السبت، 9 مايو، 2015

حول بعض قضايا "المصطلح" والترجمة في النقد الأدبي

ومن هنا فإن هذه الدراسة تحاول أن ترصد أهم دواعي هذه الأزمة وأيضاً بعض مظاهرها ، كما تأمل أن تضع إلى جانب ذلك – أهم ما أقترحه الباحثون من حلول – وما توصل إليه المختصون في هذا المجال – من تصورات ومقترحات – سعياً لضبط بعض فوضي هذه الأزمة ، واستشرافا لتأسيس (علم أدب) عربي يتسم بالثقة المتأصلة ويتحلى بالاقتدار المستقبلي على التطور والاستيعاب، لا التجميد أو الاستلاب.

توطئة :

"المصطلحات مفاتيح العلوم" ... قد تكون هذه المقولة قديمة ، لكنها تظل صالحة بما تنطوي عليه من ديمومة المصداقية . وما تتضمنه من دقة التوصيف ... إنها عبارة تختزل الكثير من مهام "المصطلح" ووظائفه ، وما يضطلع به من أدوار عظيمة الأهمية ، حاسمة الأثر في توحيد لغة البحث والإسهام في التنسيق بين الدراسات والأطروحات ، وتيسير سبل اتصال القارئ العادي غير المتخصص بهذا العلم أو ذاك.
وحسبنا في بيان أهمية المصطلح أن نؤكد على حقيقة انتهت إليها جهود الباحثين في علم الاصطلاح وهي أن : "المصطلحات تدل على ما في مسيرة العلوم من صواب أو خطأ وأن تاريخ المصطلح هو تاريخ العلوم"(1).
وبما أن "النقد الأدبي" – وهو أحد العلوم الإنسانية – يسعي بدوره للاستقلالية ، محاولا بعض الفكاك من أسر هذه العلوم . طامحا أن يكون أحد حقولها المتفردة ، لذا فإنه لا يزال واقعا في إطار قلق هذه العلوم ومفاهيمها وتشابك البعض من أنساقها ومناهجها "قلق ناتج عن عدم التحديد الدقيق والنهائي لمجال كل علم بالإضافة لتعدد النظريات بشأن الظاهرة الواحدة وتجاوزها ، دون قدرة إحداها على القضاء على النظريات الأخرى.
من هنا سوف نجد في ميدان النقد الأدبي بصفة عامة اتساعاً واضحاً في المفاهيم والنظريات ، وكثرة في المصطلحات التي تحوم حول المفهوم الواحد أو الظاهرة الواحدة ، دون أن يستطيع كثير من المختصين حسم هذا الاختلاف ، وذلك لأسباب كثيرة ومنها الانتماء لنظريات مختلفة أو أيدولوجيات متباينة.
أما في مجال النقد الأدبي العربي ، فالأمر أخطر بكثير ، نظراً لأن النقاد العرب مازالوا في معظمهم ومنذ بداية العصر الحديث خارج عملية الإنتاج المعرفي النقدي وظلوا أقرب إلى المتابعة والنقل والترجمة عن النظريات الأوروبية بصفة عامة (2).. أضف إلى ذلك المشكلات الناجمة عن ترجمة النصوص والمصطلحات من ناحية وتلك الناجمة عن طرائق صياغة المصطلح وقواعد اشتقاقه من ناحية أخري مما حدا بناقد عربي مثل الدكتور عبد العزيز حمودة لأن يصف الأزمة الناتجة عن سوء الفهم سواء في الترجمة أو الصياغة بأنها "خطر دائم" و "رعب قادم"(3) ويصفها الدكتور محمود الربيعي بأنها "بهرج خادع" و "مهزلة كاملة"(4).
وهذا الاشتباك الاصطلاحي والخلط المفهومي- إن جاز التعبير يساهم بلا شك في تكريس إشكالية الثقافة العربية المعاصرة ، وربما تكون أزمة الترجمة والمصطلح إحدى أبرز انعكاسات تلك الإشكالية.
