الأحد، 3 مايو، 2015

محور الرواية والفانتازيا والغرائبية الواقعية السحرية العربية فى الراوية "شجرة العابد " نموذجا

إن احتفاء النقاد والدراسيين بمثل هذا الأدب ومحاولة شرح وتوضيح أواصر التواصل وعرى العلاقات بينه وبين قضايا المجتمع وإشكالياته ليجعل من الأدب الصوفى العرفانى مجال بحث زاخم ودراسات ثرية حول نوع من فروع الأدب يكشف عن أصالة تراثنا ويؤكد فى نفس الوقت على ملامح الهوية العربية الاسلامية فى مرحلة تاريخية تتصارع فيها الهويات وتحتدم فيه الصراعات الاقليمية والدولية ولايخرج من هذه الصراعات سوى من يملك تراثا أصيلا ضارباً بجذوره فى أرض التاريخ متطلعا إلى المستقبل وهو مسلح بأسباب العلم والمعرفة وطرائق التمدن والعمران.

محور : الرواية والفانتازيا والغرائبية
الواقعية السحرية العربية فى الراوية
رواية "شجرة العابد " نموذجا "
تمهيد : " شجرة العابد” هى رواية الباحث السياسى او الكاتب عمار على حسن والفائز بجائزة اتحاد كتاب مصر عام 2013م وقد صدرت الرواية فى طبعتها الأولى عن دار الشروق عام 2011م وعن نفس الدار فى طبعتها الثانية عام 2014م وقد تحدث العديد من نقادنا وروائيينا عن الرواية وفيما يلى نورد بعض ما أدلوا به عنها من أراء : 
يقول د. صلاح فضل : 
" تقدم نموذجا منفردا فى الرواية العربية يضاهى أدب أمريكة اللاتينية فى واقعيته السحرية لكنه فى الحقيقة يناظره من دون أن يأخذ عنه " 
ويقول د . حسين حمودة : 
تخفى الرواية وراءها جهدا كبيرا مبذولا وذائقة مدربة صقلها الاطلاع على موروث طويل الاسيما عالم التصوف الرحب ". 

وفى رأى د . السعيد الورقى : 
" أنها تمثل سحر السرد العجائبى الذى ينهل من الصوفية ويبحث عن مصير الإنسان وحالات الوجود وسحر الشرق ".
ويصف د . يسرى عبدالله بعض من سماتها الفنية فيقول : تمزج الفانتازى بالحقيقة وتعتمد لغة شاعرية وتنطوى على العديد من القيم الإنسانية الخالدة ". 
ويتحدث الروائى والكاتب علاء الأسوانى عن أثر الرواية بعد قراءته لها يقول : استمتعت بقراءة رواية عذبة وملحمية تثبت أن خلفها أديبا يمتلك قدرة كبيرة على خلق عالم مواز ".
موجز عن مؤلف الرواية : 
عمار على حسن من مواليد 1967م وحاصل على الدكتوراه فى العلوم السياسية وعضو اتحاد كتاب مصر ونقابة الصحفيين . صدرت له ست روايات وأربع مجموعات قصصية علاوة على أكثر من ثمانية عشر كتابا فى الاجتماع السياسى والتصوف والنقد الأدبى وقد حصل على العديد من الجوائز منها " جائزة الطيب الصالح للإبداع " وجائزة أخبار الأدب فى القصة القصيرة " وجائزة الدولة للتفوق فى العلوم الاجتماعية " وجائزة الشيخ زايد فى التنمية وبناء الدولة " وغيرها من الجوائز مثل : " جائزة رابطة الأدب الإسلامى العالمية " وجائزة "الفقه والدعوة الإسلامية ". 

عن الواقعية السحرية : 
جاء فى ويكبيديا الموسوعة الحره على الشبكة العنكبوتية فى تعريف " الواقعية السحرية ": 
"تقنية روائية غلبت على كثير من الأعمال الروائية فى الأدب الألمانى منذ مطلع الخمسينيات من القرن الماضى وأدب أمريكا الاتينية بعد ذلك ثم وجدت طريقها إلى بعض الأعمال فى أداب اللغات الأخرى . وتقوم هذه الواقعية على أساس مزج عناصر متقابلة فى سياق العمل الأدبى فتختلط الأوهام أو المحاولات والتصورات الغريبة بسياق السرد الذى يظل محتفظاً بنبرة حيادية موضوعية كتلك التى تميز التقرير الواقعى وتوظف هذه التقنية عناصر فنتازية كقدرة الشخص الواقعية على السباحة فى الفضاء والتحليق فى الهواء وتحريك الأجسام الساكنة بمجرد التفكير فيها أو بقوى خفية بغرض احتواء الأحداث السياسية والإجتماعية الواقعية المتلاحقة وتصويرها بشكل يذهل القارىء ويربك حواسه فلا يستطيع التمييز بين ماهو طبيعى وماهو خيالى . وتستمد هذه العناصر من الخرافات والحكايات الشعبية والأساطير وعالم الأحلام والكوابيس . 
