السبت، 25 أبريل، 2015

حين يتوحش الفقر وتنتحر الحياة قراءة في مجموعة "أحلام عاجزة" للكاتب فرج مجاهد عبد الوهاب

وحين كنت أتعاطى قراءة المجموعة كان يلح على كثيراً قول الله عز وجل في كتابة العزيز "الشيطان يعدكم الفقر" وأيضاً مقولة الإمام على رضي الله عنه وكرم الله وجهه : "لو كان الفقر رجلاً لقتلته" وذلك لما للفقر من آثار مدمرة على بناء الفرد وتكوينه ونوازعه وميولة وآثار لا تنتهي أوجاعها من جسد الأمة وروحها، أقلها هشاشة هذا المجتمع وضعفه ووهنه وفقدانه المناعة تجاه العواصف والأنواء هذا فضلاً عن الاحتجاجات والاعتصامات والاضرابات وتهديد السلم الاجتماعي والاستقرار المدني . والاستقرار والسلم الاجتماعي هما أساس وجوهر أي تطور وتقدم وبناء .

أصدر الكاتب المعروف "فرج مجاهد عبد الوهاب" مجموعة "أحلام عاجزة " عن سلسلة إبداعات شرق الدلتا التابعة للإقليم ضمن إصدارات النشر الإقليمي لعام 2011/2012م والكاتب أحد ناشطي الحركة الأدبية في الإقليم وهو عضو فاعل أيضاً في العديد من المحافل والمنتديات الأدبية الهامة سواء في اتحاد كتاب مصر أو نادي القصة بالقاهرة ودار الأدباء وفرع اتحاد كتاب مصر بالدقهلية ويعتبر فرج مجاهد مؤسساً لنادي أدب شربين ورئيساً له لعدة دورات وقد نشرت العديد من أعماله القصصية وآرائه النقدية والثقافة عامة في دوريات مصرية وعربية هامة مثل : جريدة أخبار الأدب ومجلة الهلال ومجلة القصة والمحيط الثقافي ومجلة "ضاد" والثقافة الجديدة ومجلة الفيصل والمجلة العربية ومجلة الأدب الإسلامي .
وقد صدر للكاتب أكثر من ثماني عشرة مؤلفا ما بين مجموعات قصصية وتراجم ودراسات أدبية ونقدية وله تحت الإعداد والطبع ثلاثة أعمال هامة هما : (الدبق) رواية و "على شلش حياته وأدبه" و "د. محمد رجب البيومي . رؤية عن قرب".
ومجموعة "أحلام عاجزة" تضم بين دفتيها تسعاً وعشرين قصة قصيرة يميل معظمها إلى الإيجاز والتكثيف وهى بصفة عامة تدور حول ظاهرة أو قل "وباء" الفقر الذي لا يزال ناشباً أظافره في جسد المجتمع وحافراً بأنيابه الزرقاء المتوحشة في لحوم الأغلبية الساحقة من أبناء الوطن حتى صار الأغلب الأعم أشبه بأشباح فاقدة للروح، مفارقة أجساداً قد تم استبعادها أو استغلالها أو نهشها المرض ونال منها أو أضناها الجوع وعصفت بها متاهات الحياة ، بما يعج فيها من نوازل وكوارث يفتحها داعي الفقر فتحاً حتى لا يدع أمام إحداها سداً أو باباً يمكن أن يوصد ولو لبعض حين .
وحين كنت أتعاطى قراءة المجموعة كان يلح على كثيراً قول الله عز وجل في كتابة العزيز "الشيطان يعدكم الفقر" وأيضاً مقولة الإمام على رضي الله عنه وكرم الله وجهه : "لو كان الفقر رجلاً لقتلته" وذلك لما للفقر من آثار مدمرة على بناء الفرد وتكوينه ونوازعه وميولة وآثار لا تنتهي أوجاعها من جسد الأمة وروحها، أقلها هشاشة هذا المجتمع وضعفه ووهنه وفقدانه المناعة تجاه العواصف والأنواء هذا فضلاً عن الاحتجاجات والاعتصامات والاضرابات وتهديد السلم الاجتماعي والاستقرار المدني . والاستقرار والسلم الاجتماعي هما أساس وجوهر أي تطور وتقدم وبناء .
