السبت، 9 مايو، 2015

" غزة ... تحية وسلاما" قراءة في ديوان "غزة تكتب شعراً" قصائد مختارة لشعراء فاقوس

إن الشاعر يرسل بالبشري إلى أطفالنا الصغار الذين حلقوا في دار الخلد بأجنحة الملائكة ويطلب منهم أن يرسموا بكراساتهم التي احتضنوها القدس بجوار الكعبة ولتصرخ رسماتهم في العرب الذين أمنو لعهود ومواثيق العدو الغادر وأما إيمان فسوف ترسل فاكساً إلى محمد الدرة مصحوباً بالبشري أنها سوف تكون عروسه وتقدم له قلبها زهرة وشموعاً .

عن فرع ثقافة قصر ثقافة فاقوس / شرقية ، صدر عن سلسلة "الرسالة" التي يصدرها الفرع الديوان الشعري بعنوان "غزة تكتب شعراً" وذلك بجهدٍ مشكور ، وإعداداً وتقديماً للكاتب القصصي الأديب محمود أحمد على رئيس النادي المركزي لفرع الشرقية الثقافي ، والجدير بالذكر أن سلسلة "الرحالة" صدر منها حتى الآن ثمانية أعمال بما فيهم هذا الديوان الأخير . ويضم الديوان بين دفتيه تسع عشرة قصيدة شعرية فيها قصائد ثمان بالفصحى وإحدى عشرة قصيدة بالعامية .
ويبدأ الديوان بقصيدتين فصحتين للشاعر يحيى عبد الستار الأولى " "إيمان حجو" وهي مهدا إلى تلك الرضيعة الفلسطينية ذات الشهور الأربعة التي استشهدت على ثدي أمها والثانية بعنوان "أم الحياة".
ومع القصيدة الأولي ومنذ مطلعها تنطلق رصاصة – خسه وغدر لتخترق فم الرضيعة إيمان حجو وتحرق النار ثدي أمها فتحضنها الأم صريعة وقد اختلط سائلاً على فمها الصغير الحليب والدم والدخان في مشهد تجلت فيه البشاعة وعربد فيه الغدر في أحط صوره وأشد قوة وتوحشاَ
انطلقت رصاصة وضيعة اخترقت آه – فم الرضيعة
واحرقت بالنار ثدي أمها احتضنت صريعة صُريعة
وفي فم الرضيعة الحليب الدم والدخان واللهيب
إن رصاصة الغدر حين انطلقت صوب (إيمان) الرضيعة انطلق معها من صدر الشاعر آهه من الألم ونكأت في قلبه جرحاً عميقاً . لقد اخترقت رصاصة الغدر ثدي الأم أيضاً فانكفأت صريعة على صريعة وعلى فم الرضيعة سال خليط من الدم والحليب والدخان واللهيب .
إن الأبيات الثلاثة ترسم لنا صورة ربما لا تستطيع أن تنقلها لنا أحداث وسائط التواصل البصري فضلاً عن بشاعة المشهد البصري هنالك مشهد آخر لا يقل لوعه وألماً عن هذا المشهد الخارجي .. إنه قلب الأم وأيضاً صدر الشاعر الذي صرخ آهاته في توجع وألم شديد والصورة التي ترسمها الأبيات الثلاثة تحفل من خلال إطارها الكلي بصورة جزئية تجمعت لترسم لوحه الألم ! إن استخدام الفصل "تطلعت" يوحى بالمفاجأة و "اخترقت" توحي بالصلان والشدة وتنكير "رصاصة" للتهويل أما و "آه" فهي عنوان الألم وبين "وضعية ورضيعة" جناس ناقص يعمق إيحاء الصورة وموسيقاها الجنائزية .
ويؤكد الشاعر على الألم القاسي بتكرار الفعل "اخترقت" ويأتي الفعل "احتضنت" كرد فعلى طبيعي وسريع للفعل "اخترقت" ولكن تكون النتيجة أن "احتضنت صريعة وصريعة" وحتى يستكمل الشاعر بريشته ذات الألوان الصارخة - المشهد – يجعل الحليب الذي ترضعه الطفلة يسيل على فمها مختلطاً بالدم واللهيب والدخان .