وفى حكايات ألف ليلة وليلة توظيف فطرى للواقعية السحرية مثل مانجده فى قصص الجان والبساط السحرى ومصباح علاء الدين .
ويقول الدكتور . حامد أبو أحمد فى كتابه "الواقعية السحرية فى الرواية العربية" : 
" الواقعية السحرية نموذج أدبى يجمع بينالقديم ممثلا فى العجائبى (قصص ألف ليلة وليلة وحكايات الجدات مثلا) ، والحديث ممثلا فى استخدام الأسطورة بالمفهوم الفنى والأدبى الذي يتبلور فى كتب وأعمال كثيرة خلال النصف الأول من القرن العشرين وفى الوعى بالجانب السريالى أو مافوق الواقع والتقنيات الجديدة التى جاء بها ". ويؤكد دكتور حامد أبو أحمد على أن جذورنا التراثية العربية تمنحنا الحق فى أن يكون لنا باع طويل فى الواقعية السحرية وأن هذه الجذور تتبدى فى كتب وأعمال كثيرة ويذكر منها على سبيل المثال – ألف ليلة وليلة ، كتاب التيجان فى ملوك حمير ، السير الشعبية ، عجائب الهند ، رحلة السيرافى ، قصص الأـنبياء ، قصص القرأن ، كتاب الأغانى ، وغيرها كتب كثيرة تدخل فى مجالات السرد بالمفاهيم التى نعرفها الأن وتفتح المجال للخيال دون أى عواقب أو سدود". 
ويقول د. يوسف نوفل عن " السرد العجائبى الغرائبى (الفتنازى) : " بين الممكن والمستحيل مساحة يكون العجائبى الغرائبى فيها شيئاً مختلفا عن الرواية البوليسية أو أدب الخيال العلمى والأسطورة واليوتيوبيا والفكاهة السوداء ، وحين نقابل بين ما هو فوق القوانين الطبيعية وماهو فى حدود الطبيعى فى حياة تحتشد فيها المخاطر وغير الممكن – يكون لقاؤنا بالسرد الفانتازى العجائبى او الغرائبى أو السحرى بجموحه عن الواقع الممكن وتخليه عن المنطقية ومايدخل فى نسيجها عن قيود وقواعد . (يقابل السرد الواقعى ويلتقى به فى أن واحد) حيث يرمز العجائبى إلى الواقعى ويوحى بالوجه الأمثل منه إشارات ودلالات " 
وتكتب هالة صلاح الدين حسين فى جريدة الشرق الأوسط بعددها رقم 12262 ، الصادر فى 24 يونيو 2012م عن الواقعية السحرية " منذ أن استقبل المشهد الثقافى مصطلح الواقعية السحرية " من خلال كتاب مابعد التعبيرية " الواقعية السحرية " للناقد الألمانى الفنى " فرانز رور" تلقف المفهوم الناقد الفنزويلى (أرتور وبيترى ) ليوظفه فى نقد السرد الأسبانى – الأمريكى ثم سرعان ماشقت الواقعية السحرية طريقها فى عالم أمريكا اللاتينية إبان خمسينيات القرن الماضى وستنياته مع أعمال الكولومبى جابريل جارسيا ماركيز والأرجنتينى خوليو كورتاثار والبيرونى ماريو برجاس يوسا والأرجنتينى لويس بورخيس والتشيلية إيزاييل أنيدى .. أرسى هؤلاء الكتاب دعائم المفهوم ورسخوا الهدف من الواقعية السحرية وهو القبض على اتحادالأضداد اتحاد قد يتراءى متناقضا فى الظاهر ". 