ومن هنا فإن هذه الدراسة تحاول أن ترصد أهم دواعي هذه الأزمة وأيضاً بعض مظاهرها ، كما تأمل أن تضع إلى جانب ذلك – أهم ما أقترحه الباحثون من حلول – وما توصل إليه المختصون في هذا المجال – من تصورات ومقترحات – سعياً لضبط بعض فوضي هذه الأزمة ، واستشرافا لتأسيس (علم أدب) عربي يتسم بالثقة المتأصلة ويتحلى بالاقتدار المستقبلي على التطور والاستيعاب، لا التجميد أو الاستلاب.
أهم دواعي أزمة (المصطلح) وبعض مظاهرها:
يتبدى جانب كبير من أزمة المصطلح في النقد الأدب العربي – في مجموعة من الأسباب نستطيع أن نلخص بعضها فيما يلي:
تعدد الحقول المستمدة منها المصطلح وتشابكها، تعدد المصطلحات للمفهوم الواحد، الاستخدام الشكلي للمصطلح، عدم استخدام اللغة العربية القياسية في الترجمة والتعريب، استخدام الكلمات الشبيهة بالمصطلحات، أخطاء التسرع في توليد المصطلحات، مدى استخدام المصطلح البلاغي القديم، النزوع المفرط إلى التقنين. وستقف الدراسة على كل ما سبق بشيء من الإيجاز(5).
1- تعدد الحقول المستمد منها المصطلح وتشابكها :
كعلوم اللغة والنقد والبلاغة والفلسفة وعلم النفس والاجتماع ومباحث الحفريات ودراسات الأساطير القديمة ، ومن هنا نلاحظ تردد مصطلحات واحدة في علم أو أكثر من هذه العلوم الإنسانية التي تشابكت حقولها المعرفية ، وتداخلت قضاياها وأدواتها البحثية ... ومن هذه المصطلحات :
القول ، اللغة ، الكلام ، الخطاب ، المنطق ، النص ، الشفرة ، الأيقونة ، اللسانية – الأسلوب ، البنيوية – التفكيكية – المحاكاة – التاريخية ، المادية ، الجدلية ، الجمالية ، المثالية ، المعيارية ، الظاهراتية ، الشكلية ، التحليلية – المذهب – المنهج ، القيمة ، البنية العميقة ، البنية السطحية.





وتلاحظ الباحثة مديحة جابر في كتابها (المنهج الأسلوبي في النقد الأدبي) أن بعض هذه المصطلحات يمثل مفهوما مفردا مثل :
اللغة – النص – الشفرة – المعياد – قيمة ... إلخ . وبعضها يمثل مذهبا أو تيارا كاملاً مثل :
الشكلية – البنيوية – التفككية – التاريخية – الظاهراتية ... إلخ(6).
2- تعدد المصطلحات للمفهوم الواحد :
وذلك نتيجة لفردية جهود التعريب والترجمة وعدم التنسيق بينها ، وضعف حضور الدور المؤسسي في توحيد المصطلحات وتعدد ثقافات النقاد واللغات التي يستقون منها ومن ظواهر هذا التعدد :
تعدد مصطلح (الأسلوبية) كأن يقال : الأسلوبيات – علم الأسلوب – التحليل الأسلوبي .
علم اللغة الأسلوبي .
ومصطلح (الألسنية) : اللسانيات – الألسنيات – علم اللغة – فقه اللغة ومصطلح (علم العلامات) وهو يعني (بحث القواعد أو الأعراف التي تنتج الدلالة) وهذا المصطلح يتردد بين :
السيمولوجيا – الرموز – الإشارات – السيموطبقا – السموتيك – السيمياء ...
ومصطلح "الانحراف" وقد تجاوز استخدامات العرب له أربعين مصطلحا منها : المخالفة ، المفارقة ، العدول ، التجاوز ، الكسر ، الاستبدال ، الانزياح ، الخرق .. إلخ.
