السبت، 9 مايو، 2015

تساؤلات الشعرية المعاصرة

إن الشعرية المعاصرة لا شك أنها وجدت نفسها في مأزق كبير منذ نهايات القرن العشرين الماضي وربما حتى هذه اللحظة ، فقد أدركت خفوت صوت الشاعر وتقلص المساحات كان يشغلها الشعر مع ضجيج آلة الزمن الجبارة وهي تدور محدثة في عالمنا جلبة كبيرة ، وتحولات مفصلية حاسمة.

ومنذ أسلمت نفسي لنفسي ، وساءلت :
ما الفرق بيني وبين الخراب ؟
عشت أقصي وأجمل ما عاشه الشاعر :
لا جواب (ادونيس)
من (كتاب الحصار) بعنوان صحراء
إلى حد كبير يفصح هذا المقطع عن كثير من طبيعة الشاعر والشعرية المعاصرة ، إنها الشعرية التي تبحث بالتجريب والمعاناة عن إبداعها .. إبداعها الذي تستطيع أن تواجه بقيمة الجمالية إشكالات عالمها وقضايا وجودها وهويتها.. إبداعها الباحث عن إجابات لحيرتها وتساؤلاتها.. إبداعها الملبي لحاجات الإنسانية وأشواقها الروحية.
1- طبيعة الشعرية المعاصرة
إن شاعر اليوم هو نموذج الشاعر المتسائل الذي يعرف أن السؤال أهم من الإجابة في كثير من الأحيان ، وأن الشك علامة العافية في كل الأحوال ، وأن البحث الذي لا يكف عن توليد السؤال من السؤال هو سر الحضور المتجدد للإبداع ، وبالقدر نفسه ، فإن هذا النموذج أصبح قرين المتشائل الذي يمزج التفاؤل بالتشاؤم مثلما يمزج الإيقاع باللا إيقاع مدركاً أنه يعيش فوق فصول ما بين الرماد والورد في زمن ملتبس لا يسمح بحدية الألوان أو المشاعر أو الانفعالات أو حتى جذرية الحقائق والأفكار التي لا تعرف النقض ، فكل ما في هذا الزمن لا يستجيب للشاعر إلا بوصفه موضوعاً للسؤال لا يجد إجابة عنه سوى سؤال يولد سؤالاً في سياق معرفي لا يعرف برد اليقين أو راحة الإجابة النهائية .. لقد تحولت الشعرية في جوهرها وفي طبيعة توجهها وتوظيفها لأدواتها إلى سؤال ممتد أو أسئلة ممتدة.
2- بعض عوامل التغير:
إن الشعرية المعاصرة لا شك أنها وجدت نفسها في مأزق كبير منذ نهايات القرن العشرين الماضي وربما حتى هذه اللحظة ، فقد أدركت خفوت صوت الشاعر وتقلص المساحات كان يشغلها الشعر مع ضجيج آلة الزمن الجبارة وهي تدور محدثة في عالمنا جلبة كبيرة ، وتحولات مفصلية حاسمة.