ويتساءل الشاعر : هل سقوط الرضيعة "إيمان" علامة على الفجيعة ؟ إن دموع الطفلة تكونت بلون أبيض مختلطاً بالأحمر والأسود إنه لون الفجيعة بالفعل وإن هذه الرضيعة البريئة ما هي إلا عصفورة قد ارتدت فستاناً من الدماء ومع سقوطها صارت راية وعلامة ... علامة دالة ومفصحة عن الصمت والخنوع العربي المريب ولكن صور إيمان الشهيدة الصغيرة سرعان ما تحلق لتنضم إلى زملائها وزميلاتها الزهور الذين سقطوا في بحر البقر بقذائف الوحشية والغدر هؤلاء الذين كانوا طلائع أطفالنا الشهداء في غزة و غيرها من ساحات المواجهة مع العدو .


إن الشاعر يرسل بالبشري إلى أطفالنا الصغار الذين حلقوا في دار الخلد بأجنحة الملائكة ويطلب منهم أن يرسموا بكراساتهم التي احتضنوها القدس بجوار الكعبة ولتصرخ رسماتهم في العرب الذين أمنو لعهود ومواثيق العدو الغادر وأما إيمان فسوف ترسل فاكساً إلى محمد الدرة مصحوباً بالبشري أنها سوف تكون عروسه وتقدم له قلبها زهرة وشموعاً .
ويبادر الشاعر لينهاها عن الاهتمام بأمر العرب فلن يسمعوا ولن يستجيبوا .. لقد نسوا أو تناسوا القدس وأبطلوا فريضة الجهاد ويناشدها أن تعود ومحمد الدرة مرة ومرة من أجل نصرة القدس الأسيرة .
وفي الأبيات تطالعنا صور الشاعر :
"القدس تحتضن الكعبة" و "تصرخ في العرب" و "قلبي زهرة" "أنت والدرة أحلام الشموس". ومن الأساليب "فلترسموا" أسلوب انشائي في نوعه أمر للحث و "لا ترسلي" إنشائي للنهي و "يا شمس" نداء للتعظيم و "هل قرأوا" استفهام للنفي و "هل تعودان" استفهام للتمني .. وهكذا تتضافر الصورة وتنوع الأساليب خبرية وإنشائية – لتشكل لنا لوحه تستطيع أن نسميها لوحة "إيمان" الشهيدة وهي لوحة جديرة بأن تزين متحف الخلود عسى أن تنتعش ذاكرة العرب البليدة وتوقظ مشاعر قلوبهم الميته .
أما الشاعر "سامح شعير" فيتوجه بقصيدته مخاطباً "نتنياهو" رئيس وزراء الحكومة الإسرائيلية في قصيدة تحمل الاسم نفسه لكن الشاعر رسم حروفها هكذا :
"نتن ياهو..." !!! وهو رسم للحروف له دلالاته وهى دلاله صادرة عن الجيف والنتانة .. يقول الشاعر :
تجمعنا على قلب لنا واحد
فأوف العهد إن تطلب سلاما له آخر
نتن ياهو
مكائدكم لنا باءت / فاكمل ما بدأناه
بغيم يوم أن جئتم على أرض لنا فيها من
الأمجاد ما يحيى ضمائرنا
تعال بربكم حقا .. نتن ياهو وأخبرني :
أيحكم قدسنا كافر ؟!!
فأوهام هي الأحلام إن عثتم على أمل بأن نرضخ
فهناك كتاب تاريخ / فقلبه / ونقب
عنا / ستشرق شمسنا فيه / وكم من قريه
فنيت فلا وارث / فدع عنكم الأهواء
لو تبغى مقاصدنا / فلن نردع



إن الشاعر يطالب رئيس عصابة العدو إن يوفى بالعهد إن وقع معنا سلاما لا حروب بعده والشاعر يعلم أن لا عهد لليهود ولا ميثاق فهم يكيدون لنا كيدا ومنذ أن زرعكم الاستعمار في ارضنا وانتم تبغون فيها بغير الحق ... إنها أرضنا ولنا فيها من المقدسات والدور والديار ما يوقظ ضمائرنا ويلهب قلوبنا بالحماس . ويوجه سؤلاً في صيغة استفهام استنكاري يقول له :
أيحكم قدسنا كافر ؟!!
