السبت، 9 مايو، 2015

الشعر المقاوم عند محمد سليم الدسوقي في ديوان يا خيل الله ... اركبي نموذجاً

وهكذا ومع تطوافنا بهذا الديوان نجد أنه يلمُ بضروب المقاومة الأدبية الشعرية التي تعتمد الكلمة سلاحا والقصيدة رصاصة تساهم جنباً إلى جنب مع الساهرين على الحدود ، الرافعين للأعلام والبنود ، الرابطين في خنادقهم ، المتأهبين في التلال والأحراش قابضين على سلاحهم حتى ينالوا الشرف العظيم إما بالنصر أو بالشهادة ونستطيع القول أيضاً أن أشعار سليم الدسوقي في هذا الديوان حققت صورة من صور المجابهة وشكلاً من أشكال المقاومة من خلال ما سبق أن أشرنا إليه من ملامح الأدب المقاوم

ضمن دواونيه الشعرية العديدة التي أصدرها الشاعر الكبير محمد سليم الدسوقي ، كان ديوانه "يا خيل الله ... اركبي" والذي أصدره عن دار الإسلام للطباعة والنشر في يوليو 2006م وربما تفرض طبيعة اللحظة التي نعيشها وتعيشها أمتنا العربية ضرورة طرح مثل هذا الديوان النوعي للقراءة والمناقشة ذلك لأن شاعرنا يكاد يكون قد أوقفه على شعر المقاومة وقضاياها في أرضنا العربية في فلسطين والعراق وجنوب لبنان وغيرها من ميادين المقاومة العربية المسلحة لأشكال الاحتلال أو الضم المسلح الباغي لأرضنا ومقدساتنا .. إن الظروف الإقليمية والدولية المحيطة بنا والتي تتسم يوما بعد يوم بشدة التعقيد وفجائية التحولات وتغيُر المسارات والتحالفات لتفرض علينا قراءة مثل هذا الديوان والذي يعد أنموذجا لشعر المقاومة وما يجب أن يكون عليه المقاتل العربي المقاوم من وعي ويتحلى به من إصرار ووضوح الرؤية والهدف ووحدة المصير الواحد على الأرض العربية ذلك لأن الخطر المحدق والتهديد الواقع علينا سواء من شرق وطننا العربي أو شماله أو جنوبه إنما هو خطر شديد وإعصار قوي ويكاد يكون منذراً بالعواصف والأنواء التي يمكن أن تنال من الأمن القومي العربي ومصير المواطن العربي على هذه الأرض الممتدة من الخليج إلى المحيط وحين نتحدث عن الشعر المقاوم أو شعر المقاومة نقول أن المقاومة فعل مشروع سواء بالسلاح أو بالدعم أو بالكلمة المقاتلة وهو فعل "يقوم على حماية الذات الجمعية أولاً من عدوان الآخر وهي رفض لهذا الآخر الذي لا يقبل إعلاء إنسانية الإنسان وأنها مقاومة لفعل مباشر في الاعتداءات العسكرية أو غير مباشر مثل مقاومة ما يضر الأمن القومي لأي مجتمع . وأن مقاومة ما يضر الأمن قد يتساوى وقد يقل عنه وقد يزيد وأن المقاومة تقوم على حس نفعي براجماتي في مواجهة نفعية العدو أو حس براجماتي آخر وإن الهدف منها الحفاظ على الحرية والكرامة . *


ويمكن للأدب أن يحقق المجابهة أو المقاومة من خلال أي حالة من الحالات الآتية:
1- التركيز على الظروف الصعبة أو القاسية التي يعانيها الفرد المقاوم بفعل الاحتلال أو السلطة المستبدة.
2- تركيز الضوء على السلطة المستبدة أو العدو وكشفه وبيان وسائلة في قهر الإنسان.
3- حث الجماعة المقاومة على العمل لخلق ظروف لا تريح العدو
4- تحفيز المجتمع على المقاومة الإيجابية حتى لو كانت مسلحة كما في مقاومة الاحتلال أو سلمية كما في الثورات .
5- تغيير الحالة الذهنية والفكرية للمجتمع ليتم له التحول بصورة تدريجية .
ويتجلى أدب المقاومة في كل الأنواع الأدبية سواء في الشرق أو الغرب في الشعر أو المسرح أو السرد الأدبي أو المقال ويميل السيد نجم إلى توسيع مفهوم الأدب المقاوم فيقول : "إن أدب المقاومة هو الأدب المعبر عن العمل من أجل تفجير الطاقات الإيجابية الواجبة للمواجهة . إنه الأدب المعبر عن وجهة النظر الإنسانية الشمولية وليست العنصرية الضيقة. وهو أدب هام في إذكاء روح المقاومة* بالوعي والفهم للقضية التي تدافع عنها . وهو أدب الحث على العمل. وأدب المقاومة ليس حالة ذهنية . وهو ليس التعبير عن صراع الأنا الفردية خلال سعيها لتحقيق رغباتها بل هو أعمق من ذلك إنه يشمل الأنا الواعية بذاتها وذوات الآخرين من جماعتها لتحقيق أهداف مشتركة .