لقد تغيرت الخرائط وتبدأت المواقع واهتز سلم القيم واختلفت شعارات المواجهات ومبررات الصدام ، وصارت أشكال التنافس والصراع الإنساني أكثر عنفاً وحدة ، ولأن التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية كانت كبيرة ، فلقد تأزرت معها تحولات شعرية عميقة ، باختصار شديد لم يعد الشاعر ذلك النبي الواثق المستشرف ، ولم يعد أيضاً الممثل المفضل لصوت الجماعة وضميرها ، ولم تعد قصيدته تلك التجربة المستغرقة المستقرة ، لقد وجد الشاعر نفسه في غربة يعاني وحدة وتوحداً ، في عالم تغير كل شيء فيه وتشظى كل شيء فيه داخل قرية كونية تجمع ما بين متناقضات النزعة الكوكبية والنزعة العرقية ، وما بين تعارضات الاتجاه الإنساني والاتجاهات اليمينية الممعنة في أصوليتها ، وما بين تيارات الحرية والانفتاحات الليبرالية من حوله وضرورات القهر التي تحاصر مجتمعة.
لقد وجد الشاعر نفسه ذلك الإنسان البسيط الذي لا يملك سوى أن يراقب ما حولة معيداً إنشاء كل شيء بواسطة المجاز الساخر والمفارقة الإيقاعية والسؤال الذي يتجلى من خلال الكولاجات التي تصل بين ما لا يتصل في العالم المملوء أخطاء.
3- مظهر التحول
إن تحول القصيدة العربية من شعر التفعيلة إلى القصيدة النثرية لم يكن مجرد تحول إيقاعي شكلي فحسب ، لقد كان تحولاً في الرؤي والمفاهيم ، وجدلاً طبيعياً مع قيم جديدة للعصر وطبائع خطاباته وأدوات هذه الخطابات ومحتواها ... إنه تحول من افق شعري إلى أفق شعري مغاير.
ولئن كشف المشهد الشعري المعاصر عن حضور قوى للقصيد النثري ، فإنه عملية التحول لم تكن بالسهلة أو اليسيرة ، وإنما مرت بمراحل وتجارب عصيبة وواكب مسيرتها جدل كبير ومواجهات حادة شأن كل مراحل التغير الحاسمة في مسارات الأمم.
لقد شهدت فقصيدة النثر – ولازالت – معارك التأييد والمعارضة ، الإثبات والنفي ، التأصيل من معين التراث للبحث عن جذور ، وفي نفس الوقت التشويه والتغريب ووصم بالعجمة على خلفية أنساقها الغربية التي أفرزتها تنظيراً وإبداعاً .. في الوقت الذي كان يعمل فيه البعض بحكمة وهدوء على رصد علاقتها وتوصيفها (بنى ودلالة)، كتطور طبيعي ورصيد إنجاز طويل لتحولات حداثة الشعرية العربية منذ مطالع القرن العشرين ، اكتساباً لشرعية الميلاد وطبيعة التطور.
ولما كانت طبيعة المرحلة مهيأة للتحول ، فقد أعيد الاعتبار لمشروع قصيدة النثر على ضوء مجمل تاريخه السابق وبخاصة لمنجز جماعة مجلة (شعر) البيروتية ، ولمنجز (جماعة كركوك): فاضل العزاوى ، وسركون بولص ، وصلاح فائق ، وفصيل من شعراء السبعينات في مصر ، وظل هؤلاء وأقرانهم يشاركون في ترسيخ مشروع القصيد النثري في عمق المشهد الشعري الراهن .
لقد أصبحت قصيدة النثر ممثلة لملامح شعرية هذه الفترة ، وصارت الرهان الأساسي للشعرية ، والإيجاز الحقيقي للشعرية العربية الراهنة.



