السبت، 13 يونيو، 2015

كتابة أسامة كمال البيضاء

ويضم "كتابة بيضاء" سبعة وأربعين نصا تقتربون والجمال اقترابا حميماً من تخوم الشعر ويعالجهم الكاتب بأدوات الشعر من التكثيف الشعوري والبلاغي واللغوي ولكل نص من النصوص وضع اسامة كمال له عنوانا يوجز تفاصيل عالم النص ويكثف وجدانياته التي يريد توصيلها للقارئ والمتلقي وهذه العناوين مثل: ورقة شجر ، زورق ، خريف ، مغيب ، حزن ، سنونو ، قلب ... الخ .

عن سلسلة "كتابات جديدة" بالهيئة العامة المصرية للكتاب أصدر الكاتب الشاعر والمحرر الأدبي أسامة كمال مجموعة "نصوص" تحت عنوان "كتابة بيضاء" وذلك أواخر عام 2013م- ويقدم أسامة كمال مجموعة هذه النصوص المتسمة بالتكثيف والإيجاز – بغيه استدعاء شيئاً من الجمال والرقي إلى حياتنا وإلى نفوسنا التي أصابها كثير من التشوه والقبح ، ويهدي أسامة نصوصه ذات الألوان البهيجة الزاهية إلى عالم (سحر الكتابة) هذا العالم (الأثير) وهو بهذا يؤكد على ضرورة (فعل الكتابة) وحيويته وجماله والذي يظل بالرغم من معاناته وبالرغم من العواصف والأنواء وسحابات اليأس والإحباط التي تغلف حياتنا – أحد أفعال الخلاص والانعتاق وأحد أهم الأساليب الشافية لرقي الوجدان وتنمية الذوق وارتقاء الحس الإنساني ما يساهم في الحد من ظواهر التشوه الحسي والانحطاط الأخلاقي وينبه إلى أن الحياة ليست مجرد صراعات أو سباقات ومنافسات نحو القوة والمزيد من النفوذ وإنما جوهرها السعي إلى مزيد من الحب والفعال الانسانية الراقية والسمو الأخلاقي والسلوكي أو في ذلك فليتنافس المتنافسون إنها كتابة مصدرها ومجراها ومرساها تعاظم قيم الحق والخير .

ويضم "كتابة بيضاء" سبعة وأربعين نصا تقتربون والجمال اقترابا حميماً من تخوم الشعر ويعالجهم الكاتب بأدوات الشعر من التكثيف الشعوري والبلاغي واللغوي ولكل نص من النصوص وضع اسامة كمال له عنوانا يوجز تفاصيل عالم النص ويكثف وجدانياته التي يريد توصيلها للقارئ والمتلقي وهذه العناوين مثل: ورقة شجر ، زورق ، خريف ، مغيب ، حزن ، سنونو ، قلب ... الخ . وتلاحظ أن عناوين النصوص من مفردات صيغت نكرة اتساقاً مع روح الايجاز وبلاغة التكثيف للنصوص ذاتها ونورد في هذه القراءة شيئاً من هذه النصوص ونقف معها محاولين إبراز أهم قيمها الجمالية واللغوية عسى أن نقف على المبتغى التي تصبوا إليها إبداعات هذه الكتابة البيضاء.



ويقول أسامة كمال في نص "ورقة شجر" وهو أول نصوص هذه المجموعة :
أنا أضعفُ من ورقة شجر
ولكنني
أحلم بمودة الشمسِ
في قلبي
كي أخلق مع طائرة الطفلة
الورقية الجميلة
لأشعر بالفرح
.. نعم إنني كائن ضعيف ولكنى من حقي الحياة .. الحياة التي وهبها الله لجميع المخلوقات ولست أطمح لأن أعيش فقط .. مجرد عيش ولكنى أصبو إلى الأهم والأجمل وهو التمتع بمجالي الحسن والجمال والإحساس بالفرحة الشفيقة البريئة أحلم بأشعة الشمس المتألقة في قلبي وأحلق عاليا مع طائرة ورقيه جميلة لطفلة بريئة .. هكذا اعيش وهكذا اشعر بالفرحة الحقيقية .
وهكذا يبدو إن الحلم عند أسامة ليس مجرد ظاهرة بيولوجية ولكنه تعبير عن الأمل وأحد الحلول البديلة التي تقي الإنسان أمراض النفس وشروخات الروح وعلل الجسد يظل الحُلم والآمال الماثلة دائما أمام ناظري الانسان خصية ضرورية ملازمة له .. ويظل الجوهر الانساني الأصيل على يقين بأن الحياة تتسع للجميع وهي حق مقدس لجميع المخلوقات .
وما زال الكاتب مع الحلم وفي نص "زورق" نراه يتهادى على أمواج الأمل ضحكات حيث تلوح شراعه من بعيد يقول في (زورق) :