وغيرها الكثير من المصطلحات : كالقارئ والمستقبل والمتلقي ، والنص والسياق ومقتضي الحال ، والخطاب والرسالة وعلم النص والنصاتية"(7).
إن هذه الكثرة من المترادفات للمصطلح الواحد وهذا التعدد سواء في الترجمة أو التعريب ، يؤدي بلا شك إلى قصور في تحديد المفاهيم ، والوقوع في بعض من الارتباك واللبس ، خاصة لدى القارئ غير المتخصص ، بل إن تداعيات هذه الظاهرة تصل إلى الرسائل العلمية والدراسات ، في حين أن الوضوح صفة مطلوبة في المصطلح ، صفة متأتية من الاتفاق "فالمعني المتفق على فهمة هو معنى واضح بالضرورة ، والمقصود بالوضوح ، الخلوص من اللبس والاختلاط ، ومن ثم كانت المصطلحات سمة علمية في حقول المعرفة المختلفة ، لأنها من خلال الوضوح والدقة ، تقضي إلى التحديد لمدلولها ، وهو التحديد الذي تتم من خلاله عملية الاتصال اللغوي لتنتقل المعلومة والرأي بين المتعاطين للغة دون عوائق"(8).
3- الاستخدام الشكلي للمصطلح :
دون إحاطة عميقة لمدلوله أو عدم تقديم شروح وتوضيحات ولو هامشية لبعض المفاهيم والمصطلحات خاصة تلك التي لها أصول متعلقة بالفلسفة وأنساق الفكر وتيارات الأيدلوجية وتنجم هذه الظاهرة نتيجة عوامل منها :
ادعاء الحداثة وركوب موجات العصر ومحاولة الإتيان بفتوحات جديدة.
الانبهار ببلاغة المصطلح الغربي وبريقه
الإحساس بالتأزم لسيولة متدفقة من المصطلحات واللهاث في محاولة لاستيعابها ومواكبتها.
وتلاحظ الدكتورة كامليا صبحي في هذا السياق – أن الحركة النقدية المصرية كانت مستخدمة للمصطلحات اللغوية الحديثة ، أكثر منها موضحة لها وهناك فارق بين استخدام المصطلح وبين توضيح المفهوم ابتداءً ، ثم استخدامه بعد ذلك ، وتؤكد د. كامليا صبحي (أن مدخل فهم أى نص علمياً كان أم أدبياً لابد وأن يبدأ من خلال فهم الألفاظ والمصطلحات ، تمهيداً لقراءاتها في سياقها لاستجلاء معانيها ، ويزداد الأمر أهمية بصفة خاصة في مجال تحليل النصوص.
"فالكلمة لم تعد هي فقط نقطة الانطلاق الأولي ، بل أضيف إليها في مجال تحليل النصوص وحداتها الصوتية والدلالية الأقل، وأصبح يتعين إدراك مهام هذه الوحدات الوظيفية للوقوف على دورها في تكوين المعنى ، وبالتالي فهم المعني الكلي ، ولذا فإن تصاعد الاهتمام بدراسة آليات اللغة ، وما تخلفة تفاعلات وحداتها الصوتية والدلالية والإشارية من معان – إنما هو دليل على رغبة في الوصول إلى حالة من الفهم الكامل" (9).
إن تشابه وتداخل التخصصات العلمية التي يستعين بها النقد الأدبي ، خاصة تخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية ، وارتباطها بمفاهيم قادمة من الفكر الفلسفي والاجتماعي في سياقات ثقافية وحضارية مختلفة تتطلب من الباحث أو الناقد.
أولاً : تحديد موقع المصطلح في منظمة هذه العلوم.
ثانياً : تتبع ما طرأ عليه من تطور .
ثالثاً : تحديد موقعه في منظومة المصطلحات النقدية والأدبية .
