الثلاثاء، 23 يونيو، 2015

قراءة في رواية "غريق السيلولويد" – للسعيد صالح

تبقي ملاحظة هامة تتصل بالبنية الروائية لنص السعيد صالح "غرق السيلولويد" وهي ربما تكون جديدة التناول من حيث بناء الأحداث والشخصيات على خلفية من ثقافة سينمائية صرح الكاتب بأنها أساسية في تكوينه الثقافي والأدبي ربما أكثر من ثقافته الروائية المكتوبة، بل هي كذلك بالفعل.

في تجربة روائية جديدة، يعود إلينا الكاتب القصصي والروائي، السعيد صالح مع روايته "غريق السيلولويد" والتي أصدرها عن دار المصري للنشر والتوزيع بالقاهرة في طبعتها الأولي في مطلع يناير عام 2015م، وذلك في حوالي 235 صفحة من القطع المتوسط، وتأتي جدة التجربة الروائية هذه من خلال صياغة وبناء المؤلف أحداث روايته وشخصياته على خلفية من ثقافة سينمائية وأفلام شاهدها الكاتب منفعلاً مع أحداثها في فترات سابقة ولاحقة من حياته هذا ويبدو ميدان طلعت حرب بوسط القاهرة بارزاً في الرواية كعنصر مكاني يلعب دوراً هاماً فيها، إذ تنطلق منه الأحداث والشخصيات وما تلبث أن تعود إليه حيث البناية الواقعة في الميدان والتي ورثها "هادي أوغلو" عن عائلته بعد وفاه أبيه وأمه وهو يعمل مهندساً في إحدى الإدارات الفنية الهندسية بشركة من شركات قطاع الأعمال. أما الفضاء الزماني للرواية فهو قبيل ثورة يناير 2011م وينتهي معها أو بعدها بقليل. ويبدو بطل الرواية رجلاً في الأربعين من العمر يعيش في شقته بالبناية غرباً وحيداً، يميل بطبعه إلى الهدوء والسكينة، يهوى الموسيقي ويجلس لفترات على صفحات التواصل الاجتماعي ورث عن عائلته التي تنتمي إلى الطبقة البرجوازية القديمة أساليبها في الحياة والسلوكيات يعشق مشاهدة الأفلام السينمائية ويحفظ كثيراً من أسماء الأفلام وكذا أهم مخرجي وممثلي السينما العالمية والمصرية أيضاً.

تتنازع "هادي"- مع ملاحظة دلالة الاسم- في وحدته مشاعر ورغبات شتى ما بين الخوف والرهبة والقلق وبالطبع النزوع بقوة وشوق شديدين إلى المرأة وحنانها، خاصة في هذه المرحلة من العمر حيث الحاجة الشديدة إليها ومناشدة الراحة والسكينة في عالمها، ويزيد من هذه الحاجة المُلحة كون هادي لك يخض من قبل غمار تجربة جنسية ليتعرف فيها على المرأة جسداً وكياناً وإن عاش تجارب رومانسية عدة جعلته أكثر حيرة وقلقاً في الاختيار، بحثاً عن شاطئ ما من شواطئ أمراءه يرسو عليه ويجد فيه صالته وإشباعه النفسي والجسدي معا. وربما كانت التجربة الجنسية الكاملة التي خاضها هادي كانت مع "نعمة" تلك المرأة التي كانت تعمل خادمة له، ترتب له بيته وتعد له الطعام. سكنت هي وأمها وولدها البالغ من العمر سبع سنوات أسفل البناية لتؤدي دور حارس العمارة وتعد لهادي طعامه وكانت نعمة تعاني من فقد إحدى عينيها بسبب ضربة وجهها زوجها الشرطي السابق إليها بحزامة الميري، كما كانت تعاني من شقاوة طفلها "فرج" لكن العاهة التي خلفها لها زوجها السابق، لم تحل دون أن تكون محل إعجاب وإثارة، خاصة وأنها كانت شابه يافعة في السابعة والعشرين من العمر و(ذات شعر كستنائي طويل ووجه مريح وجسد ذو تقاسيم ساحرة)- الرواية ص17 .