ومن سمات الأدب المقاوم وملامحه ، أنه "يرسخ لقواعد الوجود الإنساني الحق في مقابل الحياة التي تقوم على الصراع العدواني بدوافع الاقتناء والجشع والهيمنة"
مما سبق يتضح لنا – أن المقاومة فعل يقوم على حماية الذات الجمعية من عدوان الأخر وهي رفض لهذا الاخر الذي لا يقبل إعلاء إنسانية الإنسان
وشاعرنا محمد سليم الدسوقي يهدي ديوانه المقاومة "يا خيل الله .. اركبي" لكل قائد مقاوم وفرد مقاتل من المقاومين الشجعان يقول :
منذ أكثر من ستين عاما ...
والقرصان الأسود يغتال والحياة
على أرضنا وعلى نبعنا وعلى تبغنا والدخان
وقلمي يركب خيل الله يقاتله ... أني كان
في الاحراج ، وفي الأوداج ، وفي لبنان*
ويقدم الشدو والشجو / أكاليل الغار/
للقائد الظافر والمقاومين الشجعان



إن الشاعر يري أن المقاومة العربية فعل واحد وغاية واحدة سواء أكانت على أرض فلسطين السلبية أو على أرض الجنوب اللبناني المحتل .
إن المقاومة إنما هي سعي وكفاح ليس غايتها بزوغ نور الفجر وأن يلوح امل النصر فحسب بل هي فعل عميق يضرب بجذوره ليبعث معه تاريخاً مجيدا وأحلاما عذابا يقول الشاعر في قصيدة "كل البنادق باسمة" :
فتشتُ في كل البنادق ... / والبيارق والبنود / فتشت في صدور الجنود / عن الشقاوة والضراوة / واغتيالات الصمود / عن الجلاِد المُر والصبر العنود / عن صاب أيامى وأحلامي وروايات الجدود .
إن الغاصب الأثيم لم يكتف بسلب الأرض ونهب خيراتها بل يمارس عليها كل ألوان العنف والظلم ويعصف بكل معاني الخير والحب والسلام.
والداعر الجلاد مخبول ومرذول على صهر الزمن يقعى فتنفلت المناحلُ والمراجلً / والدثاراتً التي حطت غوائلها على وطني / على زمني / على وقد السنابل / والقنابل/ والنبوءة .
يتمنى الشاعر أن تصوب إلى ناحية هذا الغاصب عدو الحياة – كل فوهات البنادق وتعلق رأسه على أعواد المشانق ويشرب كأس الهم والحزن مرتعاً قبل أن يلقي مصرعه:
فمتى تشقشق في ثناياه القميئة والدنيئة كل آهات البنادق والمشانق والحزن !؟
إن وجدان الشاعر ليفيض بكم هائل من الكراهية والبغض لأعداء الحياة الحياة والإنسان وإن هذا الوجدان الغامر لينعكس على بناء عباراته وايحاءات مفرداته فاللوحة الشعرية السابقة والتي ضمت في تفصيلاتها العدو الداعر الجلاد وقد أقعى كالكلب المتحفز المتوحش ينشر الخوف والمظالم والكوارث على المكان والزمان والأشياء هذه اللوحة تشكلت من عناصر الصوت واللون والحركة وتركبت من صور جزئية ملتحمة مثل "الداعر الجلاد المخبول" و "مرذول" وقولة : "صهد الزمن" والاستعارة المكنية في الفعل المضارع "يقعى" مع دلالة الدوام والاستمرار والفعل "تنفلت" بما يوحى بالسرعة والطيش وإيحاءات "المناجل" و "المراجل" وصياغة كل منهما بصيغة الجمع للكثرة وما يتركان من إيقاع يعمق الموسيقى الخارجية وما يصنعان من جناس ناقص يلفت الانتباه ويثير الذهن إن ما سبق من تقنيات شعرية ليمنح اللوحة المزيد من الحيوية ويعمق عناصرها الثلاثة مما يترك أثره على القارئ والمتلقي.
