الثلاثاء، 6 سبتمبر، 2016

قراءة في ديوان "الذات بين منزلتين" للشاعر صلاح بدران

لا شيء يدعو للعجب / عهدٌ طويلٌ مرَّ / والأولاد في صُبح المدارس / يائسين وعاجزين / وصابرين .. على سياط المحتسب / المتحف القومي / رمز الزيف في وطني المباع.

هو أحد شعراء دمياط الزاخرة، العامرة بالأدب والأدباء. يقيم شاعرنا في قريته كفر سعد التابعة للمحافظة ويشارك بنشاط ملحوظ في فعاليات قصر ثقافة كفر سعد ونادي الأدب وهو أيضاً باحث وناقد شارك في العديد من المؤتمرات الأدبية، كما فاز بالعديد  من الجوائز. صدر للشاعر ديوان "عزف على الوتر السادس" عام 2000م ومجموعة شعرية "عيناك دوماً" عن قصر ثقافة كفر سعد. له تحت الطبع ديوان في الغزل وآخر في شعر الحكمة لم يصدرا بعد ونأمل صدورهما.

عن الديوان :

يضم ديوان "الذات بين منزلتين" إحدى عشرة قصيدة تشغل حوالي خمساً وسبعين (75) صفحة، هذا سوى الإهداء والتقديم.
وإذا ولجنا للديوان بادئين بمنتجاته النصية الملحقة بالمتن سنجد عنواناً وإهداءً وتقديماً وهي منتجات تعين القارئ والمتلقي على الولوج والدخول إلى عالم الديوان.

فأما الإهداء :
فالشاعر يهديه إلى أبيه وأمه وأبنائه وتلاميه وإلى الشرفاء من أبناء مصر وإلى ملهمته "ملهمة الرياحين".

وأما التقديم :
فهو يقدمُ وله بمساحة من الحنين الجارف إلى الماضي، إلى الزمن وبالجميل حيث حكايات الأم والخالات في جو شبه أسطوري وحيث الأب المبجل ببهاء حضوره وحيث حقول الخير والحب تمتدُ وتنتقل ما بين الذات وبين زمن الماضي الجميل إلا أن الشاعر يعيش الآن بعد سنين طوال مدركاً زمنا مغايراً تماماً. إنه زمن الشدة والعنت ومُقام المكابدة فثم واقع خشن تنشد فيه الروح الانعتاق والخلاص وتشوق إلى إعادة إنتاج ماض ولى كان مفعماً بالبشر والحيوية بالرغم من بساطة العيش ومحدودية المطالب.
ثم يأتي آخر المنتجات النصية وهو شكر واجب يزجيه الشاعر إلى فرع ثقافة دمياط وأدباء كفر سعد وقصر ثقافة الكفر وشاعر العامية البورسعيدي الشاب أحمد عطوة على جهده في تنسيق الديوان ونسخه.



وأما عنوان الديوان :
والذي سطره الشاعر على الغلاف موقعاً باسمه وملحقاً به لقبه وهو "الوتر السادس" فإن هذا اللقب يأتي ذا دلالة. إذ إن الوتر الحساس السادس عن قدامى الموسيقيين الغرب والمحدثين منهم يأتي ليضيف بُعداً صوتياً جديداً لأوتار آلة العود الخمسة. إن الشاعر ينقل دلالة الإضافة والإثراء من حقل الموسيقى إلى حقل القول الشعري مع ملاحظة ما بينهما من أواصر وثيقة.


مع عالم الديوان :
ومع أولى قصائد الديوان التي حملت عنوان (لا شيء يدعو للعجب) ملاحظة (يقرأها الشاعر) – يقدم لها الشاعر بقول أبي الطيب المتنبي
وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء
وتأتي القصيدة وكأنها تعليق على مقولة المتنبي حيث يعتبر الشاعر متناقضات مصر أشياء مألوفة وعادية .. إن الشاعر يبدو متبرماً ، شديد الضيق من جرّاء عهد طويل تعيشه مصر في معاناة وعنت، فالوجوه لم تتغير والأطفال داستها الأقدام وحيث الحكام يمارسون الأمر غير مبالين بشيء من الجدب والوحشية والقسوة التي تدور حولهم وكيف يبالون وهم حبيسوا قصورهم الفخمة ، إنهم لن يبالوا بالأطفال العاجزين المحرومين .. إنهم يختزلون التاريخ والماضي في صورة المتحف القومي .. صورة "تصدر وتسوق رمزاً زائفاً لوطن ليس مستباحا فحسب وإنما هو مباع.