بحيث تكون دلالته على المعنى واحدة ومحددة وذلك لأسباب كثيرة تتعلق بوظيفة المصطلح في التحديد والتوضيح والبحث ومنها ما يتعلق بالقارئ ونشر الثقافة النقدية ، إذ لا يكفي في ذلك الوعي بدوال المصطلحات ، وإنما يتطلب الأمر أيضاً الوعي بالمفاهيم ذاتها ... لقد أدي الاستخدام الشكلي للمصطلح دون تحديد لدلالته ومفاهيمه ، وافتقاده الصلة بمنظومة المصطلحات المرتبطة بها واقتطاعة من سياق ثقافته . والنقص الواضح لجهود الشرح والتوضيح في أعمال كثير من الباحثين والناقدين – أدي ذلك إلى كم كبير من أخطاء الخلط والإلتباس ، ومن ثم إلى التطبيقات الخاطئة لكثير من المصطلحات ، خاصة تلك التي استخدمها الاتجاه البنيوي أو تلك الأخري التي اصطلحها الاتجاه التفكيكي ومن أمثلة ذلك – التطبيقات الخاطئة في استخدام ثنائية مصطلحي "الحضور والغياب" التي ترجع في جزء منها إلى ميتافيزيقيا الحضور كما قدمها "مارتن هايدجر" في حين أنها تتفرع عند الحداثيين العرب عامة ، وعند من لم تتح لهم أصلا قراءة "دريدا" أو "هايدجر"– إلى تشعيبات وتخريجات عدة، وبالتالي إلى تطبيقات لا علاقة لها بمفهوم الناقد التفكيكي أو الأخر الفيلسوف الألماني ، مع ما يصاحبها ايضا من سوء فهم وسوء تطبيق ، بينما الأمر سواء عند هايدجر أو عند دريدا، لا يعدو أن يكون جزئية جانبية في التفكيك والتلقي ودور التقاليد في حجب المعاني : الأول عند الفيلسوف الألماني ودور اللغة كعلامة حضور وغياب للمعنى عند الناقد الأمريكي/الفرنسي (10).
مفهوم "الفراغ" واختلاطه بمفهوم "المراوغة" فمفهوم الفراغ كما هو عند الناقد الفيلسوف البولندى الأصل (رومان انجاردن) يعني (المسكوت عنه) أو (غير المحدد) والذي يمكن للمتلقي أن يكمل نقضه ، وبالتالي يكون مشاركا إيجابياً في عملية الإبداع ، أما مفهوم "المراوغة" فهو عند (دريدا) مساحة أو فجوة تظل موجودة بين الدال والمدلول وفي حالة دائرية وبالتالي تؤدي إلى تفكيك لا نهائي للمعني والدلالة.
الخلط بين البنيوية بشقيها الشكلي (المغلق) كما هي عند "يارت" والبنيوية التوليدية المفتوحة لتفسيرات السياقات الاجتماعية والسياسية وغيرها كما هي عند (جولدمان).
استخدام بعض النقاد أحيانا – أدوات التحليل البنيوي للنص- لتحقيق أهداف تفكيكية دون إدراك تام بأنهما تياران على طرفي نقيض .
تداخل الحدود الفاصلة بين البنيوية ، ونظريات التلقي والتفكيك بصورة عامة.
وقد أورد د. حمودة كثيراً من أمثلة تلك المفاهيم الملتبسة ومن ثم التطبيقات الخاطئة عليها، وعلق عليها مصححاً وموضحاً(11).
4- عدم استخدام اللغة العربية القياسية في الترجمة والتعريف:
وهنا ينشأ تعدد للمصطلحات ، وبالتالي للمفاهيم نتيجة تعدد البيئات (بمعنى أن الباحث أو الناقد يلجأ في أحيان كثيرة لاستخدام مصطلحات ترتبط باللهجة أو الأساليب التعبيرية المحلية ، مما يضفي صعوبة جديدة لصعوبة النص، والأمثلة على ذلك كثيرة من التراكيب المستخدمة في المغرب العربي والتي يغلب عليها التأثر الشديد بتراكيب اللغة المنقولة منها مما يؤدي إلى إعاقة للتدفق اللغوي وسلاسته(12).