والمقاوم المرابط في مكمنه، الساهر يحتضن سلاحه ليعاني الشوق ويصارع الحنين الجارف إلى أرضه فيستفزه هذا الحنين ليخرج احياناً من خندقه يتسلل في شوق قاصداً الأرض والنهر مجددا العهد على الثأر والانتقام من عدوه تلك الحية الرقطاء :
جئتك الليلة من خلف الكمين
من صراعات السنين / نهرك الولهان جئت / شجوك الريان جئتُ / ساهرينى / سامريني / لم يعد في موجك الحادي / بلادي / من يمين غير دَياكِ/ اليمين / دمدمى الفجوة / بعثريها تكمنُ الرقطاء فيها / قطري النشوة / والبوح الحزين .
يناجي الشاعر في عزة وفخار أرواح الشهداء ويناديهم بأسمائهم علهم يحيون مرة أخري أو تبث أرواحهم الحماس وحب الشهادة في الأحياء وفي المقاتلين ويحذر الشاعر من تربص العدو وجشعه الناهم للمزيد من أرضنا وخيراتنا :
يا عصفور الجنة ...
يا زهر الحناء ... / ويا شجر الحنطة ، وسنابله الشدوى وجنى الأثلة والطرفاء
قومي ... ردى الباب ، الصاب عن الأشياء / فعلى الأعتابِ دخيل جاء يحرقُ بقلي ، يخطف حقلي ، يحلُم بالزيتونة بالأيقونة ، بالأفياء / ردي يا أسطورة بيتي ، غيطي ، ويلابله .. فيض رواء "الحزة" ، نبضُ العزة ، فلسفة "الشيماء" / جاء الليلة وعدُ الصدق ، الحق الدائر / ياسلطانة جاء.
نعم ... إن العدو الغاصب المترصد لن يُردع إلا بالمقاومة، ولن تتحرر الأرض إلا بضريبة الدم الغالية وبالتضحيات الجسيمة من أرواح الشهداء ومن كل غال ورخيص تفرضه العزة والكرامة العربية ... وإن أرواح شهداءنا وشهيداتنا لتعاود التحليق وتكرر النداء عسى أن نلبي وأن تلد الأرض مثلهم ومثلهن ممن يزرعون الخير والأمل ويمهدون لأفراح التحرر وأغاني النصر :
خذني يا عصفور الصحبة / من نجواي ، ومن ليلاي .. ومما يسقط في فوديا / فغدا تنفض "ليلي" عن شطمريها القسم / الرسم .. وترقص مثلك في الأنحاء وتحيا و "سميرة" تمطرُك الحَب ، الحُبَ ... وتملأ عُشك بالرسوم .. وبالمقسوم .. وبالأدواح وبالتفاح زكياً. فغدا أقبلْ .. يا عصفور الشجو .. الشدوِ.
وها هو يناجي الشيخ منصور أحد شهداء المقاومة في الجنوب اللبناني ويستمد منه العون ويستلهم المدد ويحفز به المقاومة في كل مكان في "بيروت" و "بغداد" في كل مكان يمكن أن يستباح من النهر إلى البحر: ويقول في قصيدة "هات البردة .. هات"
هات عباءتك المنشورة / فوق بساط النور / هات الشعلة ، القداحة ، والتنور ، هات صياحاتك المجلوة والمشكاة وأنثر منها شارات غضبي.
ويبرز الشاعر قسوة العدو المحتل وبشاعته وعدوانه للإنسانية وعداوته للحياة حين يحكي على لسان طفلة كيف خلفت وحشية العدو ورائه الخراب والدماء واغتيال البراءة والحلم:
كانت معلمتي هناك / وكان أستاذي هنا / "كراسة الرسم" التي ودعتها في البيت / في الاشلاء/ شدو بلابلي / وجداولي ثكلي ، مبعثرة على صدري ، على صبري / وزخات العنا / هاتوا الرسومات العتيقة / من كنانة مرسمي / المشتاق للسلوى وللنجوى.
إن الطفلة البريئة لتذكرنا بأطفالنا الذين ذبحهم العدو الغادر في بحر البقر وتركهم وكراساتهم أشلاء ودماء . تركهم صرخات تظل تتعالي لتوقظ الضمير الإنساني عسى أن يتخذ العالم الأصم موقفاً من تلك العصبة المجرمة من اليهود الغاصبين المحتلين .
إن حلقات الدروس التي دمرها المعتدي الأثيم بقنابله الهوجاء والجرحى من أطفالنا الأبرياء وتظل دروساً باقية حين تلهم الأولاد من أجيالنا القامة دروساً في المقاومة والصمود وتجعلهم أمناء على العهد والوعد بمواصلة طريق المقاومة حتى نستعيد أرضنا وأشجار الزيتون .