يقول الشاعر :
لا شيء يدعو للعجب / عهدٌ طويلٌ مرَّ / والأولاد في صُبح المدارس /
يائسين وعاجزين / وصابرين .. على سياط المحتسب / المتحف القومي / رمز الزيف في وطني المباع.
إن مصر يمارس عليها الاغتصاب يومياً، إنها تبيت كل ليلة عند أبي لهب بعد أن بيعت في سوق النخاسة، فلا شيء يدعو للعجب وسط حارات ضربها العفن وموانئ تلفظ المئات من الشباب اللائذ بالموت فرارا .. إن فرعون مصر لم يرتو ولن يرتو من عصر دماء أبنائها وجرعه أنخابا وأنخاب هو وبطانته الفاسدة !!

في "ثلاث قصائد للموت" والتي يبينها الشاعر في تسعة مقاطع تقريباً :
يفتتح الشاعر مرثية أو بكائية مستخدماً اسم الفاعل "مرتحلا" مخاطباً دنياه. وهو يرتحلُ غير حزين ولا أسف وتحتشد القصيدة بالتعبير القرآني وبالمصطلح الصوفي وفيها يبدو الشاعر غير آبه بحياة أو بموت، بحضور أو غياب، فالأمر عنده سواء. إن القصيدة لتبدو معبرة عن نزعة وجودية مفعمة بالعدمية واللا جدوى. ولكن أقصى ما يخشاه الشاعر هو موت الرغبة والحياة في داخل الناس ويرى أن الخلاص لن يكون إلا بالمجالدة والمثابرة. في حين أنه يسترخص الموت والرحيل إذا كان الأمر متعلقاً بذاته فهو شخص ما مر بالحياة مرور الكرام ثم فنى واختفى دون موعد ولا يدل على موته سوى الموت نفسه .. إنه رثاء النفس والبكاء على ذاتها أنهكها الحزن والألم.

ومن الهم الذاتي والوطني إلى الهم القومي حيث ينعى الشاعر عروبته خاصةً بعد أن ضاعت فلسطين وغرزت يهود مخالبها في جسدها وحيث يعيد التاريخ نفسه حين ولى أكثرهم يوم دُعوا إلى التصدي والمجابهة. سواء أكان المعتدي هو أبرهة الحبشي أو بنو إسرائيل الطامعين .. لقد ضاعت فلسطين وبكت نساء العالمين رجولة العرب فبدا الأمر وكأن أوطان العرب لم تلد رجالا إلا في وطن تكدس بأشباه الرجال !!
لقد مر على المأساة أكثر من ستين عاماً عجافا وإذا كان الأمر الطبيعي أن يفيق المرء على وقع الكوارث الجسام والمصائب العظام ويقرر أن اليوم خمر وغداً أمر .. فإن كل الأيام عند العرب هي في الحقيقة خمر وهم كما عهدناهم عند الأخطار سادرون وعن أوطانهم ومصائر شعوبهم لاهون !

لقد صافح العرب يهود وأقاموا معهم أحلافاً ومعاهدات سرية وعلانية وذلك تحت شعارات كاذبة وتأويلات فاسدة لآيات القرآن الكريم التي تدعو إلى السلم. لقد صافحوا يهوداً ولم تبرد أجساد الشهداء بعد صافحوهم وأكفان الشهداء تصرخ بلون الدم .. فعن أي سلم يتحدثون ؟ وعن أي أمان يبحثون ؟ إنهم والله واهمون .
في قصيدة "ثورة الأرحام" يبدو الشاعر هشاً فرحاً مستبشراً إذ يتغنى بثورة شباب مصر العظيمة في الخامس والعشرين من يناير المجيد. إنها ثورة جيل عظيم من شباب مصر جاء يحمل العيد، جاء يقوده الأمل. والشاعر يدعو مصر أن تحتضن أبنائها الثوار وتستحضر معهم الأمجاد وتستدعي بهم تاريخها العريق.
إن أرضها ونيلها لا يزالان مصدر عطاء وخير، وها هو الأمل الفسيح يرقص في عبق الصغار وأطفال المدارس. إن مصر بهبة شبابها تكتب تاريخاً مجيداً وتعزف لحناً راقصاً وستظلين يا مصر تمنحين اللقيمات لأبنائك وتظلين سخية جوادة، تقرين الضيف وتكرمين العشير. إن شبابك يعيدون إليك الحياة فأجمعي أبنائك وانطلقي آمنة تقطفين ثمار الحياة وتحصين الخير.
ستظلين يا مصر تثيرين الدهشة والعجب وتدفعين عن نفسك سوء الظن وعدم الثقة وتبرأين ساحتك من التهم الباطلة كما تبرأت من قبل مريم البتول. فما أجمل نورك الذي يضيء الميادين وساحات التحرير ويزيد ألقاً أنوار شهداء الثورة وورود بساتينها. ستظلين يا مصر شامخة خالدة.