5- استخدام الكلمات العادية (شبه المصطلحات) كمصطلحات:
وهي كلمات شائعة في لغة النقد العربي ، وربما أيضا خارج دائرة النقد مثل ، النقد التاريخي ، والمذهب الشكلي ، والخطاب الأدبي ، والخواص الأسلوبية والتأثيرات الجمالية ، والغاية الجمالية ، واللغة المشتركة ... الخ. "ولا شك أن حشد النقد بهذه الكلمات التي يعتبرها البعض مصطلحات مع ما يعاني منه المصطلح النقدي من مشكلات – يساهم في إعاقة وصول رسالة الناقد ، كما أن المصطلح يقثد وظيفته الحقيقية وهي أن يصبح من مكونات الناقد الفكرية والنقدية ، يشكل رؤيته ويوجهه إلى رصد ظواهر خاصة في النص دون أن يثقل مقاله النقدي ويفقده طبيعته وتميزه الشخصي"(13)
6- الاختلاف حول مدى استخدام المصطلح البلاغي القديم أو عدم استخدامه:
نستطيع القول إن المصطلح البلاغي القديم يحاول أن يجد له مكانا راسخا ومساحة لا بأس بها وسط المشهد النقدي الحديث وخاصة في مجال البحث الصوتي بصفة خاصة والبحث اللغوي العربي بصفة عامة وذلك على مستويين:
الأول : إبدال مفهوم المصطلح القديم بمصطلحات جديدة مناظرة مثل : مصطلح "تحولات الضمائر الشخصية" بدلاً من "الالتفات" و :التدويم: بدلا من التكرار ، و "ترديد الدال والمدلول" بدلا من "الجناس التام" و "الوعي الإبداعي بدلا من القصد" و"قيم جمالية" بدلا من "معان بلاغية" و "انحراف" بدلا من "عدول" و "السياق" بدلا من مقتضي الحال ... وهكذا.
الثاني : توظيف المصطلح البلاغي في الدراسات التطبيقية خاصة في التحليل الأسلوبي : ومن هذه المصطلحات : المزاوجة – التكرار – التقسيم – التصريع – التذييل – التقطيع – التقابل – الجناس – والمصطلحات الخاصة بأغراض الأساليب البلاغية الخبرية والإنشائية(14).
ورغم ذلك فإن عددا من النقاد وكبار الباحثين مازالوا يتحفظون حول هذه المسألة : فالدكتور صلاح فضل في مناقشته لكتاب الدكتور عبد السلام المسدي "المصطلح النقدي" يأخذ عليه إهماله التعرض للمصطلح البلاغي وإعادة توظيفه في النقد العربي الحديث ، وذلك في الندوة التي عقدت بجمعية النقد الأدبي في مقرها بالقاهرة مساء 10/11/1997.
بينما يعلق الدكتور حسام الدين الخطيب على إحدى جلسات "مؤتمر قضايا المصطلح الأدبي القاهرة من 16-20 مايو 1998 والتي كانت بعنوان "التراث مصدراً اصطلاحيا – يعلق بقوله : "إن المطلوب هو الاستئناس بالمصطلح القديم وليس إسقاطه على المفهوم الحديث ، لأن المفاهيم الحديثة لها جذورها الثقافية والاجتماعية التي تختلف عن مصطلحنا القديم".
ويشير الدكتور عز الدين إسماعيل في مقدمة مجلة "فصول" – أما قبل – في عددها الخاص بقضايا المصطلح الأدبي "أن المصطلح القديم الذي كان فعالا ذات يوم ، ثم ترك حتى نسي ربما جدت ظروف تستدعي استحياءه "مرة أخرى"(15).
ويذكر الدكتور أحمد درويش أن "جون كوين" وهو ناقد غربي – استخدم الكثير من المصطلحات البلاغية القديمة من تراثه القديم وكذلك مصطلحات نحوية وذلك في كتاب "بنا" لغة الشعر وأن الأمر ليس عنده وحده ، بل يكثر عند البناءين بعامة استخدام مصطلحات أرسطو"(16).