وجاء على شبكة " النبأ" المعلوماتية : 
"شاع هذا المصطلح فى الثمانينيات من القرن الماضى بشيوع أعمال عدد من كتاب القصة فى أمريكا اللاتينية من أمثال الأرجنتينى خورخى لويس بورخيس (1899-1988( م والكولومبى جارثيا ماركيز (1928-2014)م ، غير أن استعمال المصطلح يعود إلى أبعد من ذلك. ففى عام 1925م استعمله الألمانى فرانز رو فى عنوان كتاب ناقش فيه بعض خصائص وتوجيهات الرسم الألمانى ، فى مطلع القرن ثم تواصل استعماله للدلالة على نوع من الرسم القريب من السوريالية ، حيث تكون الموضوعات المرسومة والأشياء قريبة فى غرائبها من عوالم الحلم ومايخرج عن العالم المألوف من رموز وأشكال . هذه الغرائبية جزء أساسى من دلالات الواقعية السحرية كما شاعت فى الأدب خاصة بشكليه القصة والرواية ، غير أنها تتضاف وبصورة أساسية إلى تفاصيل الواقع ". 
المنتجات النصية الملحقة بالرواية : 
بداية من غلاف الرواية الأزرق والذى ظهرت عليه صورة لشجرة وسط مربع أخضر ومايسطره الكاتب من إهداء أو مقدمات أو أقوال – كل ماسبق يعتبر منتجات نصية ملحقة بالمتن الروائى والذى يبلغ عدد صفحاته 400 صفحة من القطع المتوسط .. هذه المنتجات النصية تمثل من وجهة نظر النقد الكلى – مداخل ومفاتيح ولوج للدارس أو القارىء الذى يهم بالتعاطى القرائى للعمل ومنها هذا التصدير الذى يصدر به الكاتب روايته وهو عن قول مأثور لمحيى الدين بين عربى : "كل شوق يسكن باللقاء لايعول عليه " هذا فضلا عن كثير من الأيات والأوراد والمأثورات والأقوال الصوفية والعرفانية التى وردت فى متن الرواية .
- الفضاءان : الزمانى والمكانى :
أما الفضاء الزمانى : فهو فترة حكم المماليك البحرية لمصر . 
وأما المكان ، فيشمل مصر كلها : الأرض والنيل والصحراء وقصور الأمراء وأكواخ الفلاحين والمساجد والكنائس وأبواب القاهرة القديمة والمكتبات والدكاكين والتكايا .. إلخ 
- الشخصيات ومتن الرواية : 
ربما يبرز " عاكف " أهم شخصيات الرواية وهو اسم ذو دلالات صوفية وكان عاكف شابا هاربا من مطاردة عسس السلطان .وتوجه جنوبا ثم يرجعه قدره إلى القاهرة المحروسة تارة أخرى . ويقوم عاكف بدور الراوى لأحداث الرواية . 
- "نمار": فتاة من الجن ، أرسلها رئيس الجن وقائدهم لتبحث عن الشجرة المباركة ، أحبت عاكفا حبا جما ولم تكن تفارقه . تزوجته ولعبت دورا هاما فى توجيهه وإنقاذه من أزمات ومواقف صعبة كثيرة ، خاصة فى النصف الثانى من الرواية . 
-" الشيخ بهاء الدين القناوى ": شيخ عاكف فى الأزهر ومرشده إلى التحصيل والقراءات وكان أحد شيوخ الأزهر العاملين. أخذ على عاتقه محاربة الفساد والطغيان والتف حوله جماعة من الطلاب الثوريين مثل : عاكف وصفوان الفيومى ومحمد القشيرى . 
- "محمد القشيرى": من أصدقاء عاكف وقد نبهه إلى حتمية العمل والحركة النشطة وأن يكون عالما عاملا وأن من أولويات العلماء والصالحين مقاومة الذل والفساد والطغيان.
"حفصة" : وهى ابنة الحاج "حسين " الصوفى صاحب الخص " والوتد" وأكثر العارفين بالشجرة المباركة وأسرارها . وكانت زوجة لصفوان الفيومى فلما استشهد صفوان فى إحدى المعارك ضد الفرنجة تزوجها عاكف وتعتبر هذه الشخصية المعادل الإنسانى للشجرة (البطل) ، الشجرة (الرمز). أما الشجرة نفسها فهى تحمل رمز الطموح والحلم لكل إنسان ، على اختلاف سعى كل منا وأحلامه ، سواء أكان هذا الحلم ماديا أو معنويا ، علما وحكمة وجاهة وشهرة ، وجدا وذوقا و وذوبا ، أمرأة أو مال أو سلطة .. ذلك أن لكل منا شجرته وربما كان البعد الصوفى العرفانى هو الأكثر احتمالا وذلك على ضوء عنوان الرواية ودلالة أسماء شخصياتها وذلك التصدير لمحى الدين بن عربى والذى يعبر عن الطموح لما هو أعلى وأسمى .. إنه الذوب الكامل فى الحبيب والفناء فيه ، هذا فضلا عما تعج به الرواية من أقوال ومواقف وأحوال واستشهادات وكرامات للمتصوفة والمصطلح الصوفى بعامة . 