وإنني أولد من جديد مع شروق شمس ثورتك العظيمة. إن ثورتك منحتنا الحياة إنها انتفاضة الحسين واشراقة مريم والمسيح. ستظلين يا مصر مُلهمة مانحة معطاءة. إنك قيثارة الدنيا ولحن الخلود. وإني لأفديك يا حبيبتي بالجسد وبالحبيبة وبالولد. فياليت شعري أن يظل حبك موصولاً وأن يظل رباط المودة ممدوداً غير ممنون !
إن دمي أهبه لك مددا حتى تتم فرحتك بثورة شبابط وهبة فرسانك وستكبر زهور العرس الذي يروي تربته دماء الشباب .. إنك يا مصر المنى وأنت القصد.

وقفة على قصيدة "الذات بين منزلتين"

بعد هذه الاطلالة على الديوان الذي يستلهم فيه الشاعر التاريخ والأسطورة ويعيد في قصائده صياغة بعض المقولات ويوظف فيه التراث – نقف الآن على قصيدة "الذات بين منزلتين" عنوان الديوان.
مر يا دهر / بالذي ترئيته – مر ..لا شيء يبنى
أين من لا أرى وجههم / في وجوهي / كم على القلب طاقت خطوب / وتناجت / وسرت غير آتية / مر أيها الدهر فقد كان طفل / فوصل القلب بالذي يرتجيه / وتولى يسافر العمر زهوا نحو طيف / لا يراه .. / لا يرتديه / أيها العمر / يا حبيس وجود /
بالذي كنت / يوم اسراء ذاتي / أنفق الروح كي اشتريته / قد مضى منك / أكثر مما تبقى / وكلهم يشريه / وتراءت على البعد أمان / وتناهت / مطامع النفس / نحو زيف / يعتريه من الشريف ما يعتريه / مر يا دهر / فقد كان طفل بسيق العمر / كالخيال الوجيه /
كان / يملأ السنين وجودا / ووجود بقلبه يكتويه / وفراق ... / كما لم يذقه وديع / ولتاء كأنما يحتويه / هاجر البيد / لم يجد بعض ماء / غير ذاك السراب / يغلق ما بين أفق / وأفق / يثنى الموت / اني يليه / ليس يدرى / اذا القصيدة تترى القت القصيد أم يهذيه / عازب / ماء هذه  التراتيل عازب وقطاه بين حشد وتيه / فإذا البيد اظمائك فلا / تحترز بسوى موتك / القائظ / الحائز / الفصل / لا تقتد به
مر أيها الدهر / قد كان طفل / يرقب الغيم من فم الشمس / يغرس الحلم / في افراح السفيه / ليس من يرقب النور / كمن / يعقل الشمس عند عينيه / حد التجلي / حد كل فناء / وشهود بذاته ينتشيه / هاتها هذه القروح / فما قد / بلوت عن القرح / قد احتميه.