حلقات الدروس الخُضر / جرحى في الدروب وفي الهبوب .. تضمنا / وتعلم الولدان والخلجان دروساً في الصمود وفي العهود وفي الريود ... يروقنا
وتظل صورة أطفالي الأبرياء مبعثاً للفخار / جمرة على العدو من غضب ونار ، غضنا للسلام ، أريجاً من الأزهار تجدد الأمل وتنشر البشري والخير:
فالولدان هناك في اردان الصورة
في أحزان الصورة
يستبقون ويبسمون على حسبان :
هدايا ، صورا ، وتحاريق ونار
للعطارة عندي ، للصبارة ... للأزهار
شكراً .. وصلت تلك الصورة .. يا شطار
ونختتم قراءتنا لديوان "يا خيل الله ... اركبي" لمحمد سليم الدسوقي بهذا البوح الشعري لصاحب الديوان يؤكد فيه انتماءه لعروبته ، وولاءه لقضيته ، وانحيازه لخيارات الأمن والحب والسلام ، السلام القائم على العدل ، كما يؤكد شعاراتنا ومبادئنا التي عشنا عليها أننا قوم نصون ولا نبدد ، نحمي ولا نهدد ، نرفع رايات السلام ، وننبذ الحرب والعدوان وندعو دائما ربنا نسأله الخير لنا ولكل الناس وأن يشمل برحمته كل الأكوان :
فقراءاتي وكتاباتي، ما سطرت، وما عطرت، وما ضويت خِزانه كتبي، أدبي والدوار ! نرفض ، ننفض تلك الصورة واللدد المختار .. فلترحمنا يا حمان الكون وسلطان العوذا ، ونخلق في قلب الإنسان العاثر شدواً وتهاليل ودار وأنا أهتف أعرف ... أملأ كل الدنيا بالأفنان وبالالحان وبالأشعار .
وهكذا ومع تطوافنا بهذا الديوان نجد أنه يلمُ بضروب المقاومة الأدبية الشعرية التي تعتمد الكلمة سلاحا والقصيدة رصاصة تساهم جنباً إلى جنب مع الساهرين على الحدود ، الرافعين للأعلام والبنود ، الرابطين في خنادقهم ، المتأهبين في التلال والأحراش قابضين على سلاحهم حتى ينالوا الشرف العظيم إما بالنصر أو بالشهادة ونستطيع القول أيضاً أن أشعار سليم الدسوقي في هذا الديوان حققت صورة من صور المجابهة وشكلاً من أشكال المقاومة من خلال ما سبق أن أشرنا إليه من ملامح الأدب المقاوم من حيث:
1- التركيز على الظروف الصعبة التي يعانيها الفرد المقاوم.
2- تسليط الضوء على السلطة المستبدة أو العدو وكشفه.
3- حث الجماعة المقاومة على خلق ظروف لا تريح العدو.
4- تحفيز المجتمع والمساهمة في إعداده وتأهيله لفعل المقاومة بكل أشكالها
ونزعم أن مجتمعاتنا العربية وما تمر به من ظرف إقليمي ودولي دقيق وصعب إنما هي في أشد الحاجة إلى مثل هذه الروح البصيرة المستنيرة التي تحفظ الأفراد والمجتمعات وتدعم الخير والسلام وتنبذ الفساد في الأرض والعدوان .. إنها رسالة الأديان ودعوة الأنبياء والمصلحين والنباة العظام .
ونختتم بأهم الملاحظان الفنية حول الديوان بملاحظة :
1. ميل الشاعر الواضح وولاؤه لشعر التفعيلة وشعراء المدرسة الواقعية الجديدة في الشعر التي رادها عبد الصبور وحجازي ونازك الملائكة ومن أعلامها : أبو سنة وكمال عمار وأحمد محمد العزب واحمد سويلم وغيرهم كثيرون .
2. نزوع الشاعر إلى رسم الصورة الكلية ذات الأجزاء والعناصر من الصوت واللون والحركة مما يجعل الصورة تتسم بالحيوية وإثارة وجدان المتلقي وتعميق التجربة الشعرية.
3. سيطرة روح المقاومة والغضب أحيانا على وجدان الشاعر لينعكس ذلك على مفرداته وتراكيبه وصوره .
4. مزج المقطع الشعري وصورته الكلية بمظاهر الطبيعة وتوظيف هذه المظاهر الطبيعية وفق موضوع القصيدة ليزداد التناول الشعري ثراء وإيحاءات وتأثيرا.
هذا وبالله التوفيق والسداد ،،،
أحمد رشاد حسانين
أول سبتمبر 2014
المصادر والمراجع :
1- محمد سليم الدسوقي – ديوان "يا خيل الله .. اركبي"
2- أدب المقاومة "الوعي الجمالي للواقع الثوري" كتاب ابحاث المؤتمر الأدبي السابع عشر لإقليم شرق الدلتا الثقافي – مجموعة من الباحثين – كفر الشيخ – 2012.
3- موقع مجله "أفق" حسام عبد القادر "المقاومة في الأدب" htt//efeuq.com

مشاركة