المتن الروائى : 
يشكل السرد وتوجهه فى الرواية حالة تنافس شديدة وسباقا محموما للظفر بالشجرة الأسطورة التى يتحرق إلى الفوز بها الكثيرون والتى غدت بالنسبة إلى كل منهم غاية ضرورية ومطلبا حيويا لامناص من الوصول اليه . لقد تنافس للظفر بها كل من عاكف وسلطان مصر وحاكم منفلوط ورئيس قبيلة البدو حتى برسوم صديق صفوان ، كل يرى فيها غايته ومطلبه، سواء كان هذا المطلب ماديا أو روحيا .. لقد كان عاكف طالب علم فى الأزهر وانضم مع ثلة من زملائه إلى صفوف المجاهدين ضد السلطة الباغية الفاسدة وذلك بتأثير شيخه بهاء الدين القناوى وصديقه محمد القشيرى ، ولما كانت السلطة القامعة فى حالة توجس وارتياب دائم ، فقد نشرت عيونها وبصاصيها وكذا الجند والعسس فى كل مكان بالمحروسة وبذا تم كشف جماعة الشيخ قناوى ومن ثم القبض عليهم ، لكن عاكفااستطاع الهروب من قبضة السلطان الغاشمة متوجها صوب الجنوب للاختفاء . تتعرض الجنية " نمار " لعاكف وتظهر له فى صورة شديدة الفتنة وتمارس معه ألاعيب الأنثى حتى يقع أسير حبها ويهيم بها هيامافيتزوجها لتأخذه نمار بعد ذلك فى رحلة إلى عالم الجان وهناك يتكشف له من الحقائق والأسرار الكثيرة والمدهش العجيب وتتجلى فى هذا الجزء من الرواية ألوان عدة من الفانتازى والعجائب وهنالك أيضا يتوقف الزمن إلا أن الحنين إلى الأرض يعاود عاكفا فتردهنمار إلى حياته فى الأرض ويكتشف عاكف أنه قضى فى عالم الجن ثلاثة عقود من الزمن الأرضى (النسبى) ويعود عاكف إلى ماكان من شأنه مستأنفا بحثه عن الشجرة المباركة ، ولما كانت نمار تلازمه وتتدخل مسعفة إياه إذا عن له موقف صعب أو أزمة شديدة وتخبره كثيرا بما لاتقع عليه عينه - فقد ظن الناس أن عاكفا من العارفين أو أحد الأولياء الصالحين فذاعت شهرته بين الناس حتى وصل الكثير من أخباره وأحواله إلى مسامع حاكم منفلوط فاستدعاه لعلاج ابنته من مرض عضال وبمساعدة نمار أخبر عاكف حاكم منفلوط وحاشيته بأن دواء ابنته موجود فى المحروسة أسفل قصر من قصور أحد الأمراء (الأمير شهاب الدين) قائد جند السلطان وعلى أثر ذلك اصطحب طبيب الملك عاكفاقاصدين سلطان مصر بعد أن كتبوا إليه كما أخبروه أن للرجل قدرات تجعله يهتدى إلى موضع الشجرة المباركة والتى يتوق إليها السلطان طلبا للمزيد من الثروة الوفيرة والأموال الجمة . وينتقل عاكف إلى المحروسة وقصر السلطان نفسه ويطلب عاكف من السلطان أن يبدأ فى هدم قصر الأمير شهاب حيث أن سر الشجرة يوجد تحت الجزء الأوسط من القصر . ويستغل عاكف وجوده فى المحروسة ليذهب إلى الأزهر ويتجول ليلم بالأحوال والأخبار . وجد عاكف أن أزمات البلد تزداد استحكاما وأن الرعية تزداد شقاء وذلا وحرمانا . وفى المحروسة يقابل عاكف صديقه صفوان الذى يخبره أنه قد تزوج من حفصة ويتكلم عن فترة هروبه عند برسوم ( صديق الكفاح القديم حيث اختبأ عنده فى كنيسة " أبو سرجة " ثلاث سنوات )وحكى أنه خرج فألقوا القبض عليه حتى أصابه الفالج فأخرجوه وألقوا به على قارعة الطريق لتجده حفصة فتشفق عليه وترعاه .ويحكى له صفوان قصتها وعرف أنها ابنة ولى من أولياء الله وقد تقلبت بها الأيام وتشردت وعضها الجوع فالتقطها رجل من عتاة البلطجية وأجبرها قسرا على ممارسة البغاء . وتحكى حفصة عن أبيها الرجل الولى الصالح الذى تعلق قلبه بشجرة مباركة موجودة وخفية فى أن . وأخبرت حفصة أن فك طلاسم الشجرة مكنون فى كتاب مدفون أسفل جدار شامخ لقصر أمير من الأمراء .