إنها أوهام وأساطير بنى صهيون وأحلامهم المزعومة وإن لك في التاريخ لعبره .. وإن شئت افتح كتابه وقلبه سيقول لك أن قدسنا ستعود وستشرق عليه شمس الحرية والعزة مثل عادت من قبل وانتزعناها من كل حصن أثيم باغ اعتدى على القدس مقسمه لله وإن جرائمكم البشعة لن تردعنا برغم القصف والقتل وبرغم تخاذل حكامنا . وبرغم كل العالم الغربي المتعصب المنحاز لكم .. بالرغم من كل هذا ستبقي غزة حرة وستبقي القدس عربية .
إن الشاعر يبدو ذا أمل عظيم وإصرار أكيد على عودة القدس وتحرير أرض فلسطين السلبية وهو يبدو واثقاً من صمود غزة التي تعيش تحت القصف الوحشي ليل نهار ... إنها دروس التاريخ حتمية زوال كل معتدٍ باغ أثيم وإن الحق لآت وإن الباطل الزهوق والله سبحانه غالب على أمره ..وأمر الله قد جاء / فلا غالب ...
سيهزم جمعكم منا / ويفنى زعمكم عنا ... وتبقي الأرض للإسلام .. لله
إنه وعد الله لعباده المؤمنين حين يأخذوا به بأسباب القوة ويجتهدون لبناء عوامل النصر حينئذ يأتي الفتح من الله لا محالة .
إن الشاعر ويبدو قارئاً جيداً لتاريخه يضرب للعدو الأثيم المثل وينعش ذاكرته بدروس التاريخ منذ الفرس والرومان وان الله لناصر الحق وزاهق الباطل ويؤكد الشاعر على قناعة ويقينه من النصر القرآني حين يقول الله تعالي "سيهزم الجمع ويولون الدبر" ويستبشر بالآية الكريمة "فالله لا يخلف وعده لمن نصر دينه وحمى مقدساته" إن سيف الحق لقهار بتار ولن يصمد أمام سيف الزيف والباطل .
الأساليب والصور التعبيرية في القصيدة :
من الصور والاستعارات قول الشاعر :
"أوهام هي الاحلام" و "كتاب التاريخ" واستخدام كم يفيد الكثرة و "دع تحكم من الأهواء" امر فيه زجر ونهر "وعلى غزة" "بعد على وطني" تفصيل يعد إجمال واضافة "وطن" لياء المتكلم فيه شعور بالولاء والانتماء .
وتكرار "ستبقي الأرض عربية" للتأكيد ووصف غزة بالحرة فيه تأكيد على قناعة الشاعر بالنصر والتحرير. "وسيأتي الحق قهاراً" فيه استعارة مكنية تشخيصية مشحونة بالقوة والبأس والثبات و "سيف الزيف" تشبيه يوحى بكذب مزاعم العدو وسقوط ادعاءاته التشبه من النوع البليغ الذي يحصل المشبه مشبها به مما يقوى الصورة ويزيد المعنى ترسيخاً وتوكيداً .
أما الشاعر "السيد زكريا" فيهدي قصيدته إلى غزة وهي بعنوان "إلى عينيك يا غزة" وعنوان القصيدة فالعنوان جاء في سياق اسلوب نداء محذوف الإدارة وتقديره أهدى قصيدتي " إلى عينيك يا غزة .." وهو يخاطب الفلسطيني مشيدا بشجاعته مقدرا كل التقدير لتضحياته على أرض غزة يقول :
جريئاً كما أنت ..
تروى القنابل بالروح
تسقي عيالك مسك الشهادة
لم يعتر الوجه غيرُ البشارة
غير البكارة .. وأن يضرب الأرض مليون هزة
ستحيا كأنك لن تعرف الموت ..
لن تبتلي بالنخاسة
لقد عهدتك شجاعاً جريئاً تخمد قنابل العدو بما روحك الطاهرة وتربي عيالك وتنشئتهم على حب الشهادة وعطرها الفواح وأنت تسقط شهيداً فلا يبدو على محياك إلا سمات الرضا وعلامات البشارة والبراءة ومهما قصفوك وزلزلوا بقنابلهم الأرض تحت قدميك ستظل حيا لا تعرف الموت ولن تعرفه وسيأتي من سيدك مراكب أخري للشهداء فترى ولن تتوقف ستعيش إيها الفلسطيني عزيزاً ولن تبتلى مثلنا بالخنوع والذل والنخاسة أو التخلي عن قضيتك أو تخضع إيها المقاتل لإغراء سلطة أو مال وتظل غزة بعزتك وإيمانك عزيزة ابيه ... إنني أسيح وارتحل وأذهب وأعود وأنت لاتزال على عهدك اميناً وفياً ولن يبقي لك ايها المقاتل إلا تضحياتك ولن يكون لك مخلصاً إلا حجرك .. إن الموت نفسه يهاب شجاعتك... ويحثه الشاعر أن يكتب خلود غزة مع صفحات الخلد عِددا النصر أو الشهادة.