ومثبت عليها أنها مؤلفة في خريف عام 2014 وأثرت أن اقف عليها ملياً فهي قصيدة عنوان الديوان الذي اختاره الشاعر علامة على ديوانه.
وفي القصيدة يخاطب الشاعر الدهر بالفعل الإنشائي (مُرّ) من الماضي (أمَرَ) – بأن يأمر بكل ما يرئيه ، فقدره نافذ ومكتوبه صائر وأمره واقع ولا بأس ففي النهائية يزول كل شيء بدليل زوال الأهل والرفاق والأحبة. مُرّ يا دهر فقد ألفت النفس المصائب واعتادت الخطوب وهي لم تعد تأبه بعدما وقع كل ما وقع وصار كل ما صار .. لقد كنت في الماضي البعيد.
طفلاً غزيرا أظن أن كل ما أحبه حادث وكل ما أعشقه واقع ولقد كانت النفس تعدو آملة وتسابق المكان والزمان راجية متشوقة ولكن ذلك كله كان محض سراب وإن الأمر انتهى بعدما مرت السنون إلى زيف وأوهام. لقد عاش ذاك الطفل الحالم أيامه بأشواقها كما عانى آلامها وأوجاعها ولكنه في النهاية كان في بيداء قفر وسراب كاذب وموت يحاصره من كل مكان ! إنه لم يعد يدري أهو يغني أم يهذي ؟ .. لقد ذاق الطفل حلاوة الصفاء وارتوى من طلاوة المحنة بالارتقاء إلى مقام التجلي والغناء إنه لم يعد يعنيه الخطوب. إن كثرة الجروح والقروح جعلت لديه مناعة ووقاية.

وإذا وقفنا على القصيدة / الديوان نؤكد ما سبق أن أشرنا إليه عن هاتين المنزلتين، فزلة الماضي الحالم العذب ومنزلة الحاضر القريب والآني حيث المكابدة والعناء وآلام الذات وهموم الوطن ورثاء العروبة.
وأما ما يتصل بالقصيدة من أساليب التعبير والمجازات والصور فنجد في أولها النداء "يا دهر" بصيغة النكرة المقصودة بغرض اللوم والعتاب ثم يؤكد الشاعر عدم مبالاته ويعلل لذلك بأن كل شيء سوف يؤول إلى زوال ويستخدم الشاعر "كم" للدلالة على كثرة الخطوب .. و (افعل) و (مُر يا دهر) فيهما استعارتان تشخصان الدهر وكأنه إنسان يلومه ويعاتبه ويوحي النداء بالأسف ويطفح بشعور المرارة، ويتعلق الشاعر بماضي الطفولة مؤكداً بحرف التحقيق "قد" ويجسد الروح والعمر في استخدامه الفعلين "انفق" و "اشتريه" ويستخدم التضاد في "مضى وتبقى" و "تراءت وتناهت" ويؤكد زيف واقعة المعيشة بالتكرار (يعتريه من الزيف ما يعتريه) ويعود الشاعر لمزيد من اللوم والتأنيب للنداء "مُر يا دهر" ويستدعي مرح الطفولة وبراءتها بتشبيه "قد كان طفل يسبق العمر كالخيال" ويعبر عن الحيرة بقوله "ليس يدري" واستخدامه للاستفهام "أيغني أم يهذي" ؟

كما يجسد التراتيل ماءً قد غار بعيداً والبيداء وحشا ضارياً قاسياً وجعل الموت أماناً واحترازاً ويشخص الشمس في استعارة من المضاف والمضاف إليه في قوله "فم الشمس" ويجعل الحلم نباتاً يُغرس والشمس يعقلها في تجسيد قوي موح وكذا المقام والمشاهدة شراباً ينتشي به و "قد احتميه" يستخدم "قد" للتحقيق .. وهكذا يحشد الشاعر لقصيدته كثيراً من الذخائر البلاغية والأدوات البيانية ويظهر في القصيدة وفي سائر قصائد الديوان أثر ثقافته الإسلامية والعربية ونزوعه الصوفي ليجعل من قصائده لوحات مكتملة مفعمة بعناصر التجربة الشعرية الناجحة من صوت ولون وحركة. صورة كلية استطاعت بنجاح أن تحتضن بداخلها هذا الاحتشاد من مثمنات المجاز والبيان والبديع والذي يستدعيه المقام دون تكلف أو تعسف، ولا غرابة في ذلك في الشاعر عاشق للغته ممارساً تعليمها لتلاميذه وطلابه، هذا فضلاً عن بيت وبيئة محيطة نشأ فيها وقد أرضعاه عشق اللغة والتعلق بالتراث والوفاء للأجداد والأساتذة من ذوي العلم والفضل.

مشاركة