ويطلع صفوان صديقه عاكف أن صديقهما محمد القشيرى قد مات فى السجن . ويعاود صفوان نشاطه السياسى القديم ويتم القبض عليه فتطلب حفصة من عاكف ان يتشفع له عند السلطان . فيقبل بشرط إبعاده عن البلاد وذلك بإلحاقه فى الحملة العسكرية التى جردها السلطان لمواجهة إحدى الحملات الصليبية وهناك يقع صفوان شهيدا . 
ويتزوج عاكف حفصة وتفارقه الجنية "نمار" بعد أن شعرت بالغيرة الشديدة وشدة تعلقه بحفصة وهيامه بها إضافة إلى أن قائد الجن أمر جنود مملكته بما فيهم نمار بالكف عن البحث عن الشجرة . ويكون زواج عاكف من حفصة نقطة تحول محورية فى حياته وتأخذ حياته مسلكا وتوجها جديدا حيث طريق السالكين واجتهاد العابدين ثم العزلة عن الناس والانقطاع للعبادة فى خص صغير بجوار كنيسة أبى سرجة وصديقه برسوم وتتردد كلمات حفصة فى خلوة عاكف لتنتهى الرواية فى حركة دائرية بما بدأت به من كلام حفصة عن الشجرة المباركة – شجرة العابد . 
تعليق عام حول الرواية : 
لاشك أن الفن الروائى صار فى كثير من نتاجاته خاصة فى مصر – مدافعا عن الحرية متصديا بقواعد الفن وشروطه لعدة إشكاليات وأزمات يعانى منها المجتمع العربى بعامة والمصرى بصفة خاصة مثل قضايا العدل الاجتماعى والاستبداد والقمع السياسى وكذا قضايا الإصلاح الثقافى والتنمية ومواجهة التخلف على كل المستويات . ويضيق بنا المجال لذكر نماذج من هذه المعالجات الروائية بدءابإدريس وليس إنتهاء بعمار على حسن مرورا بمحفوظ وبهاء طاهر وصنع الله إبراهيم ويوسف الصايغ وعبد الرحمن منيف وجبريل وفتحى غانم والقعيد والغيطانى ، غير أجيال تالية لهم من كهول وشباب المبدعين وإذا كان الأدباء والروائيون أنفسهم ينتمون إلى طبقات وشرائح إجتماعية مختلفة وكذا لرؤى ومواقف ايدولوجية عدة ، فإن نتاجهم الأدبى عموما والروائى خصوصا يأتى معبرا عن هذه الوضعيات والرؤى والمواقف المختلفة .
من هنا نجد أنفسنا أمام حالة من الثراء الروائى وفسيفساء من التعدد السردى والتناول الفنى مما حدا بأحد كبار ناقدينا أن يطلق على عصرنا مقولة "زمن الرواية" ، هذا فضلا عن أن كثير من المؤتمرات والفاعليات الأدبية جعلت من أهم محاورها (دراسة وبحثا) هذه الظاهرة الروائية بأفاقها وقضاياها الفنية والدلالية . 
إن رواية شجرة العابد التى وصفها الأديب علاء الأسوانى بأنها رواية ملحمية لتستوعب ماسبق من قضايا ‘اجتماعية وسياسية وثقافية ولقد بدت الرواية ذات أبعاد ومضامين عدة على مستوى الدلالى ومن هذه القضايا والأبعاد : 
1. قضية الظلم الاجتماعى والتوق إلى العدالة .
2. قضية الديكتاتورية والقمع والتهميش السياسى . 
3. قضية الكرامة الإنسانية وإعلاء قيمة الفرد . 
4. إثارة قضايا الرأى والدعوة إلى قبول الاختلاف والرأى الأخر . 
5. أهمية العلم والمعرفة فى نشر الوعى ودورهما الجوهرى فى تقدم المجتمع .
6. دور المرأه الفاعل ومهامها الرئيسية فى مجتمعنا . 
7. الدور الكبير الذى يمكن أن تلعبه المؤسسة الدينية المستنيرة . 
وقد أثار الكاتب هذه القضايا وغيرها من خلال مستويين من السرد : 
‌أ. مستوى السرد الواقعى السطحى الخطى كاشفا به عن المجتمع ومايدور فيه من ظواهر وتحتدم فيه من صراعات . 
‌ب. مستوى سرد عجائبى صوفى يبرز واقعية سحرية ذات ملامح عربية إسلامية . 