إن قصيدة "إلى عينيك" للسيد زكريا التي يكونها دفقتان شعريتان طويلتان وتتطور وتنمو عبر خمسة مقاطع تبدأ بخطاب الشهيد وتحيته وحثه ثم تستعرض بعض عذابات غزة ثم سرعان ما يهل علينا الشاعر في صورة الفلسطيني العائد لتقديم قرابين النصر والفداء ويقر بأن ليس له بديل سوى ذلك وانه لا يملك إلا التضحية بنفسه وهو ملوم نفسه على ما فاته من التقصير في حقها .. إن الشاعر ليهب جسده احجاراً يرجم بها الفلسطيني عدوه ويبعث بها حلمه دافعاً عنه الوعود والاوهام وحينئذ سيمحو النور الاحلام . وسيسطر الفلسطيني سفر البقاء وال ولن يكون ذلك إلا بالشهادة ... الشهادة التي يخشاها الموت نفسه ذلك لأن الشهيد حى أما غيره فهو المقبور الميت .
وإذا وقفنا برهه على بعض جماليات القصيدة سنجد أولاً لتشخيص الشاعر لغزة وتوجيه الخطاب إلى عينيها ثم سرعان ما تتوالى صور ترشيح الاستعارة من مثل قولة : "تسقي عيالك" "تضحك غزة" "تئن اسئلتي" "تلوذ اشعاري" "بين مواجعي سبحت" و "يهتم أوتاري" "رسيت دمائي اقدمها نذورا" و "مجدا يعيل جرحك القاني" "طيور الجنة الخضراء في عينك" "الموت يمشي خائفاً مترقبا" .
وتتلون الصور عبر القصيدة بلون الدفقة الشعورية لوجدان الشاعر فتأتي باكية دامية في مقام الالم والمعاناة سواء من الشاعر أو من غزة التي يشخصها ويخاطبها وتارة تأتي الصور ضاحكة مستبشرة وذلك في مقام البشري ووعد الحق والخلود .
والأبيات صاغها الشاعر بالأسلوب الخبري وينوع الشاعر خبرته والاسلوب وفقاً للدفقة الشعرية إن ألما أو حثاً واستبشارا .
ومع الشاعر "أحمد سيد أحمد" في قصيدته "الشمس تشرق من غزة" يقول في مطلعها :
ثوروا يا أبطال الأرض الباسلة المحتلة
ثوروا / واعيدوا ترتيب الأزمنة /
التائهة المختلة / ثوروا / في صيفاً /
في يافا / في قليقله / في بيسان / ثوروا
في المجدل والقدس وفي رام الله
إن الشاعر ليبدأ بداية قوية وذلك بفعل الأمر ثوروا متوجهاً بالصيحة والخطاب الغاضب إلى أهل فلسطين جميعاً أينما كانوا في الأرض المحتلة ... إنه يطالبهم بتغيير واقعهم هذا المفروض عليهم وتغيير خريطة حياتهم ومستقبلهم وليس ثمة طريق إلى هذا التغيير إلا بالثورة.. الثورة التى سوف تعيد الحق إلى أصحابه وتعيد ترتيب حقائق كثيرة .. إن هؤلاء الثوار سوف يأتون من كل مكان من الأرض السليسة . من الحقول والمآن ، من الدماء الطاهرة من نبض المشاعر الصادقة ، من أعلى اعمده النور من كل شيء حتى من اقلام التلاميذ واغلفة الكراسات .
إن ليست ثورة متمثلة في زحف نضالي مقدس فحسب إنها ثورة على المستويين المادي والمعنوي... والشاعر يؤكد لهم "أن الظفر والنصر لن يتحقق إلا بهم وبتضحياتهم فقط فهم اصحاب القضية وهم طلائع النضال ويجب أن يتحملوا القسط الأكبر والنصيب الأوفر من المشاق والمتاعب".