وقد آثرت أن يلج معي القارئ هذه المجموعة من بدايات مداخلها النصية الأولية ، غلافا وإهداء ومقتطفات تمهيدية أو أقوال مأثورة .
أما الإهداء ، فالكاتب يهدي مجموعته إلى "صاحبة الوجه الصبوح" وصاحبة الوجه الصبوح تحتمل قصدين إما أن الكاتب يقصد بها وطنه مصر أو أنها فتاة كان له معها قصة حب لا تنسي ولازالت تلك القصة عالقة بنياط القلب متجذرة في الوجدان ورأيي يرجح المقصد الأول للكاتب . ومن المفتتحات التمهيدية يطالعنا في الصفحة الخامسة مقولة عن نجيب محفوظ "المجالس المحفوظية" على النحو التالي : "مع تقدم العمر تبدأ في مراقبة الناس وتحولهم إلى أشياء وإلى مواضيع" وهى مقولة فنية فلسفية تومئ إلى نزوع تأملي هادئ ومقدرة فنية حسية فائقة .

واعتقد أن الملاحظتين إنما هما أقوى صلة وأوثق عُرى بشخصية محفوظ نفسه ولولاها ما أنتجت قريحة محفوظ روائعه وأوجد لنا بها مكانا على خريطة الأدب الإنساني العالمي الحديث والمعاصر . ويبقي غلاف المجموعة الخلفي ذو اللون الأخضر المهيمن على كل الغلاف بوجهيه. على الغلاف الخلفي هذا شريط أزرق وفيه مقتطف على سبيل التقديم للناقد الصديق المعروف الأستاذ "صبري قنديل" وأسفل الشريط تطالعنا صورة الكاتب فرج مجاهد.
والجدير بالذكر أن المجموعة ملحق بها قراءة أولية للناقد السوري "محمد غازي التدمُري" تحت عنوان "الوجه الصبوح وهاجس السرد الحكائي" وقد شملت خمس صفحات ونصف الصفحة .
وأبدأ بعد المداخل والتمهيدات في تناول قراءتي ورؤيتي لهذه "الأحلام العاجزة" التي سردها الكاتب . ومع أولى قصص المجموعة بعنوان "عم عبد الباقي" وهى قصة ذلك الرجل اللحاد والذي يسكن في مدينة الراوي الصغيرة والذي تجاوز عمره المائة عام والذي اعتاد الجلوس في المقابر تحت تكعيبة خشبية بجوار مقبرة مهجورة في مدخل المقابر. وحدث عن اختفي عم عبد الباقي ولم يشاهد حيث مكانة الأثير فطفق أهل المدينة يتساءلون في حيرة: أين عم عبد الباقي !؟ ومرت عدة أيام والمدينة تعيش في قلق ولا حديث للناس إلا عن اختفاء الرجل الغامض !!
"وفجأة ظهر الرجل كما اختفى فجأة وما هي إلا دقائق معدودة حتى امتلأت التكعيبة من حوله بالناس كأنهم خرجوا من تحت الثري" . ولكن هذه المرة كان يرتدي جلباباً أبيض لأول مرة في حياته وكان أيضاً حليق الذقن لأول مرة وصامتاً صمت القبور المنتشرة حوله لا يرد على أحد .
ورجع الناس إلى شئونهم. وفي اليوم التالي "صحت المدينة على ضجة عظيمة في الشوارع ، فهرع البعض إلى الشبابيك والبعض إلى الشوارع ليستجلوا أمر هذه الضجة الكبرى وسرعان ما عرف الجميع الخبر الصاعق – الشيخ عبد الباقي مات . *
وعند وصول موكب الجنازة إلى التكعيبة توقف تماماً وحاول الناس حمله إلى داخل المقابر دون جدوى ، حينئذ تقدم الشيخ عبد الصبور المشيعين قائلاً : " يا إخواني الشيخ عايز يندفن هنا في المقبرة المجهولة تحت التكعيبة ومن ثم تم فتح المقبرة ودفن فيها عم عبد الباقي وسط تهليل ودعوات الناس .