‌ج. أسهب الكاتب فى الإشارة إلى مصادر هذه الواقعية السحرية العربية وتعدد منابعها سواء من القصص القرأنى أو الكتب القديمة خاصة ألف ليلة وليلة أو سير العلماء والأولياء الصالحين أو السير والأساطير الشعبية . 
8. يدعم الكاتب روح الوحدة الوطنية المصرية يؤكد على وحدة نسيج المصريين ومصيرهم الواحد . 
9. يعظم الكاتب من شأن المعرفة الروحية ومكتساباتها مبرزا ومشيدا بدورها فى تهذيب النفس والإصلاح الأخلاقى . 
10. يرى الكاتب أن الثورة ليست عملا انفعاليا ولاخطبا رنانة أو شعارات جوفاء وإنما هى عمل جاد وجهد شاق وسعى مستمر حتى يصل المجتمع إلى حالة من الفاعلية القوية المؤثرة فتكون لأفراده وجماعاته القدرة على التغيير وإحداث ثورة حقيقية جذرية
البنية الفنية والعناصر الروائية : 
تستند البنية الفنية طبقا لرؤية الكاتب الأساسين أو مستويين 
الأول : المستوى الواقعى لسرد الأحداث وتطورها . 
وهو يشغل النصف الأول تقريبا – من الرواية . 
المستوى السردى العجائبى ويشغل من الرواية نصفها الثانى ويتكىء هذا المستوى على التراث من ناحية والصوفية العرفانية من ناحية أخرى . 
ومن خلال المستوى الأول ، نرى الأحداث التى كانت تجرى فى مصر المحروسة أثناء فترة من الحكم المملوكى فى مراحل ضعفه وتدهوره وكشف لنا السرد عن هذه الفترة وصراع السلطة على الحكم من جهة وصراعها ضد حركات النضال السياسى من جهة أخرى وتعاملها بقسوة وعنف مع المعارضين السياسين نفيا وسحلا وسجنا وقتلاوهنا يتم للسلطة القامعة المستبدة القضاء على الحركات المناهضة لها وكتم الأصوات التى كانت تنادى بالعدالة الاجتماعية والقضاء على فساد الحكم ويستطيع بعض المعارضين السياسين الهرب من قبضة السلطة إلا أن السبل تتفرق بهم . 
ومن خلال المستوى الأول الواقعى لسرد الأحداث وتطورها ، يقابلنا شخصيات مثل : الشيخ قناوى وتلاميذه : عاكف وصفوان والقشيرى وصديقهما برسوم وقد قدمت هذه الشخصيات نموذج المناضل السياسى الحقيقى ومايدفعه من أثمان غالية نتيجة إخلاصه فى دعوته ونضاله وكانت هذه الشخصيات متسقة إلى حد بعيد مع دعوتها ونضالها ولذا كانت نتائج مصائرها تكاد تكون متشابهة قمعا وسجنا ، إقصاءا وتهميشا . ويقود المستوى الأول للسرد إلى المستوى الثانى فى النصف الأخر من الرواية وهو المستوى العرفانى والعجائبى ونجد أنفسنا أمام مواجهة وصراع من نوع أخر.إنه صراع محتدم حول الشجرة الرمز التى بدت لأطراف الصراع تمثل تطلعا وتشوفا وطموحا متعدد المستويات بدإً بشهوة الشهرة والأضواء وإنتهاءا براحة العرفان مرورا بشهوات المال والقوة والسلطة . ولما كانت الشجرة المباركة فى طبيعتها ملاذا للخير ومصدرا للحق فقد استلزم السعى إليها الكثير من الجهد والمشقة والمزيد من العطاء والتضحيات وهوما اكتشفه عاكف بعد لقائه بحفصة ابنة الحاج حسين العارف بالله وزواجه بها ولذا يقرر عاكف بعد موت حفصة العزلة والتجرد للعبادة وملازمة الجهد والذكر فى رحاب الشجرة المباركة ذات الثمار اليانعة والطيور الصادحة متمثلة " فى القرأن الكريم" . وعندئذ يستشعر عاكف راحة اليقين وبلوغ السبيل وغاية المطلب . 
اللغة والأسلوب فى الرواية : 
صاغ المؤلف سرده وصفا ومشاهد وحورا بلغة فصحى ناصعة مشرقة وأساليب محكمة وتراكيب لغوية سليمة وبليغة ولعبت هذه اللغة دورا هاما فى مضاعفة الاستمتاع بعملية القراءة والتفاعل معها خاصة فى مواطن التصوير الفنى والمجاز اللغوي والكنايات الدقيقة الموحيه الموجزة .