إن العمل الثوري النضالي الحقيقي الذي خلصت له النوايا وتلاحمت له السواعد لا محالة أن يأتي بالنصر .. النصر الذي نجنى منه ثمار العزة والكرامة ونرد به كل عزيز وجميل سلب منا واغتصب بالقوة .
إننا ننتظر مع النصر الصبح الأخضر وشال الصوف وقوارير العطر وجدائل العذراء وقبه الأقصى وسلال الزيتون ورغيف الخبز . هكذا تكون جديرين بالحياة وهكذا تظل اراضينا وأيدينا قوية حرة .
والشاعر أحمد سيد أحمد هنا يتجاوز بقصيدته في بناءها الموسيقي قصيدتي زميلة ... السيد زكريا .. حيث ينتقل من النظام الموسيقي النازع للكلاسيكية إلى النظام الموسيقي التفعيلي طلباً للمزيد من الرجابة الشعرية . ورغبة في اتساع مساحة التأثير والانطلاق الشعري المنفعل الغاضب وفضلاً عن تغليب الشاعر للأسلوب الخبري فهو لا يقدم من الاستعانة بالإنشائي من قبل "ثوروا" و "يا أبطال الأرض الباسلة" ايضاً نراه يؤكد معانيه باستخدام اسلوب القصر التوكيدي مثل "لن يرجع خطوات محمد" "لا انتم" "لا يأتي بعقود الفل الا من... " الخ .
أما البناء التصوري الاستعاري فهو يضفر في صورته الكلية بالمادي وبالمعنوي يضع حالة من الحفز وإثارة الحماسة وارتباط المشاعر لاسترداد الحقوق المغتصبة والأرض السليمة ومن صور في المقاطع الثلاثة التي تضمنتها القصيدة نجد :
"مآذن تهتف" ، "ميراث الاحزان" و "جماجم موتانا اقمار حجرية" ، "وجه الطغيان" ، "الصبح الأخضر" "ذهب يسوع المسلوب ومعطفه وعصاه" ، "خطوات محمد" "دور القمر الوردي الليموني" ، "ترفرف اصوات الغضب"
ومن هذه الصورة ما فيها فرادة وطزاجه مثل "جماجم موتانا أقمار" و "ذهب يسوع المسلوب" و "خطوات محمد" وفي الأخيرتين إيحاء بالقداسة ووحدة الغاية والمقعد للمسيحية والاسلام .
واما الصورة "ترفرف أصوات الغضب" فإن كيمياء الخيال فيها بدلت الصوت صورة فجعلت اصوات الغضب رايات مرفرفة وهذا التركيب يتضمن صور متداخلة و"اصوات الغضب" فيها تشبيه واستعارة واصوات الغضب ترفرف فيها استعارة ايضاً وهذا التدخل التقديري ترجمته لكثافة التجربة الشعرية ووجدانها المتحمس .
ويأت الشاعر شعبان عبد العزيز ليسطر في الديوان قصيدته "الموت في غزة" يقول :
الموت طفل / قد تربي في ربوعٍ / خلف غزة والخليل / قد كان بلعب مع صغار الحي / حين يقذفه العدو / من الرواجم والبوارج والسما / قد كان يغترف الدماء / كثرت زيارة ضيفنا / لطعامنا / وهواءنا ... الخ .
إن الشاعر ليجتهد في رسم قصيدته باحثاً لها عن مطلع يثير الانتباه ويجذب المسامع والانظار ... إنه يفتتح قصيدته بمشهد درامي كثيف الدلالة والايحاء بقوله "الموتُ طفل" إن هذه الجملة الاسمية المركبة من مبتدأ وخبر لتحوي ليس فقط صورة درامية مؤثرة في المسامع والمتلقي بل هي توحى أيضاً بحقيقه مؤلمة في نفس الوقت تتعري مواقف العرب المخزية ... إن الموت في غزة وعلى الأرض الفلسطينية صار الطفل مشهده وعنوانه ، وإن هذا الطفل الذي يواجه آلات العدو المدرعة ووحوشه المعدنية وطائراته القاذفة بالهلاك فهو في نفس الوقت ضربة مهينة وصفعة مذله على وجوه العرب الذين أثروا السلامة وخافوا على كراسيهم وعروشهم والتقوا بالشجب والاهانة وباتوا في عينهم سادرون ، لاهون وفي نعمائهم يتقلبون .