4- رؤى جديدة .. أدوات مغايرة
وحين كانت كتابات الحساسية الجديدة تتوالي وتتدفق بكل أطيافها وتمارس المغامرة والكشف والتجريب وارتياد آفاق إبداعية مغايرة ، إنما كانت في الحقيقية تبحث عن إدراك رؤيوى / جمالي لعالم صار أكثر التباساً وأدعى للحيرة ، وهو ما استدعى كتابة مختلفة .. ولما كانت الكتابة الجديدة لا تأبة للمطلقات ، ولا تقف طويلاً أمام البديهيات والمسلمات ، ووضعت كل الأشياء والظواهر موضع المساءلة ، فقد نتج عن ذلك تخلخل أبرز ما في القصيدة العربية من دعامات وأشدها محافظة وتقليدية ، وأعنى بذلك منظومة الإيقاع الصوتي فيها والتي كان يغلب عليها غنائية الروح ، وجهرية النبرة ، وسماعية التلقي ، وهي سمات ظلت ملازمة للقصيدة العربية وكأنها قدر لا فكاك منه.
وحين تمت هذه الخلخلة بدا أنه لا يوجد قوانين مطلقاً وصار أشبه بالفوضي ، واستغل كثير من أدعياء الإبداع وزاعمي الموهبة حالة من الاضطراب وفترة الانفتاح العشوائي تلك للدخول في معترك الشعرية مستترين بلافتات التجريب وشعارات التجديد.
لقد واجهت الشعرية المعاصرة تحديات كثيرة ، وكان أمام الشعراء مهام صعبة ، خاصة من أصحاب تخاطب عصرها ، تتسم بالمرونة وسرعة الحركة ويكون خطابها محملاً برسائل مشحونة بمعاناتها وهمومها ، كان هناك أيضاً إشكالية البحث عن مصادر أخري لتأليف موسيقي جديد ، وقد التمسته الشعرية المعاصرة بصياغات أخري مفارقة صوتياً ونحوياً ودلالياً حتى يجعلوا القصيدة تتدفق ، وبمعنى أخر ، على الحياة العضوية المنفتحة للقصيدة أن تولد بيتها وإيقاعها الخاص بها.
5- ملامح عامة للشعرية المعاصرة:
لقد أسفرت مرحلة التجريب الواسعة المتعددة والاتجاهات التي خاضتها الشعرية المعاصرة نهاية السبعينيات حتى نهاية التسعينات عن نتائج الابداعي الجديد متمثلاً في قصيدة النثر كأداة تعبر عن هواجس الذات الشاعرة والتياعاتها وموقفها الجمالي (رؤية وتشكيلاً) إزاء عوالمها وكان عقد التسعينيات بصفة خاصة نقلة نوعية في مسيرة الحداثة الشعرية العربية ، حيث أسفر هذا عن الأفق الشعري الرحيب المتسم بالثراء والتنوع الإبداعي ، وأشير في عجالة إلى أهم الملامح الغالبة على الكتابة الشعرية المعاصرة متمثلة في القصيدة النثري (شكلاً وموضوعاً) فيما يلي :
1. التعامل بالنص المفارق للنوعية .
2. انفجار المجاز وتوسيع مفاهيم الصورة الشعرية
3. اللعب باللغة لتفكيك التصورات الثابتة ودلالات جديدة
4. التشكيلات البصرية واستثمار تقنيات السينما والفنون التشكيلية .
5. تشظية النص بالقلب والقطع والتشذير والتظليل وإحلال التضاد .. إلخ.
6. انفتاح النص ليعدد تأويلاته ولينتج أكثر من دلالة (شعرية الأثر المفتوح)
7. الجمع بين القصيدة الومضة وديوان النص الشعري الواحد.
(ب) من حيث المضمون:
1. الانتقال من وضعية التجربة الشعرية بمفهومها المتسع إلى وضعيات (الحالة – الموقف – المشهد - المقام) .
2. توظيف الخبرات الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية لتجسيد المواقف وطرح الرؤي
3. استلهام الصوفي والتراثي والشفاهي وبعثة بإعادة تأويلة ، وتسليط خبرته التاريخية وبؤره العرفانية على الواقع.
4. التماهي مع العجائبي والسحري والأسطوري والولوج في مناطق اللاوعي
5. الكتابة بمفهوم الجسد ومفرداته على مستوى تداولي مبتذل مشحون بالإسقاطات الجنسية كمؤشر للزوال والفناء.
في هذه المدارات المتسعة والمتشابكة حلق الشعري المعاصر ، ومثلت المضامين التي أشرنا إليها آليات تفكير للشعراء وكتب أكثر من شاعر في أكثر من مدار وصاغ بنيته الشعرية بأكثر من صياغة جميعها وإن غلب على شاعر ما تجاه واحد وصياغة مما جعل المشهد الشعري العربي المعاصر متسماً أن بثراء التنوع وخصوصية الإبداع وتفرده*.

مشاركة