زورق الأحلام البعيد
يقترب
وأنا أنتظر / لا أفعل
غير الانتظار
والانتظار في محصلته النهائية لابد أن يسفر عن شيء ولكنه في الوقت نفسه – نقول – أنه في حاجة دوماً إلى الحركة والسعي.
أما في نص "خريف" فيقول :
الخريف
يأتي على قلبي / ويبلل جسدي
بوردات الطفولة القديمة / التي لم أستطيع
يوماً / نزعها من روحي
إن الطفولة تلك الفرحة العارمة في العمر والذاكرة المحفورة في العقل والوجدان تظل دائما متحفظة بذكريات هذه المرحلة الجميلة ولا يستطيع الخريف .. أى خريفاً أن ينتزعها . وفي مغيب يقول :
الخريف
أجمل الأيام / وقطار الرحلة الرهيف
الذي يصل / إلى المغيب / بدون صوت
إن الحياة تتواصل وتدور معها المواسم وها هو الخريف يأتي في تأن وعلى مهل ليعلن عن مغيب المواسم ويذكرنا بمغيب حياتنا وأعمارنا والتي نود أن تأتي في سكينة وهدوء وسلام.
وفي "سنونو" يغرد الشاعر قائلاً :
عيون طلى جميلةُ / بلون الأحلام
وابتسامته ... / رقصةُ بديعة / السنونو صغير
عرف توا .. / متعة الطيران
إن النصوص التي تخللتها روح الطفولة والبراءة تقف مستلهمة ألوانها الزاهية من عيون الطفولة وابتسامتها .. ابتسامة أشبه برقصة لسنونو صغير رقصة فرح يعبر بها عن بداية معرفته بالطيران ومتعة التحليق في أجواز الفضاء وهكذا يبدو النص لوحه فنيه مكتملة الأركان من العناصر والألوان وتصنع جزيئات اللوحة مفردات من الصور البلاغية والاستعارات الجمالية مثلما تصنعها في اللوحات السابقة ... فجمال عيون الطفل لون من الأحلام (وابتسامة رقصة سنونو) والرقصة معصوفة (بالبديعة) وفي النص السابق سنجد الخريف قطاراً والانتهاء مغيباً وهنا يستخدم الشاعر التشبيه البليغ الذي يجعل عنصرا التشبيه (مشبه ومشبه به) شيئاً واحدا وهو ضرب من ضروب الاستغراق والخروج بالأشياء والكائنات عن حقيقتها الواقعة إلى آفاق المجاز والخيال.
أما في نصر "قلب" فيقول :
رسمت شكل القلب / بالألوان الأطفال الخشبية
ولونته / باللون الأخضر / فشعرت بالخوف
من الصباح / الذي اقترب / من النافذة
إن ليالي وأحلام الطفولة الجميلة لتملأ حياتي حتى أني أقضي ليلى أرسم رسومات الأطفال الجميلة وهأنذا أرسم قلباً وألونه باللون الأخضر لون الأمل – لون الحياة ولكنني أخشي طلوع الصباح المقترب من النافذة فأنا لا أعلم ماذا سيأتي به.
إن استخدام الشاعر (للأخضر) يوحى بالتفاؤل والحياة والأمل واقتراب الصباح من النافذة فيها كتابة عن الترقب والخوف .
أما في نص (القاهرة) فهو يصور هذه المدينة المراوغة بأنها قطار معشوق يبغى المرء وصوله ولكنه لا يصل
ويصورها قمرا ينشئ فجأة فيطارده الجميع
لكنهم سرعان ما يكتشفون
أنه مجرد سحابة ضلت
طريقها
ويورها تارة ثالثة
بأنها رماد يتناثر على الاسفلت والنيل ثم يبدو الشاعر واقفا وحيدا منتظر أن تأتي أحلامه المؤجلة ويكون في حالٍ جديد روحا تغتسل بأضواء القاهرة المعشوقة في نص "ستينيات"
يبدو أسامة وكأنه يدين هذه الفترة شديد الإ وأنه يلمح فيها لهزائمنا وانتكاساتنا الكبرى يقول عن : "هواء الستينات" :
بينما دخان المعارك
يتصاعد إلى أنوفنا
نتشمم معه رائحة الوطن
نتساقط جميعاً على الأرض
تحلق حولنا العصافير / دون خوف
من خيالات المآتة / التي سقطت على الأرض!!