إن رجال ونساء وأطفال غزة بشر آخرون غير سائر العرب .. إنهم اناس وهبوا أنفسهم فداءاً للوطن وقرابين للحرية وان مخاض نساء غزة فقط يستحيل طلقات وإن اطفالهن اللائي ولدنهم ليسوا مثل اطفالنا الذين تربوا على التدلل والنعماء بل هم أسود يهاب الموت حتى من ضحكاتهم !! إن البون بيننا وبينهم جد شائع وعميق وضحكاتهم في الحقول إنما هي صلاه تهجد للتقي يحييها في جوف الليل ابتغاء وجه ربه الكريم .. إن فعال اطفال غزة وأهلها وممارساتهم لحياتهم المعيشة اليومية لترتقي في فطريتها وبساطتها إلى مدينه جهاد العابدين وتقرب الصالحين فما بالنا بتضحياتهم ودمائهم التي لا تتوقف عن النزف والإراقة واجسادهم التي لا تتوقف عن التمزق والاحتراق . إلا أن الشاعر مثل زملاءه الشعراء الذين تجمعوا حول دوحة غزة يبدو محليا بالقناعة واليقين ببقاء غزة حية ممتنعة عن الخوف أو الموت آبية للذل والمهانة .
فيقول الشاعر :
مزبوع غزة تستحيل
على الممات / أو المهانة والترف
ويأتي الشاعر "إيهاب عزت" في قصيدته "النصرُ دينكُ" لينبه الشعراء وأصحاب الأقلام لقضية عروبتهم وإسلامهم التي يجب أن ينشغلوا بها ويوقفوا إبداعهم عليها موجهاً خطابه للقدس المحتلة :
ما الشعرُ أن نملأ الدنيا بذكراك
أو أن نعض بنانا كيف ننساك
أو أن ندون ألواحا نعلقُها
أو أن نشيع باسم الحب مرثاك
الشعرُ أن نحفز الإحساس نوقظه
أن نستعيد مع التاريخ رؤياك
ويبرر الشاعر لخطابة ودعوته هذه حتى نظل على حذر ويقظة وأن لا نكتفي بالكلام والشعارات وأن لا نأمن لعدو بيننا وبينة سلام هش وتاريخ طويل من الخسة والغدر .. إن الشاعر يحاول أن يوقظ الأمة من غفلتها وأن تعود إلى إسلامها وكتابها والدين والكتاب يحثان على النصرة والجهاد وإعداد القوة ورباط الخيل هما وسيلتنا لتحقيق النصر والعزة .
وقصيدة الشاعر التي صاغها في مقطعين حاشدا لها أصوات الموسيقي الداخلية والخارجية – يستكمل صياغته الشعرية بالصورة الخيالية في أكثر من موضع في القصيدة منها هو التشبيه "العقل منارتنا" والاستعارة "لا نسالم ذئباً" وكذلك "أسود وجه النهار" والتشبيه "النصر دين" و "القدس ملحمة"
والشاعر يميل في دلالاته وصياغة صوره إلى النزوع المنطقي عبر طرح المقدمات فالنتائج ومثال ذلك ازدياد أسرانا خلف تلال الجبن كان نتيجة حبس الدين في مجرد كتب وصحائف وعدم تفعيله وتوظيفه وتطبيقه على الواقع المعيشي وأيضاً إذا كان "النصر دين" فالمطلوب له الإعداد والتسليح والاستعداد لخوض المعامع وشهود الوغى فالقدس أرضا وتاريخاً ستظل ملحمة وميدان الصراع بين الحق والباطل والايمان والشرك والحق لا يأتي إلا بالنصرة ، مثلما لا يُجنى الورد دون ألم و "دون وخز الأشواك" ...
والنصر إن لم يشبه الحق منتقصُ والورد ما كان يحيا دون أشواكِ ...
وإذا انتقلنا إلى القسم الثاني من الديوان والذي ضم شعر العامية من خلال إحدى عشرة قصيدة يبدأها الشاعر أحمد الخولي في قصيدته "تنهيدة عربية" يقول فيها :
أنا لا أنا مسافر مفارق أحباب
ولا جاي من سفر مليش مطرح
أنا وطن / كما للشعوب أوطان
وللأوطان شعوب / تغيب وترجع
تلتقيه / يغضب ويفرح / باقي على
الطرح / أنا وطن / كما للشعوب أوطان

مشاركة