وبعد هذا العرض للقصة نسوق حولها ملاحظاتنا الفنية على النحو التالي:
إن الكاتب وعبر روايات الآخرين من خلال سارد القصة "العليم" استطاع أن يرسم لنا ملامح شخصية عم عبد الباقي بصفة عامة.
استطاع الكاتب تكوين عقدة و "أزمة" موفقة جداً متمثله في إشكالية اختفاء عبد الباقي والتساؤلات الحائرة في محاولة تفسير هذه الاختفاء.
جاءت الخاتمة "القفلة" مُدهشة بعد أن بلغت الأحداث والعقدة ذروتها وجسدت الخاتمة لحظة تنوير كاشفة ونقول : ربما كان غياب عم عبد الباقي سياحة صوفية أخيرة ثم عودة واستعداد لاستقبال الآخرة بإشارات واضحة للناس – أن يدفنوه – في مكان جلوسه تحت التكعيبة في المقبرة المجهولة . أما هذه المقبرة فهي في حقيقة الأمر ليست بالمجهولة وإنما كانت معروفة تماماً ففيها دفن عم عبد الباقي وهى كانت دائماً عامرة بالذكر والتسابيح والتي يرددها ويبتهل بها. إن حياة عبد الباقي كانت أقرب للآخرة منها إلى الدنيا الفانية الخادعة الزائلة لا محالة .
الكاتب سرد لنا قصة "عم عبد الباقي" اللحاد ولكل قارئ أو متلق الحق في تأويلة واستقباله الخاص للقصة وما سلف من القول إنما هو اجتهادي واستقبالي لها .
في قصة "ابتسامة مجهضة" يقوم رجل أعمال شهير بإقامة مأدبة كبيرة في أحد القري السياحية لأعضاء مؤتمر أدبي وكبار مسئولى الثقافة في مدينة "مرسي مطروح" . لاحظ السارد للقصة أن الجرسون الذي يقوم على خدمة مائدتهم قد ظهرت عليه علامات الحزن والتأثر الشديد ثم ما لبث أن بكى ومسح دموعه بسرعة سأله الراوي عن اسمه وسبب بكائه قال : إنه كان يستمع إلى الجالسين عن ذكرياتهم وحديثهم عن مؤتمرهم في السويس وعن شباب المقاومة وأخبره بأنه سويسي وكان منضماً للمقاومة وأن منزلة قد دمر وكانت فيه زوجته وابنه الرضيع وكانت الزوجة قد أصرت على البقاء لإعداد الطعام لأبطال المقاومة ولكنها راحت وراح ولده معها وأنه قد صار وحيداً وهو ما دفعه للتذكر والبكاء ... أراد الراوي أن يسأله عن مورد رزق آخر له أو معاش يصرفه.. لكنه تركه وراح يجمع بقايا الأشياء.
القصة مؤثرة وذات دلالات عديدة فهي تفضح نخبة المثقفين وكيف أن صراخهم ومؤتمراتهم الصاخبة شيء وأن الأفعال والتضحيات شيئاً آخر مغايرا تماماً هذا من جانب . ومن جانب آخر تبين القصة أن تكاليف التضحية يدفعها فقراء هذا الوطن دائماً وأنهم في أفراحه وانتصاراته يرضون من الغنيمة بالإياب وأن الامتيازات والنياشين يحصدها المتاجرون والمزايدون وأصحاب الشعارات ... دائماً هكذا .. إن أهل التضحية والعطاء الحقيقي لهذا الوطن ينسحبون من المشهد في هدوء صامتين وسرعان ما ينساهم الجميع وما يلبثون أن يكون مصيرهم النسيان. إن الرجل لم يرد أن يسترسل في حديثة مع الراوي لأنه يعلم أن لا جدوى من الشكوى والاسترسال ولذا فإنه تركه وانهمك في عمله جامعاً بقايا "الأشياء" من على الموائد وهذا المشهد الأخير الذي ختمت به القصة جاء خاتمة و "قفلة" مواتية وموفقة وكان من أهم عوامل تألق هذه القصة الإنسانية وقوة تأثيرها وانطباعها الذي تتركه في القارئ ولعلنا نلاحظ معا دلالة الجملة "تركني وراح يجمع بقايا الأشياء" ... إن الرجل الذي سرق المزايدون والمتخمون على الموائد تضحيته العظيمة ينتهى مصيره بجمع بقايا اللصوص لقد أثروا واتخموا وتمتعوا بتضحيات الفقراء وتركوا لهم مجرد بقايا وفتات .
