلك الحقائق المُمضة وحيث وجد نفسه مرغماً مبادراً بالمقارنة ، آخذاً في الموازنة بين حالتين ووضعين مفارقين تماماً . إن صورة المدينة التي عشناها في "سماء بلا شفق" لتزداد قتامة واغتراباً ومزيداً من التداعي والانهيارات حتى غدت المدينة محاصرة على أطرافها بأحياء عشوائية كاملة يقطنها النازحون من مناطق الطرد للعمل في المنطقة الحرة وما أتاحته من فرص للعيش والكسب .. تلك بعض القضايا والحقائق الاجتماعية التي تثيرها رواية "سماء بلون الشفق" لإبراهيم أبو حجة .
وإننا لنعرف أبا حجة شاعراً متميزاً وصوتاً صدح بشعره في الكثير من المحافل الأدبية فضلاً عن اصداره لثلاثة دواوين شعرية . من هنا . جاءت مقاطع روايته مصاغة بروح شعرية ولغة متجاوزة بوضوح . لغة تجاوزت بالفعل – جنسها الأدبي السردي فحلقت بأجنحة الخيال ثم ما لبثت أن حطت طيورها وسطورها على صفحات هذه الرواية ويمكن أن نعيش مع بعض نماذج هذه الصياغات في الصفحات : 10 ، 19، 21 ، 27 ، 38 ، 67 ، 71 ... الخ
ومن خلال هذه الصياغات التخيلية نستشعر إنها صفحات ممتزجة بلون الشفق.
- كما نلاحظ في الرواية ملاحظة هامة وهي تحول الضمير الراوي . ففي الصفحات العشرين الأولي يوجهنا ضمير الراوي الغائب وما بعدها من صفحات نجد ضمير المتكلم من (25 الى 30) ثم الغائب مرة أخرى في الصفحات من (31 إلى 33) ومن منتصف الصفحة 33 يستخدم الراوي ضمير المتكلم في مناجاة مع النفس أو استدعاء الظل حيث بدا وكأنه فقد ظله ويتحول الراوي إلى ضمير المخاطب (أنت) أيضاً كتلك التي نجدها في الصفحات 43 إلى 45 ثم التحول إلى الغائب صفحة 47 وما بعدها ثم إلى المتكلم صفحة 72 .. وهكذا.
إنها ظاهرة تحولات الضمائر وتبادلها للأدوار والأخذ بزمام الُروىٌ وعملية التطهير البوحى التي انتجت ما يقارب من 75 مقطعاً سردياً تشكل نتاج "سماء بلون الشفق" لإبراهيم أبو حجة . 

مشاركة