ومن الشخصيات الأخرى التي قدمتها الرواية، الدكتور طاهر طبيب العيون لهادي وأسرته من قبل وابنته الدكتورة "ليلي" كانت "حب " هادي وتواصلت معه عبر صفحات الفيس بوك في حوارات وشئون شتى وكانت أقرب إلى المعالجة النفسية له ضد القلق والتوتر وكان يجد في رؤياها وقربها راحته أما الدكتور "مراد" شقيقها فكان معالجة النفسي الذي يتردد بانتظام عليه.
حبيب نجيب: صديق هادي، هاجر إلى أمريكا وكان يلح عليه بالمجيء وأن يلحق به خاصة وأنه قد حصل على فيزا لدخول أمريكا بفضل علاقاته واتصالات المحامي الأستاذ زكى.
أما الأستاذ زكى المحامي فكان يتولى جمع إيجار البناية وإعداد الحسابات وكان زكى يطمع في شراء البناية فقد احترف شراء البنايات القديمة وهدمها وتحويلها مع شركائه إلى أبراج سكنية.
صابر : مهندس اتصالات صديق هادي ويهوي مثله مشاهدة الأفلام ، فقد زوجته وانتشله حبه للكتابة من الانهيار كان صاحب موهبة لكنه أفتقد الواسطة أو الوسيلة التي يمكن أن تضعه تحت بؤرة الشهرة والأضواء.
أما زملاء "هادي" في العمل فيأتي (مدحت) مديرا للإدارة وكان زميل هادي ودفعته في الجامعة، عينه رئيس الشركة- في المنصب نكاية في هادي فقد كان يكرهه كثيراً بسبب تفوقه الدراسي عليه.
سُهيلة: مديرة مكتب رئيس الشركة وقوادته الخاصة
رودينا: موظفة في العشرينات من العمر، ذات جمال أخاذ مستفز يثير الرجال، كانت دائماً ما يستدعيها المدير "مدحت" إلى مكتبه لممارسة الألعاب الجنسية معها.
سعاد مردان: أرمله تجاوزت الخمسين من العمر، تبدو محافظة على جمالها ورونقها، تعاني الوحدة والحرمان لإهمال زوجها السابق لها وتعوض خوائها الروحي والجسدي في قوة شخصيتها والاهتمام المفرط بأناقتها.
مروة: موظفة بالشركة وكانت إحدى الناشطات السياسيات وترى أن الثورة خطفت من الشباب.
المعلم شفيق: صاحب المقهى أسفل البناية في الخمسين من العمر كان يطمع في محل مغلق أسفل البناية ليحوله دكانا للعصير.
وديع فورمة: صاحب محل كوافير في البناية ولدية فريق من الفتيات الحسناوات وهو يستغل المكان لأعمال القوادة واسمه الحقيقي كان "وديع نجيب قرني"
أدهم استوود: أحد البلطجية الذين كانوا يغشون مقهى المعلم شفيق .
سنجة: بلطجي آخر وأحد صبيان أدهم وارتقي ليكون مستقلاً بنفسه .
تبدأ أحداث الرواية بتمهيد فضائها المكاني وتقديم الشخصيات ثم لا تلبث أن تتشابك بالتوازي والتقاطع وتضارب الطموحات والمطالع والتطلعات، تلك التطلعات التي اختلفت وتنوعت وفقاً لتركيبة الشخصية ودوافعها، فهناك صراع حول البناية والمحل المغلق، وهناك صراع ذاتي بين هادي ونفسه تطلعاً للسلام النفسي والاستقرار وهناك صراع يدور خفياً في الشركة ضد التسيب والفساد، استعان فيه هادي بمروة وسعاد مردان حتى كشفوه ويتم عزل رئيس الشركة وإحالته للنيابة الإدارية وفي أحداث الثورة تستشهد مروة زميلة هادي وأكثر زميلاته في الشركة كسباً للمودة والاحترام ويبدو مصير الثورة غامضاً معلقاً بين الجيش الذي تدخل بحجة حماية الثورة وسعى التيارات الدينية للاحتواء استناداً إلى قوتهم بتواجدهم الكثيف في الشارع وقوة تنظيمهم.
وتنتهي أحداث الرواية على هذا المشهد الضبابي للثورة وتندهش الدكتورة ليلي من قرار راود هادي أن يهاجر إلى أمريكا ملتحقا بصديقة (حبيب)
لكنه يختار أن يستقر ويتزوجها .