أما قصة "أحلام عاجزة" وهى عنوان المجموعة فهي تقع في أقل من صفحتين ونصف وهى تتناول عاملاً شاباً في إحدى المصانع وقعت له حادثة أثناء عمله فنتج عنها تطاير أصابع كفه ومنذ ذلك الحادث تغيرت أحواله وساء مزاجه واستشعر أن كل العيون تنظر إلى نقصانه وترصد عجزه وهى حالة تفرض نفسها في مثل هذه الوقائع ... تتكرر زيارات العامل الشاب للمدينة باحثاً عن المحلات التي تبيع الأذرع الصناعية... يناوشه التوجس والخوف وتؤرقه الأسئلة الممُضة .. هل سيكفى مبلغ التعويض لشراء زراع صناعي ؟ هل ستوافق أم خطيبته على إتمام الزواج وعمل الفرح في موعده ؟ ويظل هكذا فريسة القلق والخوف.
إن القصة مصاغة بقوة المفارقة الشديدة ، تلك المفارقة الكاشفة الفاضحة لمجتمع يكاد يفقد إنسانيته ولازال أبناؤه يعيشون فريسة التخلف والمفاهيم الخاطئة وهذه المفارقة المؤلمة تسري في بناء القصة بداية من عنوانها "أحلام عاجزة" والمعلوم أن الأحلام من طبيعتها الانطلاق والتحليق وصناعة الأمل إلا أنها هنا تفقد طبيعتها هذه وتتحول إلى العكس تماماً .. إنها تتحول إلى مصدر جديد من مصادر الألم والمعاناة .. إن تساؤلات الراوي المتوجسة فيها ترجيح للفشل واحتمالات الرفض . من هنا كان التوجس والخوف وتضاعف الألم حيث يكون أشبه بعضو منبوذ وحيث يقع نهباً للوحدة والتقوقع إضافة إلى رصيده أصلاً من الفقر وإلحاح الحاجة .
ومن القصص المتميزة في المجموعة قصة "مشهد الأيام الأخيرة" وهى تتناول حالة واقعة متكررة كل يوم وهى أزمة الستين ، وما يصاحبها من أحاسيس سلبية مؤلمة من إهمال الآخرين وبداية الإحساس بالعجز والفراغ ومعاناه "صدأ الروح" على حد تعبير الشخصية في القصة .
وتتجلي في القصة ظواهر من البلاغة الفنية نذكر منها :
المقدمة والبداية : وهما مشهد سينمائي خالص .. ثمة رجل يقتحم بابا حاملاً بندقية آلية يصوب بندقيته صوب الشخصية يطلق عليه دفعة من الطلقات فيتكوم على الأرض وتخرج روحه صاعدة إلى السماء وهى تلمح أثر ابتسامة وارتياح على ملامح القاتل.
بعد المشهد : يتدخل الراوي (الشخصية) بحديث منولوجي شاكياً من معاناة هذا الكابوس المتكرر قبل خروجه للمعاش ، يحاول جاهداً أن يتذكر وجه القاتل ويتفرس وجوه من حوله ربما يكون واحداً منهم ، لكن دون جدوى ..
تأتي الخطوة التالية في القصة بزيارة أحد الأصدقاء يستخدم فيها الراوي ضمير الغائب ، يستمع صديقه إلى تفاصيل كابوسه الذي يؤرقه .. يصدمه بقوله :
" لا تغضب منى ، لن تموت هكذا ، أنت لا تملك مقومات أية قوة ، لست مما يتركون بصمة في حياة الناس" *.