7- أخطاء التسرع الناتجة عن ضغط التحدي الحضاري والانفجار المعرفي:
فالانفجار المعلوماتي والمعرفي الذي تتعرض له ثقافتنا ولغتنا اليوم ، فضلاً عن الاكتشافات الطبيعية ، والابتكارات التي تستحدث بإيقاع لاهث وعلى فترات زمنية محدودة جداً – أدى ذلك إلى رد فعل متعجل ، وبالتالي لا يخلو من أخطاء في مجال توليد مصطلحات جديدة واستخدامها تحت ضغط الحاجة ، ورغبة في المتابعة ومواكبة الجديد ، ورغم أنه ظاهرة صحية في اللغة لأنه دليل على قدرتها على الاستجابة بقوة للتحدي المعرفي وحوار الحضارات إلا أنه يمثل أزمة من بعض الوجوه.
8- الرغبة الملحة في التقنين ومحاولة الوصول بلغة النقد الأدبي إلى لغة العلم :
وحول هذه الظاهرة نود أن نسوق ملاحظتين على قدر من الأهمية أوردهما اثنان من المهتمين بمجالي النقد والترجمة.
الأولي : عند الدكتور عبد العزيز حمودة الذي يذهب إلى أن الناقد أو الباحث "يستطيع" أن يرفض فكرة عالمية النقد الغربي واصطلاحاته ، وفكرة اعتباره كالعلم لا يعرف جنسية أو حدوداً جغرافية أو حضارية معينة ، هذه الفكرة زائفة لأن مناهج النقد الغربي واصطلاحاته ليس لها صفة العمومية والشمول اللتين يتصف بهما العلم ، فهذه المناهج وتلك المصطلحات مرتبطة بظروف حضارية وتاريخية معينه مرت بها مجتمعاتهم وثقافتهم خاصة في ستينيات القرن الماضي"(17) حين شاع استخدامهم لمصطلحات تيار البنيوية .
الملحوظة الثانية : وردت عند الدكتور سمير أمين حيث يقول إن "اتجاهات النقد الغربي الحديث4 ومناهجة واصطلاحاته ظهرت لتطبق على الأدب الغربي لا العربي ، وهذا يعنى أن الناقد أو الباحث ليس مضطرا لأن يطبق هذه الاتجاهات ومناهجها على أدبنا تطبيقاً حرفيا أو آليا نظرا لوجود فوراق موضوعية بين عالم الأدب الغربي وعالم الأدب العربي ، إضافة لوجود مساحة تاريخية بين ثقافة كل أدب"(18).
تلك بعض من دواعي إشكالية "المصطلح" في النقد العربي حاولت أن أرصدها في إيجاز وتلخيص ، تحقيقاً لغاية الدراسة متجنبا – قدر الامكان- الدخول في مسائلها الفكرية أو القضايا التي يمكن أن تثيرها في جوانبها الفلسفية ومذاهبها الأدبية فهذا الأمر غير ذي موضوع بالنسبة لهدف الدراسة الذي يرمي إلى حصر مشكلات المصطلح وأيضاً طرح أهم ما اقترح لها من حلول وتيسير هذه المسألة بالنسبة للمهتمين ... أما الوجه الآخر لإشكالية المصطلح فيتمثل في "الترجمة".
والمعروف أن الترجمة في مجال النقد الأدبي تكاد تكون فنا وضربا من الإبداع ، وبما أن الترجمة تتطلب من المترجم تمكناً كاملاً غير منقوص لناصيتي اللغتين اللتين يمارس فيهما عمله.
ولابد أن يتمتع المرجم بقدر كبير من المعرفة والعلم في المجال الذي يمارس فيه فعل الترجمة.