ونسوق فيما يلى بعضا من ذلك السرد وتلك المجازات والصور . 
من صفحة 282 من الرواية يقول عاكف محدثا نفسه : 
"قشة أنا فى مهب الريح. قطرة ماء واحدة على حجر صوان فى ظهيرة يوم قائظ ، ومضة باهتة فى ظلام دامس بعضه فوق بعض". 
- ".... وشعرت بأن الزمن توقف وفارقتنى رؤى الليل وأحلامه إلى غير رجعة ونسيت كل ماجرى ورائى من عاديات الأيام ، حلوها ومرها ، لم يبق فى ذاكرتى سوى وجه حفصة وبيرق الحاج حسين وعكازالشيخ القناوى ، ومشاهد من أيامى الغابرة فى قريتى العزلاء المنسية " . 
- من صفحة 79 يقول عاكف بعد عودته من عالم الجن سالما : وقفت على الأرض ثم ، جثوت على ركبتي وسجدت لله شكرا ، وعدت من سجودى لأغرس أظافرى فى التراب اللدن واستخلص قطعة من الطين وأشمها. سحبت بأنفى رائحتها الذكية ، فسرت فى شرايينى وهيجت الذكريات الغابرة . برق فى خاطرى شىء من الماضى ، لا أعرف ماهو لكننى وجدت نفسى أقاوم رغبة فى التمرغ على الحشائش ، رغبة كانت تدفعنى إلى أن أرمى جسدى وأتدحرج بلا نهاية ونظرت إلى نمار فوجدت شفقة وحنانا يفيضان من وجهها"
من ص 86 :
"حين بزغت الشمس فوق سن الجبل ، دائرة برتقالية مهيبة قمنا ننفض عن نفسينا بقايا النخيل وانطلقنا صوب الغرب " .
ومن كلام الحاج حسين يحكى عن الشجرة : ص 87 ".. رأيت طائرا غريبا لاهو بالهدهد ولاهو بالغراب ، يحط فوق ربوة عالية ثم ينادى فى السماء المفتوحة على شمس تغيب ويقول : 
" إلى الشجرة المباركة ... هناك الأمان والملاذ والمأوى " بعدها تبدى فى الفضاء سرب من طيور جميلة الأشكال وبديعة الألوان ، راح يهم فى اتجاه الجبل ، ثم أخذ يهبط هناك ، بالضبط عند القطعة الناتئة التى هى أول ماتنحسر عنه شمس النغيب من العالم الضيق الذى نعرفه " 
ومن المقاطع السردية أيضا. يصف عاكف مشهدا لجبل المقطم ورد فى صفحة 352 يقول 
" عند انتصاف الليل انعطفنا وراء الكنيسة صوب الشرق وبدا لنا المقطم كتلة لانهاية لها من الخوف والأذى جاثمة على أرض يباب تنتظرنا لتبتلعنا وتلقى بنا إلى المجهول ". 
وفى وصف استقراره وحفصة بنت الشيخ حسين من صفحة 253 :
وها أنا فى خلاء لا أبالى بجانبى المحبوبة والنجوم ترعى خطواتى والسماء تظللنى بطمأنينة لانهاية لها. 
قلبى يرفرف فى نسائم الليبل الطرية .لا أصدق . حفصة معى .. لو مت الأن سأرحل راضيا مرضيا" .
من ص 284
" نظرت إلى السماء فوقعت جمرة الشمس فى عينى فارتد بصرى حسيرا ". 
ومن ص380 . 
يقول عاكف مخاطبا حفصة : 
" يأيتها الساكنة فى أعماق إلى الأبد ، الراقدة أمامى متقبلة فى ألم لانعرف له قرار ، انهضى ومسى شغاف قلبى بأطراف أصابعك لعله يكف عن الرجفات المتواصلة التى تكاد تخلعه من مقره . ضعيها على عينى كى تبصر ولو ساعة قادمة من هذا النهار الذى يموت رويدا على عتبات الليل ". 
ومن المشاهد الوصفية : 
" دخلت على مهل وجلست فوق ترابها ،قرات الفاتحة وحفنت منه ثلاث حفنات ووضعتها فى قطعة من شالى وصررتها ودسستها فى جيبى ثم مددت يدى وقطفت برعماً من الشجرة الصغيرة وكنت متثاقلاً إلى الجمل الذى كان خواره يتساقط عند جذع الشجرة الصغيرة فيطوقه بريم أبيض ." الرواية ص388
ومن ص 209 فى وصف قصر الأمير شهاب الدين : 
" كان القصر المقصود شاهقاً ، متسع الأرجاء ، يتكون من إيوانين ، الشرقى يطل على إسطبلات الخيل ويمكن لمن يحل به ان يرى جانبا من سوق القاهرة وبيوت الفقراء الواطئة التى تنام تحت جبل المقطم . أما الغربى فيرى النيل " .