يضيق صدره يخرج إلى الشوارع هائماً على وجهه يعود متعباً ، تتبعه قطة حتى باب المنزل دخل وتركها تدخل ، وضع لها طعاماً ، أشعل سيجارة وأخرج أحد ألبومات الصور من الدولاب ، جلس يتأمل ويستعيد ذكريات طواها الزمن ، نصحه صديقه الصحفي أن يكتب مذكراته .. تناول أجندة تليفوناته تردد أن يتصل بأحد . قال في نفسه: "اليوم غير الأمس" نهض خارجاً إلى الشارع مرة أخرى مشى بلا رغبة ، الشريط الدامي يتكرر أمامه .. وجد نفسه قبالة البحر مشى مجهدا إلى المقعد الحجري .. أفاق وهو في مقعده على آذان الفجر .. تسطع الشمس معلنة عن ميلاد يوم جديد .. مضي بحذاء الكورنيش مواجهاً ضوء الشمس .. "وجهه كأنه وجه آخر" عرج على السوق لشراء بعض الأشياء وقد أنتوي أمراً"
إن هذه القصة "مشهد الأيام الأخيرة" تبدو غنية بمعالجاتها الفنية لظاهرة عولجت كثيراً في السرد الروائي والقصصي ، المحلى والعالمي وهو الخروج من الخدمة وأزمة الستين ، إلا أن طرح الكاتب لها بصياغات جديدة جعلها الفكرة المستهلكة هذه تبدو طريقة وجديدة ومن هذه المعالجات :
افتتاحها بمشهد سينمائي مثير .
استلام الشخصية زمام القص بضمير المتكلم .
موالاة ذلك بمشهد زيارة صديقة بضمير الغائب .
خروجه على أثر ذلك إلى الشوارع هائماً .
توظيف مشهد القطة للتعبير عن قسوة الوحدة .
إثراء الفكرة بفتحه لألبوم الصور واستعراض ذكرياته.
فتحة لأجندة التليفون آملاً أن يأنس بصوت أحد .
عودته إلى الشارع مرة أخري .
مقارنة وضع أمثاله في بلادنا ووضعهم في البلاد المتقدمة التي تحترم آدمية الإنسان وتقدر جهوده .
الصراع الداخلي تعبيراً عن الرغبة في صياغة حياة جديدة .
انكشاف الصراع على قرار ببدء حياة جديدة .
اقتران القرار بطلوع شمس يوم جديد .
اختياره قبالة ضوء الشمس طريقاً للسير وفيها إشارة لقرار وإرادة التغيير.
عروج الشخصية في المشهد الأخير – على السوق وشراء بعض الأشياء منتوياً أمراً .
إشارات الكاتب إلى ظواهر اقترنت بانتواء الأمر واتخاذ القرار تحيل إلى إرادة التغيير وإيجابية الموقف والشخصية.
يزيد ذلك توضيحا وثراء – عروجه على السوق وهو ما يعنى الرغبة في مواصلة الحياة .
إن الكاتب يبدو لديه طاقة عالية من الأمل والإصرار على الحياة... وإنه ليؤكد على أن كل مرحلة من مراحل حياة الإنسان لها عوالمها ، كما أن لها بهجتها ومتعها الخاصة بها وعلينا أن نحياها بشروطها الطبيعية .
ولا زال كاتبنا في هذه المجموعة الفنية المتميزة من القصص يدهشنا بمفارقاته وتنويعاته عن لحن الفقر الأليم وتداعياته التي تعصف بسلام النفس وتمكنه في المجتمع حيث يمزق أوصاله تمزيقاً ويدمر أمنه واستقراره تدميرا ومع قصة "الدفء" ويحكيها طفل ربما في العاشرة أو الثانية عشرة من عمره ، يقبل الشتاء القارص عليه وعلى أسرته الفقيرة ، يعود من مدرسته يعاني شدة البرد ، يخلع معطفه المهترئ المبتل وحذاءه ويرمي بجسده متكوراً على السرير .. لا يجد أحد بداخل الشقة ، علم من جارته أن أمه نقلت إلى مستشفى الدكتور شكري ، القلق على أمه يذهب عنه النوم فيتملل يعاهد الله على أن يكف عن كل ما يغضب أمه وأن يحافظ على الصلاة ليحفظ الله أمه ، يغلبه البكاء من الخوف والجوع والوحدة والبرد يعلن عن كراهيته الشديدة