وان يدرك أن لغة الأدب لغة رمزية لا تقوم على المتواضعات اللغوية بقدر ما تعتمد على القدرة الدائمة والمتجددة على الإيماء بدلالات غير متواضع عليها ، وأن في ابداع المصلح المنقول أو نقل المدلول بما يتضمنه من طاقة إيجابية نوعا من المعاناة واستنباطاً عميقاً لفكر ووجدان المصنف .. مع هذه الاعتبارات التي يجب أخذها بكل اهتمام عند الترجمة ، نستطيع القول إن ثمة تحديات تواجه هذه العملية تتلخص فيما يلي :
ضعف مستوى الخريجين في اللغات الأجنبية .
نظام مراجعة الترجمات نظام شكلي ولا يتم كما ينبغي.
تواضع أجر المترجم .. وفي هذا يقول الدكتور ماهر فريد "وحتى عهد قريب كنا مازلنا نحاسب المترجم عن الكلمة بالقرش حسب عدد الكلمات ، سواء كان يترجم قصة بوليسية رخيصة أو أثر فلسفيا لأفلاطون".
افتقار إلى تخطيط بعيد المدى لحاضر الترجمة ومستقبلها حتى نتجنب التكرار ، فهناك أعمال ترجمت أربع أو خمس مرات كقصص موباسان أو تشيكوف مثلا ، بينما هناك أعمال لا تقل أهمية لم يقترب منها أحد"(19) وحول أخطاء الترجمة ومظاهر التقصير فيها يحصى ماهر شفيق فريد أكثر من (خمسة وثمانين) خطأ في الترجمة لعدد من الكتب في الرواية والمسرح وتاريخ الأدب صادره عن الهيئة العامة للكتاب واضعا التصويبات لها ، واصفا كم الأخطاء في هذه الكتب "بأنه بلقع يسوء الناظرين لولا ثلة من أساتذة الترجمة وأهلها الأفذاذ"(20)
• مذاهب المترجمين :
في مقاله عن "حركة الترجمة في مصر" بمجلة الهلال بعددها الصادر في ديسمبر 2000م ، يعطي الدكتور ماهر شفيق فريد صورة موجزة عن حركة الترجمة في مصر عبر أربعة عقود وينتهي في مقاله إلى عدد من الملاحظات الهامة حول عملية الترجمة ومذاهبها أراها جديرة بالذكر في هذا المقام.
أول هذه الملاحظات :
أن الترجمة بمثابة توتر مستمر بين قطبين متمثل في جدلية "الظهور والاختفاء" فالمترجم يتنازعه عاملان : الرغبة في حجب نفسه وراء النص الذي يتعامل معه بحيث يكون المؤلف وحده هو الذي يشغل مقدمة الصورة وربما وسطها وعمقها أيضا .. والرغبة على الجانب المقابل في أن ينتج نصه الخاص الذي يسير موازيا للنص الأصلي ، قد يقصر عنه في مواضع ، وقد يساويه بمصادفة سعيدة – يتفوق عليه.
وثاني هذه الملاحظات : أن الترجمة فعل مسرحي أو ارتداء لمجموعة من الأقنعة يخلف بعضها بعضا ، المترجم مؤد على مسرح .. نصه هو نص المؤلف .. جمهور هذا المسرح هو الجمهور القارئ .. وناقده هو الذي يكتب عن الترجمة أو المراجع للنص المترجم.
على هذا المسرح تتعدد الأقنعة بتعدد عقول المترجمين وتركيبهم النفسي وأمزجتهم ومدى تمكنهم من اللغة الأم واللغة المنقول عنها ، فمنهم من يؤمن بالجزالة ويرتد في ترجماته إلى أزهى عصور النثر والشعر العربي مثل حافظ مترجم "البؤساء" ومنهم من يحرص على الجزالة ولكن مع قدر من المصطلح العصري كالمازنى مترجم "ابن الطبيعة" للروسي "ارتزباتشيف" وهناك من يميل إلى تعريب النص كترجمات مطران لشكسبير وكورني ، أو يرتدي قناع لغة القرآن الكريم كالدكتور على حافظ في ترجماته.

مشاركة