ويرتكب زكى المحامي ووديع فورمة المزيد من الجرائم وأعمال الفساد حتى يقعا وينهارا مع النظام البائد وتقرر "نعمة" الخادمة الزواج برجل كان يحبها وترحل معه إلى بلدته بعد أن قضي هادي منها وطرا
وأود بعد هذا العرض السريع لملخص أحداث الرواية وعرض أهم شخصياتها أن أسجل بعض الملاحظات التي عرضها قراء الرواية في الندوة التي جمعتهم بنادي البنوك خلف طرح البحر ببورسعيد مساء الجمعة 15/5/2015م.
في البداية تكلم الأديب والمحامي الأستاذ سيد زرد عن بعض الهنات النحوية في الرواية وابدى ملاحظة تاريخية عن الطبقة الاجتماعية التي انتمى إليها البطل "هادي أوغلو" بأنها طبقة زالت من المجتمع وانسحقت بعد نظام 23 يوليو والحقيقة من وجهة نظري (كاتب هذه السطور) أن انسحاق هذه الطبقة ومطاردتها من قبل النظام العسكري القمعي الذي فرضه انقلاب 23 يوليو بالإضافة إلى القضاء على الأحزاب السياسية ومصادرة حرية الصحافة والإعلام وإحلال نظام الفرد الحاكم الإله |، كما أثبتت حوادث التاريخ إلى الانهيار الاجتماعي والأخلاقي والسلوكي وتراجع دور الثقافة والأدب وبداية الانهيار القيمي مما أدى إلى نكسه 67 المدوية وسقوط عبد الناصر تمهيدا لحلول السبعينات من القرن الماضي وظهور طبقة من المغامرين واللصوص والأفاقين أفرزت نظام مبارك الفاسد ما قاد بدوره إلى اندلاع ثورة الشباب في يناير 2011م والتي سارع الجيش باحتوائها والقضاء عليها خوفاً على مصالحه أولاً وحماية للنظام المباركي من السقوط ثانياً.
وتحدث الشاعر محمد عبد الهادي عن واقعية الرواية حين قدمت بطلها إنسانا له إشباعاته كما له هواجسه وقلقه وتكلم المغاوري ماضي عن اتساع غربة الإنسان المصري في مجتمعة بسبب الفقر والأزمات الاجتماعية ما حدا بالكثير إلى الهجرة والبحث عن الأدمية خارج مصر وبروز أمريكا حلماً كبيراً يراود مخيلة الشباب. أما محمد الأقطش فقد تناول رؤية فنية لخصها فيما يلي :
المرأة وضرورتها الحيوية والفنية في سرديات السعيد صالح.
هيمنة ضمير (أنا) الراوي في روايات الأديب.
الزمن الكلاسى الممتد (الخط الطولي) وعدم كسر هذه الظاهرة.
الانطباع العام الذي تتركه الرواية لدى القارئ أن هناك مسارين أو واقعين تطرحهما الرواية :
الأول : واقع افتراضي من خلال (شات) هادي/ د. ليلي. وأخر من واقعي يموج بالأحداث.

وأن هناك بالتالي نوعا من التوازي الهندسي بين بناية هادي أغلو وما صدر عنها واليها من أحداث وشخصيات وبين عالم هادي الداخلي النفسي وما يموج به من هواجس وقلاقل وأزعم أن هادي وعالمه وما كان يشغله ويقلقه من ضرورة إشباع حاجاته الجسدية والنفسية، إنما كان أمراً شخصياً لا يعكس توجها عاما ساد البلاد والعباد في ذلك الوقت وخاصة الشباب وهو ضرورة إسقاط النظام الفاسد والمطالبة بقوة بالعيش والحرية والكرامة الإنسانية وهو الأمر الذي جسدته شخصية الناشطة السياسية (مروة) زميلة هادي الشابة في الشركة التي يعمل بها وربما مثلت شخصيات مدير الشركة وسهيلة ورودينا وعكسوا معاً ذلك الفساد الذي عم وطم وتزاوجت فيه السلطة والمال والنفوذ واتسع فيه الفقر ومساحات الغصب حتى وقعت ثورة شبابية أبهرت العالم ولكن الجيش الذي ارتبط بنظام مبارك ارتباطا حيوياً يسارع بالفعل بضرب الثورة ومطاردة الثوار ويسفر ذلك عن قبح التوجه العسكري القمعي الذي كان نتاجه نظام 30 يونيو الذي ردد التافهون والمصفقون له أغنية (تسلم الأيادي) ليصبح الجميع يواجهون في استسلام ومهانة نظام ديكتاتورياً يوضع الشباب السجون والمعتقلات ويحكم بقوانين استثنائية وأحكام عرفية عائدا بمصر إلى أقبح ما كانت عليه وأنكى من نظام مبارك الفاسد.

تبقي ملاحظة هامة تتصل بالبنية الروائية لنص السعيد صالح "غرق السيلولويد" وهي ربما تكون جديدة التناول من حيث بناء الأحداث والشخصيات على خلفية من ثقافة سينمائية صرح الكاتب بأنها أساسية في تكوينه الثقافي والأدبي ربما أكثر من ثقافته الروائية المكتوبة، بل هي كذلك بالفعل. 

مشاركة