لفصل الشتاء اللعين فهو ملئ بالمصائب والأمراض ، تغلق فيه أبواب البيوت ويحرم الأطفال من اللعب واللهو ، في المدرسة تتجمد أصابع يديه وقدميه من البرد ويسيل المخاط المخجل من أنفه ، يضطر لارتداء ذلك المعطف المهترئ ، يتذكر حديثاً بين أمه وأبيه حين كان مصاباً بالحمي ذات شتاء أمه تضع له كمادات الماء البارد وهى تبكي ، يسمع شيئاً عن رهن البيت والرحيل يتخيل أسرته ، أباه وأمه وأخواته البنات في العراء يفترسهم مطر الشتاء وبرودته تأتي إحدى أخواته ، تقطع عليه شريط الحزن والبؤس والألم يتساءل عن أمه وقد أرهقه القلق ، تأخذه أخته إلى مستشفى الدكتور شكري ، شتان بين بيتنا والبيت الذي يقع فيه مستشفى الدكتور ، كان مستشفى صغيراً ، نظيفاً ، له باب من الزجاج لا ينفذ منه الهواء والبرد ، الأرض مفروشة بسجاد جميل وثمة ورود هنا وهناك ، ثمة تدفئة مركزية وهدوء وإضاءة جميلة تعم المكان يري الدكتور شكري جالساً على كرسي هزاز يدخن ويراقب المطر في هدوء ، بدا أبيض حليق اللحية وذا يدين ناعمتين .. يسمع وهو يراقب كل هذا النعيم صوت سيارة وقفت أمام الباب الزجاجي الكبير وخرج منها طفل في سنه ، كان وجهه أحمر ، يرتدي معطفاً جلدياً أنيقاً له طاقية من الفرو وحذاء برقبه يغطي قدمه تابع الطفل بنظراته كان يعدو ناحية الدكتور يناديه : بابا .. بابا ينهض الدكتور يأخذه بين يديه ، يرفعه عاليا ويقبله ، يسمع في هذه اللحظة صوت شقيقته تناديه ليراي أمه .. تطلع إليها مأخوذا ولم ينبس بكلمة ...
إن هذه القصة والتي عنونها الكاتب بكلمة نكرة وهي "دفء" والتي شغلت تقريباً صفحتان ونصف ليبلغ فيها الكاتب مبلغاً فنياً عالياً ورسماً قصصاً فاعلاً ومؤثراً في إطار إعلانه حربه الشعواء على الفقر وتجنيده كل إمكاناته الفنية القصصية في مواجهته .. فالعنوان أولاً مصاغ فكرة للتهويل .. إنه دفء وأي دفء .. إنه الدفء الذي يلتمسه الإنسان هروباً من برد الشتاء القارص المميت خاصة مع طفل فقير محروم .
الشخصية الرئيسية طفل يبدو شديد التعلق بوالدته يصبه الرعب حين علم أنها نقلت للمستشفى.. إنها ليست أما حانية فحسب، إنها الدفء والأمان والحنان لطفل في مثل سنه .
من خلال عيني الطفل في شقته ينتقل بنا الكاتب بين مشاهد تنطق بالفقر وشدة الحاجة .
الدخول لعالم الطفل الداخلي وإبراز الخوف والصراع النفسي الذي يتناوشه بين أهوال الموت الأم والأمل الكبير في شفاءها مع مجيء أخته وإطعامه وإخراجه من جو القلق والكآبة وذهابه إلى المستشفى يأخذنا الكاتب عبر عيني الطفل أيضاً إلى مشاهد الثراء والفخامة والأهم ما استشعرة الطفل من إحساس بالدفء والأمان داخل المستشفى .
يلمح الكاتب تلميحاً مشهدياً بأن العطف والدفء والحنان ليس مجرد تلبية حاجات ورغبات مادية فحسب ولكنه أيضاً اقتراب حميم ودفء لصيق وذلك من خلال مشهد الطبيب وهو يحتضن طفله ويقبله ويرفعه مدللا إلى أعلى .
دخول الطفل في حالة من الذهول وهو يجول بين أرجاء المستشفى الخاص ما ينقل للقارئ إحساسه بالحرمان وشدة الحاجة ويشير بقوة إلى المفارقة الشديدة والتباين الصارخ في مجتمع ظالم هذا التباين القاسي الذي تنعكس آثاره بقسوة ووحشية على أهم عنصرين من عناصر المجتمع وهما : المرأة والطفل ..