ومن المقاطع الحوارية من الرواية ص 43 :
"ووقفت على الشاطىء وناديت الصياد العجوز بصوت مبحوح من فرط الألم : 
- ياعم إسماعيل .
وجاء الرجل على مهل ووضع يده على كتفى وقال : 
- صباح الخير . 
- فرددت التحية بصوت مرتعش ووقفت حتى حاذيته ثم مددت يدىالى عمق الماء وقلت له:
- أنظر 
- فمد بصره إلى حيث يشير طرف سبابته وقال : خير . 
- ألا ترا شىء يرفرف بين الموج .
- ليس هناك شىء سوا زهرة وادى النيل . 
- هناك أمام الزهرة . 
- لاشىء أمامها . 
- بل وجه امرأة جميلة . فضحك الرجل حتى بانت أسنانه المثرمة وقال : 
- أى وجه ؟ 
- وجهها 
- من ؟ 
- التى أرقتنى بالليل والنهار . 
- ووضع الرجل يده على جبهتى وقال : 
- اتهذى ؟! 
- فقلت له غاضبا . 
- أنا واثق مما أقوله لك . 
- فعاد إلى الضحك وقال : 
- سمعنا عن عروس البحر ، لكن لاتوجد عروس للنهر . 
وتعج الرواية : ذات الصفحات الأثنتى عشرة بعد الآربعمائة بكثير من مثل هذه المقاطع الحوارية الحية الكاشفة عن بعض ملامح الشخصيات خاصة المكنونة منها وكذا المقاطع السردية الوصفية المشهدية والأخرى ذات اللوحات الجمالية .
يتبقى لنا من رحلتنا مع رواية "شجرة العابد " لعمار على حسن - أن نطرح سؤالا ربما يكون ضمن أسئلة اللحظة الروائية التى نمر بها وهو : 
- لماذا التصوف ولماذا الرواية الصوفية (العرفانية) ؟
- نقول : إن الأدب الصوفى أدب عرفه تاريخ الأدب العربى منذ القرن الثالث الهجرى وها هو اليوم يعود لنا فى بعض الروايات التى لاقت رواجا كبيرا ومن أمثلة ذلك رواية " قواعد العشق الاربعون " للكاتبة التركية "إيليف شافاق "ومن قبل كان لدينا كتاب يحتقون برؤى الإشراق والتجلى مثل "جمال الغيطانى " وبعض الصلة بأًصداء السيرة الذاتية لنجيب محفوظ و" فساد الأمكنة" لصبرى موسى وغيرها من الأعمال . ويمكن أن نرجع الإحتفاء والإهتمام الأنى بهذا النوع من الروايات إلى عدة أسباب : 
1. التعبير عن احتياج القراء خاصة الشباب فى التواصل الروحى وتحقيق التوازن النفسى فى مرحلة عاصفة ومضطربة تمر بها البلاد .
2. سيطرة القيم المادية والاستهلاكية على المجتمع وتعاظم تأثيرها على عقول ونفوس الناس . 
3. محاولة خلف واقع أخر مواز رغبة فى الانتصار على الاخفاقات والاحباطات على الأرض خاصة بعد انتكاسات ثورة 25 يناير . 
4. فشل الإيديولوجيات والمقولات السياسية فى استيعاب الشباب وخلق واقع جديد لهم.
5. محاولة إيجاد مساحات فنية جديدة للكتابة والابداع والبحث عن صياغات جمالية مختلفة . 
إن احتفاء النقاد والدراسيين بمثل هذا الأدب ومحاولة شرح وتوضيح أواصر التواصل وعرى العلاقات بينه وبين قضايا المجتمع وإشكالياته ليجعل من الأدب الصوفى العرفانى مجال بحث زاخم ودراسات ثرية حول نوع من فروع الأدب يكشف عن أصالة تراثنا ويؤكد فى نفس الوقت على ملامح الهوية العربية الاسلامية فى مرحلة تاريخية تتصارع فيها الهويات وتحتدم فيه الصراعات الاقليمية والدولية ولايخرج من هذه الصراعات سوى من يملك تراثا أصيلا ضارباً بجذوره فى أرض التاريخ متطلعا إلى المستقبل وهو مسلح بأسباب العلم والمعرفة وطرائق التمدن والعمران.

مشاركة