وفي نص "بحر" : يبدو أسامة كمال عاشقاً متيماً بالبحر وظواهره وكائناته ولا عجب في ذلك – فهو ابن بورسعيد ابنه البحر والقناة وكل أبنائها يعشقون بحرها ويهيمون به فبحر مدينتهم ليس كأي بحر ذلك :
لأن الطيور البيضاء / ملأته يوما عن آخره
ربما ... / لأن جنية البحر / نثرت حيات
الملح / فوق الغرقى / ربما ... / لأن السماء ... /
أمطرت مطراً فضياً / فوق البحر / وعلى وجهي
إن بحر بورسعيد تكون في خيال الشاعر العاشق لمدينته من حبات مطر فضي وجنيات البحر ملأت أجساد غرقاه بالعطر والنوارس ملأته يوما عن آخره فرحة بالرزق الوفير.
في نص "10/8/1971" وهو تاريخ ميلاد الشاعر يقول بمناسبته:
تذكرت يوم الميلاد / وأيام الضحك والبكاء / والجلوس بعيدا عن الأصدقاء / تخيلت لحظة / أنك حتما سوف تموت.
وتحضر في القصيدة لفتة تشاؤمية نوعاً ما فالشاعر يتذكر ما عاشه من أيام سالفة وذكريات ماضية ولكن تباغته أثناء الذكريات لحظة يتخيل فيها أنه سوف يموت وهذه النزعة تتناقض مع مفتتح النص الذي بدا فيه الشاعر إيجابياً فاعلا حين حاول أن يكتب اسمه بين المبدعين في الجريدة اليومية .
ويكتب تحت عنوان "أمي" وأيضاً تحت عنوان "أب" يقول في النص الأول:
أمي صارت حلما عجوزا / يمر على نوافذ الفتيات الصغيرات دون أن يأتيهن في المنام / فأحلام البنات / تسطع كأوراق شجرة زاهية / وتخبو هي .. كصبارة تنتظر وحدها / في فضاء الصحراء .
إن أسامة يبدو واقفاً متأملاً في أحوال الحياة والممات فالذي مات قد مات وما هو آتٍ آتٍ والحياة لا تقف لأحد وهى تواصل طريقها لا تلوى على شيء وكل منا في شأن فها هي الصبارة ففي فضاء الصحراء تخبو وها هي الأشجار الزاهية تبدو وهكذا يتوالد الفناء من العدم والحياة من الممات.
أما في قصيدة "أبي" فقد ودعه الشاعر بعد زيارة قبره وفي القلب ذكريات حبيبة وأثيرة يتوقع الشاعر أن تتجدد مع كل مقام يأتي فيه اسمه أو مع كل ذكري يوم وفاته يقول الشاعر :
إن أبي صار دموعا / ستسقط على قلوبنا / حينما يأتي طيفه .. / أو حينما .. / نتذكر نبأ الوفاة .
وتبدو أخيلة أسامة ومجازاته واستعاراته تشكل كل نص من نصوصه فالنصوص على نحو ما رأينا من نماذج مصاغة بالصورة وهي دائماً لوحة فنية ذات أجزاء وعناصر وفيها يتضافر اللون بالصوت وبالحركة ففي قصيدة أبي مثلاً يتخيل الشاعر من شدة حزنة أن الأب دموع وهذه الدموع تسقط وتصب صبا على قلوب أبنائه وأحبائه كلما جاءت ذكراه واللوحة الفنية هنا توحى بالحزن والاسي وهى مكتملة العناصر فاللون في الطيف والدموع والحركة في القلوب الباكية وطيف الأب الآتي والصوت في البكاء الحزين وتبدو لوحات اسامة أكثر جمالا وبروزا مع البحر والأزهار والشجر والخريف ... الخ
في قصيدة "وردة" ونختم بها هذه القراءات لـ "كتابات بيضاء" يقول الشاعر :
على قلبها نبتت وردة / لها ظلان / ظلُ لي .. وظلُ لأخي .. / غائب .. لا يجئ .
إنه موقف الحب اليائس والمحب الذي يخدع نفسه حين يكون متأكدا من انصراف قلب حبيبته لغيره وأنه ليس وحده حبيبها.
ويطالعنا النص بلوحة فنية في صورة قلب وقد نبتت وردة عليه ومدت ظلان لها ظل على الشاعر وظل آخر لا يستظل به أحد وإنما مدته الوردة للحبيب الغائب الذي تؤثره.
هكذا نختتم قراءتنا لـ "كتابة بيضاء" والتي بدت بحق بيضاء بلون البراءة والسعي صوب اصطياد قيم الحق والخير والجمال التي نفتقدها بشدة حياتنا المعاصرة.

مشاركة