إن هذه القصة الناجحة بدرجة امتياز .. لكفيلة وحدها بتغيير مجتمع بأسره فناً ورسما ، حدثاً وشخوصاً ، بداية ونهاية .. ولكن متى وأين ؟
إن هذه القصة لا يمكن أن تؤتي أكلها إلا في مجتمع يعرف الله ويعظم من أمر الرحمة والعدل .. إنها مكتوبة ليقرأها وينفعل بها كل من كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد ، بقي أن أقول بأن القارئ المطلع يستشعر بوضوح سقوط ظلال من "معطف جوجول" على قصتنا ، قصة الدفء .
إن مجموعة "أحلام عاجزة" لحافلة بالأداء الفني القصصي الرفيع والمعايش للمجموعة يتأكد له ذلك من قصص أخري تتوالي عبر هذه المجموعة الجديرة بالاحترام من مثل : قصة "أم طارق" وفيها إنسانية عميقة وتجسيدات عدة للتضحية وأيضاً قصة "قرب الليل" *. وهى قصة أشد ما تكون تعبيراً عن حب الكتابة والشغف بالثقافة والأدب وقريبة من هموم الكتاب والأدباء فالرغم من الشواغل والهموم إلا أننا نحاول جاهدين أن نسرق خلسة من أوقاتنا سويعات – نتابع معها بشغف واهتمام مباهج الثقافة ومتعة الأدب ونسأل عن آخر ما تصدره المطابع من ثمار الأدب ومباهجه إنها فتنة تملك علينا حياتنا وتذهلنا أحياناً عن أسرنا وأولادنا ونتمنى أن نتفرغ لها .. إنها الفتنه اللذيذة والشأن الأوحد الذي نستعذب أعباءه وتكاليفه وفي محبته نحن أقرب إلى شهداء الوجد الصوفي والعشق الألهي .
وفي القصة يراسل أحد الأصدقاء صديقة الكاتب المسافر خارج البلاد يخبره بـأنه ذهب إلى القاهرة للحصول على روايته الأخيرة ، تحايل الصديق مصراً على اقتناء الرواية ... يعود بنسخ منها يحاول اللحاق بمجلة ثقافية لصرف المكافأة الأخيرة عن قصيدة نشرها صديقة فيواجه بالروتين المتخلف والبيروقراطية القاتلة يتوجه بعدها إلى مكتب أحد الصحفيين يقدم له نسخة من الرواية ليكتب عنها في صفحته الأسبوعية – يعود في أتوبيس الوجه القبلي إلى بلدته قرب منتصف الليل يصل بيته ، يجد طبيباً في المنزل لزيارة ابنته المريضة وإنذاراً من العمل لتكرر غيابة بدون إذن ، لإضافة لشعوره الشديد بالأسف لنسيانه شراء فستان طلبته زوجته
وهكذا نتواصل مع المجموعة ونزداد معها معايشة واهتماماً واستجلابا لمتعه الفن والأداء المتأني ونختتم مع كاتبنا مجموعته بقصة "السقوط" والتي تلمح بقوة بل وتندد بتلك الازدواجية الأخلاقية والسلوكية التي نعيشها جميعاً ولا نريد أن نستجمع بشجاعتنا لنتخلص منها ، الازدواجية الحادة ذات القطبين المتنافرين ، الإيمان ، العمل ، القول ، الفعل ، النظرية ، التطبيق .
وفي نهاية قراءتي لمجموعة "الأحلام العاجزة" للكاتب فرج مجاهد لا أستطيع أن أمنع نفسي عن إشادتي بالكاتب ومجموعته وبذله الجهد المخلص الوفير في إبداع هذه المجوعة ورسم قصصها وأناشد كاتبنا أن يحاول قدر طاقته – إعادة طبع هذه المجموعة – طباعة جيدة لائقة بها وأنا على يقين أن أشهر دور الطباعة والنشر سترحب بطباعتها دون شروط – بل وجب عليها أن تكافئ مبدعها وتقدره بالمكافأة اللائقة والتقدير الذي يستحقه .
تحياتي لكاتب مخلص من كتاب القصة القصيرة ، أتشرف بأن أطلق عليه لقب"نبض الدلتا الصادق. هذا وبالله التوفيق والسداد . 

مشاركة